(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.) يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات من الحقيقة حصاراً شديداً

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور عبد الله شنفار (*)

 

 

يمكن رسم صورة لهذه الحالة التي يعيشها بلدنا؛ كغيره من بلدان العالم جراء الازمة النفسية والصحية والاقتصادية والاجتماعية؛ العالمية التي خلفتها جائحة كورونا؛ بين حالتي العسر واليسر، فالعسر واليسر؛ في تحقيق مستقبل واعد بالأمل؛ من خلال التردد بين ثلاثة سيناريوهات:

1) إما قبول المجازفة؛
2) أو نهج سياسة التحديث والاصلاح والتقويم؛
3) أو وضع القطيعة مع سلوكيات الاعوجاج والاعطاب؛
تلك مشكلة الخروج من عنق الزجاجة، بحيث يطرح التساؤل كيف نلبي الالتزام بالاتفاق الدولي ونوفق في ذات الوقت بين متطلبات الجانب الاجتماعي؟
إن مقاربة الحماية من خلال الإجراءات والسياسات التي ننهجها للدخول في رهان اقتصاد السوق؛ يمكن النظر إليه من خلال الأبعاد التالية:

العمل على تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، عبر الدعوة إلى تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والتي وإن كانت مهمة إلا أنها تؤدي إلى نزوع المستثمرين وتثبيط هممهم؛ لذلك جاء القانون رقم: 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
وكذلك صدور مدونة الاستثمارات، وإحداث المحاكم التجارية؛ والتي جاءت بدل مشروع محاكم الأعمال؛ بحيث ان المشروع قدم في البداية على أساس إحداث محاكم الأعمال، ولكن ربما نظرًا لحداثة التجربة، جاء المشروع بالمحاكم التجارية الذي يختلف بطبيعة الحال في فلسفته عن توجهات محاكم الأعمال.
كما تم خلق منطقة للتبادل الحر بطنجة المتوسط. وكذا التأثير على السياسة الضريبية كإلغاء الازدواج الضريبي والاتفاق بين الأطراف حول ضمان الاستثمار ومختلف التسهيلات والاعفاءات- المقولة الشهيرة ” عفا الله عما سلف” لرئيس الحكومة السابق السيد عبدالاله بنكيران.

وبالموازاة مع ذلك؛ قبل المغرب خضوعه للمادة 8 من مدونة صندوق النقد الدولي، حول تعويم وتحويل الدرهم والمعاملات الجارية في التسديد. والاستمرار في نهج سياسة الخوصصة وفتح المجال أمام المبادرة الحرة. بالإضافة إلى تشجيع سياسة اللامركزية وعدم التركيز الاداريين والجهوية المتقدمة، وذلك بإبعاد القرار المركزي شيئا فشيئا.
لكن هنا نتساءل: هل هناك ما يخسره هذا المحلي والإقليمي والجهوي من جراء هذا الإبعاد، أم لابد من استراتيجية هذا القرار المركزي؟ هل وصلنا فعلا إلى مرحلة عدم تدخل الدولة؟ أو الدولة الأقل تدخلا أو أكثر تدخلًا؟

فشرعية ومشروعية الدولة في تنمية المجتمع والأفراد وخدمة الصالح العام تبقى محل نقاش وتساؤل. فاللامركزية تحيل إلى الاقتصاد الغير المتمركز، ويعني القائم على قوانين وقواعد السوق؛ بحيث يطرح التساؤل حول الاختيارات وعلاقة اللامركزية والجهوية ونوع التنمية الاقتصادية المراد الوصول إليها؟ إذ كيف تستطيع أن تراهن على نماذج تنموية تمكنها امتياز الدخول إلى السوق العالمية؟ وما هو المعيار المعتمد أو الذي يجب اعتماده في توزيع الاختصاص؟ وعلى أي مبدأ أو أساس سيحدد الدور الجديد الذي ستلعبه الدولة؟ هل هي وصية؟ أن هي مراقبة؟ أن هي منسقة؟ أم تلعب دور الدولة الاستراتيجية؟ وكيف يتم الحسم في التقطيعات الجهوية والإدارية؛ هل على أساس تجانس البنيات الاقتصادية والاجتماعية، أم على أسس ديمغرافية وعرقية وسياسية…؟ والذي يتنافى بطبيعة الحال مع البعد الاستراتيجي والاقتصادي.

