سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (17)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية

سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية

المنطلق هو الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية والهدف هو رفع مؤشرات التنمية البشرية

أمام تزايد الحاجيات الاجتماعية الملحة، وإكراهات الإمكانات المالية، فإن مضاعفة الجهود للارتقاء بالاقتصاد الوطني إلى عتبة أعلى من التحديث والانفتاح والتنافسية، والنمو القوي والمستدام، يظل من أهم الرهانات التنموية التي يتعين كسبها، للارتقاء بالمغرب إلى مصاف الدول المتقدمة. وهو ما يقتضي اعتماد حكامة تنموية متناسقة، كفيلة بالتفعيل الأمثل للمخططات القطاعية، ومواصلة الأوراش الهيكلية؛ وذلك في إطار الحفاظ على التوازنات الكبرى، ولا سيما الماكرو-اقتصادية والمالية ، التي أصبحت مبدأ دستوريا.

وأما التحديات التنموية، فإن المحك الحقيقي بالنسبة للفئات الشعبية، هو مدى قدرتها على إحداث نقلة نوعية في الرفع من مؤشرات التنمية البشرية. ولا سيما من خلال إصلاحات وإنجازات، مقدامة وملموسة، تضع في صلبها تحفيز الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والسكن اللائق، وتعميم التغطية الصحية، والحفاظ على البيئة، وتوفير التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة والابتكار، مفتاح تقدم المغرب.

بالنسبة للملك محمد السادس، فإن محطة 2011 الدستورية السياسية لم تكن محض مصادفة، ولا من صنع ظروف طارئة، بقدر ما تعد ثمرة سياسة متبصرة واستراتيجية متدرجة، سبقتها سلسلة إصلاحات كبرى أهمها الاصلاحات الاقتصادية العميقة الرامية لتعزيز البنيات التحتية للمدن المغربية وتحسين تهيئتها وفك العزلة عن العالم القروي، من خلال تزويده بالتجهيزات اللازمة، مع العمل على توفير المناخ الملائم لتحفيز الاستثمار، بالموازاة مع نهج سياسة للتأهيل الاجتماعي….. مع الحرص على تحقيق حكامة جيدة للسياسة المالية لبلادنا، بهدف تحصين قدراتها التنموية ، والحفاظ على مصداقيتها على الصعيد الدولي.

الملك يجري وقفات سنوية من أجل التقييم والنقد الذاتي لتفحص مدى تأثير السياسات العمومية وعلى رأسها السياسات الاقتصادية في تحسين أحوال الأمة (السؤال التقييمي الكبير). لكنه لا يريد أن يجعل منها مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات فقط وفقط، لأنها مهما بلغت، ستظل دون الطموح الملكي. إن الوقفة المعنية هي وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرة المغرب من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل.

التقييم ودوره في تصويب المسار التنموي

التقييم قوامه طرح سؤال كبير سبق ذكره أعلاه وأسئلة فرعية منبثقة عن هذا السؤال الكبير وهي:

هل اختياراتنا صائبة؟
ما هي الأمور التي يجب الإسراع بها، وتلك التي يجب تصحيحها؟
ما هي الأوراش والإصلاحات التي ينبغي إطلاقها؟
هل ما نراه من منجزات (اقتصادية)، ومن مظاهر التقدم (المادي)، قد أثر بالشكل المطلوب والمباشر على ظروف عيش المغاربة؟
هل المواطن المغربي، كيفما كان مستواه المادي والاجتماعي، وأينما كان، في القرية أو في المدينة، يشعر بتحسن ملموس في حياته اليومية، بفضل هذه الأوراش والإصلاحات؟

بطرح هذه التساؤلات نحن في صلب فلسفة الحكامة التنوية الرشيدة، التي تبحث دائما عن الفعالية والنجاعة كما يقول الملك ، وعن أفضل السبل، ليستفيد جميع المغاربة من مختلف المنجزات. لكن ضمن رؤية واضحة وتبعا لطريقة مرسومة، واختيارات مضبوطة. “فنحن نعرف أنفسنا، ونعرف ماذا نريد، وإلى أين نسير”. يشدد الملك محمد السادس.

مكاسب ما بعد دستور 2011 تتويج لتقدم سابق في مختلف المجالات ولا سيما في المجال الاقتصادي: يجمع الخبراء والمهتمون، الوطنيون والدوليون، على أن المغرب عرف، خلال فترة ما بعد دستور 2011، تقدما كبيرا في مختلف المجالات. وفيما يخص المجال الاقتصادي فلا أحد يمكنه أن ينكر مكاسب البنيات التحتية الكبرى، وعلى سبيل المثال، “هل كان بإمكان المغاربة، أن يتخيلوا بأن بلادهم تتوفر على أكبر ميناء بحوض المتوسط، وعلى أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم؟ وهل كان بإمكان أي مواطن أن يتنقل عبر الطريق السيار، من أكادير إلى طنجة، أو من الجديدة إلى وجدة؟” مما كان له من بين عوامل أخرى أثر إيجابي على المستوى الاقتصادي، فقد عرفت نسبة النمو ارتفاعا ملحوظا، بفضل اعتماد مخططات قطاعية طموحة، كمخطط المغرب الأخضر، ومخطط الإقلاع الصناعي، وغيرها”.

