سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس(5)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية

الديموقراطية وحقوق الإنسان وتحديث المؤسسات(تتمة)

الملك يتبنى المقاربة التشاركية في الإصلاح الدستوري: عملا بما رسخه من انتهاج المقاربة التشاركية، في كل الإصلاحات الكبرى، حيث قرر تكوين لجنة خاصة لمراجعة الدستور، داعيا مكونات اللجنة إلى الإصغاء والتشاور مع المنظمات الحزبية والنقابية، ومع الفعاليات الشبابية، والجمعوية والفكرية والعلمية المؤهلة، وتلقي تصوراتها في هذا الشأن.
والغرض المتوخى هو إنجاز تعاقد سياسي جديد قوامه دستور يتبنى الحكامة التنموية الرشيدة، وذلك بإرساء مؤسسات ناجعة وذات مصداقية.

المرتكزات السبع للإصلاح الدستوري في عهد الملك محمد السادس

أولا: التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، الغنية بتنوع روافدها، وفي صلبها الأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة؛
ثانيا: ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والثقافية والبيئية، ولاسيما بدسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف والمصالحة، والالتزامات الدولية للمغرب؛
ثالثا: الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري، توطيدا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه؛
رابعا: توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات وعقلنتها، من خلال:
برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية.
حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب؛
تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها؛
تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي.
دسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتوضيح اختصاصاته،
خامسا: تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية، والمجتمع المدني؛
سادسا: تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة.
وسابعا: دسترة هيئات الحكامة الجيدة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات.

صورة ويكيبيديا: الاستفتاء الدستوري سنة 2011

لكن الملك مافتئ يكرر على مسمع شعبه أن المؤسسات ستبقى صورية مالم تنعكس نتائج عملها على الوطن: “صيانة لسيادته وأمنه ووحدته، وتنميته وتقدمه؛ وعلى المواطنين: حرية، ومساواة، وكرامة، وعدالة اجتماعية “. وأن التعاقد الدستوري سيظل صوريا بدون تعاقد اقتصادي اجتماعي وحكامة جيدة رشيدة.
وهكذا فإذا كان المغرب، بعد سنة 2011 ، قد دخل عهدا ديموقراطيا جديدا، تمثل في مشهد سياسي جديد ومفاجيء للكثير من المراقبين تمثل في تسلم الإسلام السياسي المندمج سدة الحكومة لفترتين انتدابيتين متواليتين، فإن التحدي الأكبر بالنسبة للملك محمد السادس هو “تأهيل وتعبئة كل الفاعلين، ليصبح الدستور واقعا ملموسا، وممارسة يومية، تجسد دمقرطة الدولة والمجتمع معا؛ وتفتح آفاقا مستقبلية، واعدة بالعيش الحر الكريم، وخاصة لشبابنا وللفئات الشعبية”.

وفي هذا الصدد يأتي دور الأحزاب السياسية في مقدمة الأدوار المنتظر منها العمل على استكمال بناء الصرح المؤسساتي والتنموي للدستور الجديد: خصوصا أن الأحزاب السياسية، “كرس لها الدستور الجديد مكانتها، كفاعل محوري في العملية الديمقراطية، أغلبية ومعارضة، مدعوة لمضاعفة جهودها لتحقيق مصالحة المواطنين، وخاصة الشباب، مع العمل السياسي”.
ومن المهم الإشارة أن البناء الديموقراطي قد تعزز بتأسيس برلمان جديد، يحظى بمنزلة رفيعة في الصرح المؤسسي الدستوري، لأنه أضحى مصدرا وحيدا للتشريع، الذي اتسع مجاله. فضلا عما أصبح له من اختصاص في إقرار عدد كبير من القوانين التنظيمية، الهادفة إلى تفعيل مقتضيات الدستور الجديد، خصوصا ما يتعلق بمواده الأكثر حساسية واستراتيجية. حتى إنه في بعض الحالات، وبمبادرة ملكية ، فإن البرلمان يكون مؤهلا للقيام بمراجعة دستورية، دون المرور عبر الاستفتاء.

ومادام الدستور الجديد قد حقق مبدأ يكرس جوهر العملية الديموقراطية وهو مبدأ ربط القرار السياسي بنتائج صناديق الاقتراع فإن ذلك يلقي على عاتق المواطنات والمواطنين النهوض بالأمانة الجسيمة، لحسن اختيار ممثليهم..

ومن المثير للانتباه أن الملك محمد السادس إذ يعتبر النموذج المؤسسي المغربي الذي تحقق في المغرب من الأنظمة السياسية المتقدمة. إلا أنه سيلاحظ أن معظمه بقي حبرا على ورق، والأمر كذلك لأن “المشكل يكمن في التطبيق على أرض الواقع”. وهو يحيل هنا على التعقيدات السياسية والمناكفات الحزبية التي جعلت العديد من الإصلاحات إما أنها تؤجل أو تجمد عمليا أو تفرغ من محتواها ….

(يتبع)

الحلقة المقبلة: الثوابت الوطنية

حصريا جميع حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...