فهذا المحلي أو الجهوي ينتظر دائما من الدولة أن تقدم له الوصفات الجاهزة حول برامج ومخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن إدارة اليومي الجهوي والإقليمي والمحلي؛ يعني المشاركة، ويعني أيضا منشط اقتصادي قادر على توجيه الاستثمارات ووضع الخطط التي تتلاءم وواقعه الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي؛ فالذي يتوصل بالرسالة هو من يقع عليه عبء تحديد حجم ومكان صندوق البريد. لان الامر يتعلق بمرحلة التجمعات الاقتصادية، وإصلاح التجارة الخارجية والأنظمة المالية والنقدية لتحقيق الادخار الممكن، وترشيد النفقات العمومية وحرية الأثمان وطرق باب المنافسة، والمزيد من الإصلاح والتقويم الهيكلي.

لكن أيهم في حاجة إلى إصلاح وتغيير وتقويم؟ هل العقليات الإدارية، من خلال سياساتها واختياراتها وبدائلها، أم التقويم الاقتصادي؟
إذا كان “مشيل جبير” قد طرح السؤال: كيف يمكن أن نكون في نفس الوقت ليبراليين باقتصاد موجه سياسيًا؟ فقد أجاب “فرنسوا سودان” بأن الخيارات السياسية والاقتصادية، والعقليات الإدارية المشرفة والمؤطرة؛ هي التي في حاجة إلى تقويم وتصحيح هيكلي.
وإجمالا فالعالم يعيش مرحلة انتقالية حول فصل مجال السياسة عن مجال الاقتصاد، إلا أن ذلك ينطبق على البلدان الأكثر تقدما، أما الدول الأكثر تخلفا ومن ضمنها المغرب، فالاستقلالية ممكنة، لكن مع وقف التنفيذ وإلى اشعار آخر، بحيث لازلنا نحتاج إلى مزيد من تطوير وتأمين حياة الفرد والمجتمع وبحاجة إلى مزيد من الحماية الاقتصادية والاجتماعية من طرف الدولة.

لفهم الدولة وشرعية ومشروعية التدخل في المجال الاقتصادي؛ نرى انه من حق المغرب حماية اقتصاده ومنتجاته وسلعه وبضائعه ومقدراته من خلال فرض شروط حماية جمركية أو حتى إغلاق تغور التهريب.. وأين يكمن المشكل في هكذا قرار سيادي!
ننطلق من طرح هذه الاسئلة الاساسية والجوهرية: هل سألنا أنفسنا ماذا خسره المغرب اقتصاديًا واجتماعيًا وحتى سياسيًا من جراء اتخاذ هذا القرار السيادي؟ من هو اللوبي المستفيد من هذا الريع التجاري؟ ومن كان المستفيد الأكبر من تجارة تهريب السلع والبضائع عبر هذا معبر سبتة ومعبر مليليه ومعبر الكركارات؟ ماذا استفادته بلدنا؛ وماذا حقق من وراء إغلاق هذه الثغور التي كانت تعود بالخير فقط على بلد محتل كصورة لآخر إرث لتصفية قضايا الاستعمار لسبتة ومليليه من القرن الماضي؟ وأين المشكل في أن يحمي المغرب منتجاته من السلع والبضائع بإغلاق ثغور ومنافذ الشر؟ هل يمكن الحديث عن استقلالية المجال الاقتصادي عن أي تدخل من الدولة؟ ما هي حدود هذا التدخل؟ وما هي مجالاته؟ وكيف يتم؟ وما هي وسائله وصوره وإجراءاته من خلال تطبيقاته لدى دول كبرى؟