لكن السؤال الاساسي المتعلق بمدى أثر النمو الاقتصادي المحقق على الرفاه الاجتماعي الملموس لعموم المواطنين: هو السؤال الصعب في وقتنا الحاضر (في الواقع وللتدقيق الزماني منذ سنة 2014): “ماذا فعلنا بما حققناه من تقدم؟ هل ساهم فقط في زيادة مستوى الاستهلاك، أم أننا وظفنا ذلك في تحقيق الرخاء المشترك لكل المغاربة؟ وإلى أي درجة انعكس هذا التقدم على تحسين مستوى عيش المواطنين؟” ليستنتج خلاصة جوهرية طموحة مؤداها : “إننا نعتقد أن النموذج التنموي المغربي، قد بلغ درجة من النضج، تؤهلنا لاعتماد معايير متقدمة وأكثر دقة، لتحديد جدوى السياسات العمومية، والوقوف على درجة تأثيرها الملموس على حياة المواطنين.

الملك يدعو لاستدماج معيار الرأسمال اللامادي في قياس الثروة الإجمالية للمغرب

في هذا السياق نبه الملك لأهمية اعتماد هذا المعيار (معيار الرسمال اللامادي) لقياس القيمة الإجمالية للدولة المغربية وطنيا والذي بفضله تم تصنيف المغرب دوليا، في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، فإذا كانت القيمة الإجمالية للدول تقاس سابقا، حسب مواردها الطبيعية، ثم على أساس المعطيات المتعلقة بالناتج الداخلي الخام، الذي يعكس بدوره مستوى عيش المواطن. وبعد ذلك، تم اعتماد مؤشرات التنمية البشرية، لمعرفة مستوى الرخاء لدى الشعوب، ومدى استفادتها من ثروات بلدانها. وخلال تسعينات القرن الماضي، بدأ العمل باحتساب الرأسمال غير المادي كمكون أساسي، منذ سنة 2005، من طرف البنك الدولي. ويرتكز هذا المعيار على احتساب المؤهلات، التي لا يتم أخذها بعين الاعتبار من طرف المقاربات المالية التقليدية. ويتعلق الأمر هنا بقياس الرصيد التاريخي والثقافي لأي بلد، إضافة إلى ما يتميز به من رأسمال بشري واجتماعي، والثقة والاستقرار، وجودة المؤسسات، والابتكار والبحث العلمي، والإبداع الثقافي والفني، وجودة الحياة والبيئة وغيرها.

ويضرب الملك مثلا بعنصرين من عناصر الرأسمال اللامادي وهما الأمن (والاستقرار)، باعتباره أساس الإنتاج والثروة. والثقة (والمصداقية) بوصفها عماد تحفيز الاستثمار. إلا أنه يستدرك أن هذه المؤهلات لا يظهر لها أثر في القيمة الإجمالية للدول. بيد أن البنك الدولي سبق أن أنجز في 2005 و2010 دراستين لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب مستدمجا المعيار المذكور، وقد تم تصنيف المغرب في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة…

وتنفيذا للتوصية الملكية فقد وجه بإعداد دراسة وطنية لقياس القيمة الإجمالية للمغرب، ما بين 1999 ونهاية 2013 للوقوف على حقيقة الوضع، كلف بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بتعاون مع بنك المغرب، ومع المؤسسات الوطنية المعنية، وبتنسيق مع المؤسسات الدولية المختصة، يكون الهدف منها ليس فقط إبراز قيمة الرأسمال غير المادي لبلادنا، وإنما ضرورة اعتماده كمعيار أساسي خلال وضع السياسات العمومية بشكل شمولي. وحتى لا يبقى التقرير الختامي لهذه الدراسة حبرا على ورق، أو مادة للاستهلاك الإعلامي فقط، فقد قررالملك أن يتم نشره على أوسع نطاق، داعين الحكومة والبرلمان، وكل المؤسسات المعنية، والقوى الحية للأمة للانكباب على دراسة التوصيات البناءة التي يتضمنها، والعمل على تفعيلها وهو ما كان. الأمر الذي أسهم في إطلاق دينامية انتهت إلى تشكيل لجنة ملكية استشارية لبلورة نموذج تنموي جديد كانت قاب قوسين أو أدنى من تقديم نتائج عملها بداية العام الفارط (2020) لولا أن باغثتها جائحة كوفيد التي فرضت عليها إعادة النظر في أوراقها من خلال مراجعة بعض الفرضيات والأولويات …..

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...