قصة قصيرة: نافذةٌ و بَحرٌ وسَفينةٌ .

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ . رشيد سكري

 

 

1.
تبدو فيكِ الوجنتان كحجرِ الزُّمردِ ، أو كشجرةِ النور في جنَّة البَهاء .
عالْيا …
إنها بداية تيهِ نحو سِدرةِ المُنْتهى … في بلدٍ كالأسياخ يرمي شراراتِه الحمِئة َ، حيثُ إن الجَوَى بين الجوانحِ يترنحُ.
عالْيا …
نافذةٌ أمامي . وبحرٌ. وسفينةٌ . تمخُر عُبابا وضيئا ، كشلالِ صَيِّبٍ آتٍ من السماء . أزرقُ في أزرق . تترك السفينة خلفها خطا أبيضَ كآصرٍ مفتولٍ ، يربطني بصواعدِك و هوابطِك. في تلك الهضاب الواجمة البعيدة ، حيث أنا و أنت نقتات من فتات أطعمة النور واليقين . نرمي بها إلى الغرانيقِ ، وهي متجمعةٌ و متحلقةٌ حولنا ، تعلمنا كيف نسير على أرضٍ يبابٍ.
ها أنا ، الآن ، في الأقاصي ، قاص ٍعنكِ …عالْيا.
تأخذني السفينة و ترميني على شط مجهول ، أقلب وجهي على رمل غريب … أستيقظ من وجلٍ و خوفٍ ، أتحسَّسُ جسدي المهيض ، المتعب ، أتحسَّسُ يديك الناعمتين . عاليا .
في غَيْدَانِ الطفولة الصَّافية كالقطن ، وخلف الأكمات ، كنا نجري ؛ و نعبث بأوراق الدُّلبِ والزيزفون . نرمي بها في غدير مياهٍ رقراقةٍ رخّاءَ … خريرُها لازال في أذني سجعُه . على صفحاته العذبة كنتِ تلملمين شعركِ السّابغ المجنون و المُراقِ على كتفي ، أحملكِ وأحلامَك نحو ظلالٍ من الروح .
في مَيْعَة شبابنا ، تأخذين تفاحةً من حلمٍ و تقضمينها ، تاركةً التفاحةَ لي … التفاحةُ لي . وتقولين بصوتِك الرخْمِ الفيْنانِ : إنني لن أخرج من ظلال هذه الجنة . لن أشبع من ظلال عريشِكَ الممتدِ عبر ربوع هذا الوطن الجريح .
ها أنا ، الآن ، بعيدٌ عنكِ يا عَالْيا . كنا نقطف الرُّمان الأحمرَ ، بعدما أخرج فلولَ أزهاره . وكانت أصوات كلابٍ مبحوحةٍ تزعجنا وتقضُّ مضاجعنا ، وهي تتقلب في غسق و عَتْمة دامِسة . أقولُ لكِ :
خذي حفنةً من ضيائي ؛ بها تتوضئين . البلاد بخير . والوطن رؤوف بعباده .
2.
عَاليا … يا عَالْيا …
يَا نهايةُ النهايات . يَا بدايةُ البدايات .
أعْلمني يقيني ، أنكِ تسكنين خلف الشباك ؛ و تنتظرين الآتي من الأيام السبعة . تترقبين المارة ، والنور الغابشُ ينزل ثقيلا مثل غيمةٍ دكناءَ . أعرف أنه كلما تقلب نفرٌ في دروب الوطن الضيقة ، تهرعين إلى الخصاصات و الثُّلَمِ ، و تكرعين الخيبات تلو الخيبات المريرة.
هذا الآتي …صبيٌّ حافي القدمين ، يرقص من الفقر ، عارٍ من حلمٍ سَجيجٍ سكن صبايا باقي الأوطان.
هذا الآتي … عجوزٌ تقلبتْ به السنونُ ، يحمل وجع الزمن الأعجف . سقمُه طاوٍ ثلاثٍ عاصب البطن جوعانَ ، يئنُّ أنينا كهديل الحمام .
هذا الآتي … ظلال كلب الجيران الأجربِ فَرَى جلده ، يُهمْلج قوائمه في الغسق و الظلماء ؛ فيظهر ظله ، على حيطان بالية وطيئة ، مترنما كعازف الأُكرديون .
3.
يا سويداءُ قلبي … إنني شبعتُ موتا .أنتظرُكَ دوْما عندما يعود كلُّ مساءٍ إلى بِطاحِهِ . أنا خلف الشبَّاك الصدئ ، أترقب طيفكَ المشبّع نورُه . أتحسَّسُ الغديرَ، أتحسَّسُ الشوارعَ والطرقات ، أتحسَّسُ كل الأماكن ، التي نحتَّها بالقول ؛ يُذيبني فيكَ كلامُك كقطعة سكرٍ في فنجان قهْوةٍ .
يا وطنُ ، لِمَ هَجَرَك الحبيبُ ؟
يا أوطانا ، لِمَ تهجرك الأحبةُ ؟
يا بحرُ ، لِمَ تهجرك النوارسُ ؟
في القلب غُصَّةٌ ، و حفرٌ لا تكف عن الامتلاءِ .
متى يأتي اليقين ؟
اِهبط أيُّها الموت . نطلي بخبلنا كل الأماكن ، و الحيطان و الأفاريز… وليعلمِ الجميعُ أنِّي أتنفسُكَ عِشْقا ، فكل التمائم المعلقة على صدر الأرضِ المباركة … لا تكفيني .
عدْ إليَّ … يعودُ إليَّ الوطنُ .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا