رؤية هلال رمضان بين الشرع والفلك

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد العزيز الشرقاوى:

 

يأتينا الشهر الفضيل كل عام كعادته حاملاً معه روحانياته وبركاته ونفحاته الإيمانية العطرة.. ويأتي معه أيضاََ الأسئلة السنوية المكررة في مسألة الرؤية الشرعية وتوافقها مع علم الفلك؛
وكون أن هذا الموضوع يشغل بال الكثيرين من الخاصة والعامة من الناس في جميع بلاد المسلمين فلقد أقام قسم أبحاث الشمس والفضاء بالمعهد القومى المصري للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بمرصد حلوان _ القاهرة _ ندوة فلكية وشرعية تحت عنوان “” رؤية هلال رمضان بين الشرع والفلك””

واعتمدت الندوة في طرحها على بحث مقدم من الأستاذ الدكتور / ياسر عبد الفتاح عبد الهادي
أستاذ وباحث في ذات المعهد حيث طرح أطروحته منضبطة بين الشرع وعلم الفلك حيث قال سيادته في طرحه الشرعي والفلكي:

بما أنَّهُ موسمُ رؤية هلال رمضان – حيث يكثر الجدل حول موضوع الرؤية والحساب الفلكي وبأيهما نأخذ – يجدرُ أن أُلقيَ هنا بعض الملاحظات كأحد الباحثين المشتغلين في مجال الفلك الشرعي الذي هو أحد مجالاتي البحثية.

١- الحديثُ العمدة في موضوع الرؤية الشرعية ليس الحديث المتداول الذي يختتم بقوله صلى الله عليه وسلم: “فأكملوا عدة شعبان ثلاثين” ، بل هو الحديث الذي ذكره الشيخان (البخاري ومسلم) في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له” ، فما معنى “اقدروا له” إن لم تكن الحساب؟ ومن الذي يقدر سوى أهل العلم والتخصص؟.

٢- حتى حديث “فأكملوا عدة شعبان ثلاثين” ورد في لفظ مُخَصَّصٍ ومُقَيَّدٍ متبوعاً بجملة “فإنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتُبُ ولا نحسِبُ”. فالثابت أنَّ عرب الجزيرة العربية في ذلك الزمان (عصر البعثة النبوية المحمدية) لم يكونوا يعرفون من علم الفلك ما يُمَكِّنُهُم من حساب مواعيد بدايات الشهور القمرية ، كما أنَّهم كانوا في غالبيتهم أميين لا يعرفون الكتابة ولا التدوين. وهناك قاعدة فقهية تقول: “إن العِلَّةَ تدورُ مع المعلولِ بالنفيِ واﻹثباتَ” ، فعِلَّةُ عدمِ معرفتهم بالكتابة والحساب التي كانت موجودة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفت فيما بعد ، وأصبحت أمة اﻹسلام تكتب وتحسب ، بل قادت العالم حضارياً وعلمياً لقرون عديدة. كما أنَّ هناك في أحكام الشرع الخاص والعام والمقيد والمطلق ولا يجوز تخصيص العام ولا تقييد المطلق.

٣- كلمةُ (رَأَى) جاءت في القرآن الكريم لتحمل عِدَّةَ معانٍ:
* الرؤيةُ العينيةُ: كما في قولِ اللهِ تعالى: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) سورة آل عمران الآية ١٣.
* الرؤية المنامية: (الرؤيا): كما في قولِ اللهِ تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) سورة الصافات الآية ١٠٢.
* الرؤية التقديرية: كما في قولِ اللهِ تعالى: (فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ) سورة الصافات الآية ١٠٢.
* رؤية أهل العلم: كما في قولِ اللهِ تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) سورة سبأ الآية ٦.
* الرؤية التذكيرية بشيء في الماضي: كما في قولِ اللهِ تعالى: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) سورة الكهف الآية ٦٣.
* رؤية الإعلام والإخبار بشيء من الغيب: كما في قولِ اللهِ تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) سورة الفجر الآية ٦.