أصبح تطور البلدان الأكثر تقدما في مختلف المجالات؛ يتطلب منها ويفرض عليها، فقط، البحث عن التوازنات التنموية على مستوى مختلف القطاعات. الانتاجية بحيث وصلت إلى درجة التضخم في كل شيء؛ في الإنتاج، في التكنولوجيا، في الخدمات والسلع؛ وأيضا حتى في أزمة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي… إلى غير ذلك، أي ان هذه الدول أصبحت تحتضن مجتمعات متعايشة سياسيًا واجتماعيًا، مقابل مجتمعات أخرى تنافسية اقتصاديا وتجاريًا.

أثناء توقيع اتفاقية التجارة العالمية “الكاث” بمدينة مراكش المغربية في 15 أبريل سنة 1994 بمناسبة مرور 12 عامًا على جولة أوروغواي وإنشاء منظمة التجارة العالمية التي دخلت رسميا حيز الوجود في فاتح يناير من العام 1995. الاتفاق الذي يعد ضمن الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة والخدمات والتدابير الصحية والصحة النباتية ومختلف الجوانب المتصلة بالتجارة؛ من حق الملكية الفكرية والحواجز التقنية أمام التجارة؛ حيث أنشأت أيضا كوسيلة جديدة وأكثر كفاءة وإلزامية قانونًا لتسوية المنازعات؛ لوحظ أن الموقعون والمحاورون، كانوا مجموعة من الشباب الخدمي التكنوقراط، يتعاملون فقط بلغة الأرقام؛ همهم الوحيد هو دراسة الأسواق، والعرض والطلب والمضاربات والمنافسة والربح السريع. فهؤلاء الشباب الخدمي لا يفهمون شيء اسمه الحماية والعدالة الاجتماعية. الأمر الذي أدى بالعديد من الباحثين إلى مقاربة المنافسة والاحتكار الاقتصادي بانعدام الأخلاق.

وهنا نسوق أمثلة لدول تتخذ سياسات اجرائية لحماية منتجاتها واقتصاداتها من المنافسة الخارجية:

الجمهورية الفرنسية مثلا لم تستطع أن ترضخ لثورة الفلاحين وغضبهم؛ والذين استعملوا كل صور الضغط على الحكومة، وجابوا وحاصروا الشوارع بالمتاريس وبالجرارات، ولا حتى الاستجابة لاحتجاجات اصحاب السترة الصفراء كل يوم سبت؛ إلا باتباع سياسة الدعم. لكن مع ذلك لم تستطع التراجع فيما يخص رفع الحواجز الجمركية عن منتوجاتها الفلاحية. وعلى الرغم من كونها مهيأة من خلال بناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاستيعاب قوانين السوق.
وبالتالي فاللحاق بها من طرف الدول الأكثر تخلفا يبقى مجرد شعار أو لغة ديبلوماسية ستبحث على مزيد من الاستقطاب لهذه الأخيرة، ويتبين ذلك من خلال سياساتها المتبعة في المجال الاقتصادي.
الولايات المتحدة الاميركية؛ تلجأ إلى البند 301 من اتفاقية التجارة الخارجية بين الدول والذي يخول لوزير التجارة ردع كل ما من شأنه المس بالمصالح الاقتصادية لأميركا.

ومن خلال كتاب من يحكم أمريكا؛ أو بعبارة أخرى، ما هي مراكز القوى الأساسية في النظام السياسي الأمريكي التي تمسك بخيوط الشأن الاقتصادي والسياسي، وهل هذه المراكز متعددة أم أنها مركزة في عدد قليل يهيمن على مجمل توجهات الاقتصاد والسياسة الأمريكية؟ تساؤلات أساسية شغلت علماء السياسة الأمريكيين منذ بداية الخمسينيات، وخصوصاً بعدما أصدر عالم الاجتماع الأمريكي ”ستيوارت ميلز” كتابه الشهير ”نخبة القوة” عام 1956، الذي رصد فيه على وجه التحديد ثلاث قوى رئيسة تتحكم في السياسة الأمريكية على الشكل التالي:

1. مجموعة قليلة من السياسيين المحترفين،
2. ورؤساء ومديرو الشركات الكبرى،
3. وكبار ضباط القوات المسلحة.

