*كتبه التجاني بولعوالي: في فبراير 2011
ثورة تونس المجيدة
في الحقيقة، إن تونس فاجأت العالم بثورتها المجيدة، التي لم تكن مطلقا في الحسبان، إنها اللامتوقع وغير المفكر فيه، ليس بلغة الأدب والنقد، كما تؤسسه نظرية القراءة أو سيميوطيقا التلقي، عند هانز روبير ياوس أو فولفغانغ إيزر أو ستانلي فيش، وغيرهم. وإنما بلغة الواقع المعيش والمشهود، حيث كان يُنظر إلى تونس بكونها أفضل بؤرة للاستقرار السياسي والاستثمار الاقتصادي والحرية الاجتماعية في العالم العربي، لذلك ظلت طوال أكثر من عقدين من الزمن محجّا للمستثمرين وملاذا للسياح. غير أنه بين عشية وضحاها لاح في الأفق ما لم يكن متوقعا، ليس من الآخرين، بل من التونسيين أنفسهم، الذين لم يصدقوا أن رياح التغيير حلت ببلادهم، فلم يكن أمام الدكتاتور إلا أن يشد رحاله إلى حيث لا رجعة! لم يُصدق أبدا أن حفنة من شباب الفايس بوك والماسانجر والموبايل، سوف تقود يوما ما ثورة التغيير بهذا الشكل السلس والجميل. ولم لا؟ والشاعر يقول:
كل صعب على الشباب يهون /// هكذا همة الرجال تكون
إن الدرس التونسي كان عظيما بكل ما تحمله الكلمة من معنى، علّم الشعوب العربية والإسلامية في زمن قياسي، ما لم تعلمه إياهم، لا جحافل المفكرين والمنظرين والمحللين، ولا التنظيمات الحزبية والسياسية والنقابية، ولا دروس الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يجلدون بها صباح مساء، عبر مئات القنوات الأرضية والفضائية. وأكثر من ذلك كله، لقنهم أن التغيير سوف يتحقق، لا محالة، إذا حضرت إرادة الشعوب التي لا تقهر.
فها هي فراسة شاعر الخضراء؛ أبو القاسم الشابي، التي ضمنها قصيدته المشهورة (إرادة الحياة)، وقد طبقت الآفاق، رغم أنه أبدعها وعمره لا يتجاوز الرابع والعشرين، وتحديدا في 16 سبتمبر 1933.
إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ /// فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
وها هو القدر يستجيب للشعب التونسي عندما أراد أن يعيش في كرامة، وينفلت من إسار الاضطهاد والجور، كأنه فجأة أدرك مغزى الإرادة التي تتكرر باستمرار في نشيده الوطني، إلا أنه لم يستوعبها إلا لحظة انطلاق الشرارة الأولى للانتفاضة من جسد البوعزيزي، الذي اشتعلت روحه ثورة وياسمينا، فلم تخبُ نارها كما هو الحال بالنسبة إلى النار الطبيعية والفيزيقية، وإنما انتقل لهيبها إلى باقي الأجساد والأرواح، داخل تونس وخارجها، كأنها جذوة بروميثيوس الأسطورية التي سرقها من الآلهة ليمنحها للإنسان، كما تحكي الميثولوجيا الإغريقية.
ترى هل الانتفاضات الشعبية التي بدأت تعتري مدن الوطن العربي وعواصمه، من الجزائر، إلى القاهرة، إلى عمان، إلى صنعاء، إلى… مردها إلى ثورة الياسمين التي كانت تونس معقلا لها؟ هل حقا اِستفاد الشعب المصري في امتحانه العسير الذي يخوضه منذ أسبوع من الدرس التونسي العظيم؟ بعبارة أجلى؛ هل يمكن اعتبار أنه لولا ما حدث في تونس، ما تحرك الشارع المصري وهو يسعى جاهدا بكل مكوناته الاجتماعية وأطيافه السياسية إلى إسقاط رأس النظام، أو “قطع رأس الأفعى”، وهي استعارة جميلة أطلقها الرئيس مبارك قبل شهر، في خطاب له على خلفية تفجير الإسكندرية، وهو يقصد بها الإرهاب، دون أن يعي أن تلك الاستعارة تنطبق على نظامه الاستبدادي أكثر؛ فالنظام هو الأفعى، ورأسها هو الرئيس!
أجل، إن ثورة تونس المجيدة شكلت عامل تحفيز للشعوب العربية والإسلامية عامة، والشعب المصري خاصة، مانحة إياها القابلية للوعي بدل الخمول، للتعبير بدل الصمت، للحركة بدل السكون، للانتفاضة بدل الانكماش، للثورة بدل انتظار الذي يأتي ولا يأتي… غير أنها شكلت في الوقت ذاته سيفا بحدين، أو درسا بمغزيين؛ المغزى الأول تجلى في الاستيعاب الجيد لما جرى في تونس من قبل الرئيس مبارك، فعرف كيف يواجه الأزمة التي ألمت به ولو مؤقتا، حتى يخرج من قمقمها بخسارة أقل. أما المغزى الثاني فقد تمثل في استنهاض الشارع المصري، وإيقاظ الهمم، وحضها على أن تثور وتستمر في الثورة.
*باحث في قضايا الإسلام والغرب
جامعة لوفان في بلجيكا