٤– أما كلمة (شَهِدَ)في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَليصمه) التي يستند إليها من يقصر كلمة (رأى) على الرؤية العينية فهي تحتمل معانٍ كثيرة نوردها هنا:
* معنى (عَلِمَ) ، كما في قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) سورة آل عمران الآية ١٨.
* معنى (حَضَرَ) ، مثل قولك: شَهِدْنا العيد ، أي حَضَرناهُ.
* معنى (عَايَنَ) ، كما في قولك: شَهِدَ الحادث ، أي عَايَنَهُ.
* معنى (أدَّى شهادةً في قَضِيَّةٍ ما) كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أكبر الكبائر: “وشهادةُ الزُّورِ”.

٥- ربما كانت الرؤيةُ البصريةُ في الماضي قطعيةً وكان الحسابُ ظنياً ، ولذلك كانت تقدم على الحساب ، لكن اﻵن – وفي ظل تطور علوم الفلك والفضاء التى وصلت بالمعادلات إلى دقة تصل إلى كسر بسيط من الثانية من ناحية وانتشار التلوث الجوي والضوئي والعوامل اﻷخرى التي تعتري الراصدين من ناحية أخرى – يمكننا القول بأن الحساب الفلكي أصبح هو القطعي والرؤية البصرية أصبحت هي الظَّنِّيَّة ، ولا يمكن بديهياً أن نُقَدِّمَ الظَّنِّيَّ على القطعي.

٦- من المعلوم أنَّ البصرَ يُخْدَعُ بعوامل نفسية وفيزيائية مثل السراب والسحر والتوهم وكلها مثبتة ومذكورة في القرآن الكريم ، فهل يمكن الوثوق بأي راصدٍ رأى شيئاً بغير علمٍ منه وجاء ليلقي شهادته مهما كانت شدَّة وَرَعِهِ وإخلاصِهِ في ظلِّ وجودِ العلمِ القطعيِّ الذي لا يجاملُ أحداً بعينه ولا جهةً بعينها؟!!..

٧- كيف نأخذُ بالحساب الفلكي في مواقيت الصلاة – التي هي أعلى درجة من الصوم ومقدمة عليه في ترتيب أركان الإسلام الخمسة – ثم نتركه في الصوم بينما الإسلام يربط الشعائر ببعضها (فاﻹفطار في رمضان يكون على موعد صلاة المغرب واﻹمساك يكون على موعد صلاة الفجر)؟!.

٨- هل نأخذُ بكلام العوامِّ من الناس ونتركُ كلام العلماء من أهل التخصص؟! (مع العلم بأن أهل التخصص هنا هم المشتغلون في مجال الفلك الشرعيِّ الذين أحاطوا بالحكم الشرعي أولاً ثم وظَّفُوا علم الفلك لخدمته).

كل هذا الجدل لم يكن موجوداً في عصر تَقَدُّمِ أمة اﻹسلام ، فلو رجعنا إلى كتب التراث – ومنها كتاب اﻹمام العلامة المحدث الدمغاني (الوجوه والنظائر) المتوفى سنة 487 هجرية (أي منذ ما يقرب من ألف سنة) – لوجدناها عالجت اﻷمر بطريقة لغوية من القرآن الكريم حسمت معها الجدل وانتهى أمرها ، ولو عدنا إلى ما قاله اﻹمام تقيُّ الدين السبكي الذي قال: “لو جاءني من يقول بأنه رأى الهلال وقطع أهل الحساب في الفلك باستحالة رؤيته لرددتُ شهادة الشاهد وأخذت بكلام أهل العلم” لقضي اﻷمر. لكن – للأسف – ﻷن المسلمين اﻵن يعيشون عصر الغربة عن دينهم وعن ثقافته وروحه وتسيطر عليهم النزعة الديماجوجية التي تعمي كثيراً منهم عن اتباع الحق تجدهم يسقطون في فخ هذا الاستنزاف الوقتي والجهدي والفكري الذي يضيع طاقاتهم هباءً منثوراً مصداقاً لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: “إذا غضب الله على قوم سلَّطَ عليهم الجدلَ ومنعهم من العمل” ، وهذا ما نراه واقعاً في حال المسلمين اليوم ، ونسأل الله لنا جميعاً الهداية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...