وندرج على سبيل المثال حماية شركة “آبل” من خلال منع عملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي” من دخول اسواقها ومن الاستفادة من التحديث من خلال استعمال شبكات الاتصالات الأمريكية. كوكل وسفاري وغيرها من محركات البحث.
اليابان تعطي النموذج المثالي والفعلي في حماية أسواقها، وذلك من خلال فرض مساطر وإجراءات إدارية جد معقدة؛ كاشتراط نسبة معينة في الجانب التقني والصحي وحماية في السلع والمنتوجات، وهذه الإجراءات والمساطر تتغير بسرعة فائقة يصعب حتى ضبطها من طرف المتعاملين مع السوق اليابانية؛ وكذا اشتراط بيع هذه السلع الأجنبية في محلات تجارية يابانية خاصة وفي ملك مواطن ياباني، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التكلفة، وبالتالي انسحاب المستثمر بمحض إرادته من السوق اليابانية.

المجموعة الاوروبية؛ تعد أيضا من الأسواق المغلقة في وجه السلع الأجنبية، بالرغم من حرية التجارة العالمية؛ فعلى الرغم من مصادقتها على قوانين المنظمة العالمية للتجارة، إلا أنها مع ذلك تلجأ إلى طرق حمائية صارمة تصل حد التعسف والاعتداء؛ كما لاحظنا غير ما مرة إتلاف منتوجات الطماطم المغربية الموجهة نحو اسواق بلدان اوروبا والاعتداء على السائقين؛ لحماية اقتصاداتها وسلعها؛ من خلال نهج السياسات الموحدة لحماية منتوجاتها من المنافسة، ومن خلال سياسة الدعم ومختلف المناورات الاقتصادية والحواجز الجمركية… إلى غير ذلك من الإجراءات الحمائية.

وبالتالي فالرأسمالية العالمية لم، ولا، ولن تسمح باللحاق بهذه المراكز المتقدمة من لدن دول العالم الأكثر تخلفا التي لم تدخل بعد مرحلة الانتاج التنافسي. وبالتالي إنتاجياتها وصناعاتها وخدماتها غير قادرة على المنافسة على المستوى العالمي.
فالعلاقات في إطار الاعتماد المتبادل تبقى طوباوية وغير ممكنة، لأن روح الرأسمالية وقوانين السوق تقو على فكر الاحتكار ويحكمها الاستقطاب، وبالتالي فمشروع العولمة وانفتاح الأسواق سيؤدي إلى مزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية ومزيد من التهميش للوضعية الاجتماعية بهذه الدول المتخلفة.

وبناء عليه فان إجراءات الحماية الجمركية التي انتهجها المغرب ومن خلال إعادة النظر في بنود اتفاقية التبادل التجاري الحر مع تركيا وسد تغور تهريب السلع والمنتجات؛ والتحكم في معبر الكركارات ومحاربة تهريب العملة ومناقشة البرلمان التصدي لظاهرة اقتناء السلع والمنتجات الأجنبية؛ إلا في حالة عدم وجود منتجات وسلع مغربية؛ وغيرها من صور غسل الأموال؛ هو قرار سيادي يهدف بالأساس إلى حماية بنياته الاقتصادية والإنتاجية في أفق الاعتماد على الذات من خلال النموذج التنموي الذي دعا له جلالة الملك؛ موضوع النقاش الحالي المفتوح في وجه كل الفعاليات المساهمة فيه بحرية وجدية من أجل بلورته على ارض الواقع مع تضمينه فضاءً مفتوحًا قابلًا للتطوير والنقد والتجاوز؛ ليعانق آفاق المستقبل والأجيال القادمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب ومفكر مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...