مغاربة العالم بين آلام الغربة وآمال المشاركة السياسية في المغرب.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أحمد براو

 

 

-واقع الغربة وتحدياتها

يواجه المغاربة المقيمين بالخارج مشاكل كلاسيكية عند وصولهم وأحيانا بعد طول إقامتهم في الدول الجديدة وأبرز هذه المشاكل هي صعوبة الإندماج الثقافي واللغوي والإنسجام مع مكونات البلدان الأخرى ومجاراة الصدمة الثقافية جراء الإختلافات الاجتماعية بسبب انعدام الإطلاع على مكونات وخصوصيات بلد الإقامة، وكذلك الإقصاء والتهميش الناجم عن صعوبة التواصل والتفاهم، ثم الصور النمطية والتقوقعية لمواطني البلد الأصليين التي تؤدي إلى الإشتباه فيهم وفي المسلمين بصفة عامة بالإرهاب، ما قد يجعلهم عرضة لأفعال عنصرية معادية للعرب والمسلمين عامة مع تنامي القوميات واليمين المتطرف في العقد الأخير.

تحدي آخر ذاتوي هو المحافظة على الثقافة واللغة العربيتين والتقاليد والعادات المغربية في ظل الغربة التي تقطع جزئيا وكليا صلاتهم مع دولتهم الأم، فتتكون بذلك ثقافة متأرجحة ذات فقر معرفي خصيصا بالنسبة للأجيال التي نمت في ظل هذا التخبط وانعدام وجود برامج ومشاريع سوسيو-ثقافية تعنى بدراسات بحثية علمية ورسم خرائط للعمل من أجل إيجاد حلول علاجية لهذه المعضلات باستثناء بعض المبادرات الخجولة والتي للأسف وغالبا ما تفتقد للدعم والتشجيع لا من البلد الأم وتمثيلياته القنصلية ولا من المؤسسات الرسمية في بلاد المهجر.

– نموذج المهاجر المغربي وتميزه

نحن بين هذه السطور لا نجلد الذات بقدر ما نؤسس لسرد الوقائع، من أجل إيجاد حلول للقضايا من الجذور، ولا ننكر وجود أمثلة براقة برهنت على كفاءة المهاجر المغربي وتفوقه في العديد من المجالات لكن تبقى هذه النجوم المضيئة إما وصلت لما وصلت إليه بإمكانات فردية ومجهودات استثنائية ممكن أن تكون أمثلة يحتذى بها لأنها تبوأت مناصب واعترافات وحصلت على شواهد في أعلى مستوى لكنها تبقى بدون تأثير من أجل تغيير واقع جموع المهاجرين، إذا لم تكن هناك منظمات وجمعيات وفاعلين في المجتمع المدني لها اختصاص في هذه المجالات ولها باع وخبرات وكفاءة بحيث تعمل بطريقة بناءة ومنتظمة وهادفة من أجل توحيد الجهود في العمل الإجتماعي والثقافي والإداري والإقتصادي والتربوي والمعرفي والإعلامي والفني والرياضي… وفي أي مجال يمكن أن تكون لها فيه تواجد من أجل خدمة الجالية المغربية وتحقيق متطلباتها والتخفيف من حدة المشاكل، وتحدي العراقيل التي تواجهها، وفتح آفاق لها للإنطلاق من أجل تمثيل المغرب الحبيب أفضل تمثيل.

إن مغاربة العالم قد حملوا معهم للدول الغربية ثقافة عريقة ضاربة في التاريخ جعلهم في محل أنظار الأمم الأخرى نظرة إعجاب واستحسان واحترام لما يتميزون به من خصوصيات في الثقافة والأخلاق والعادات والتقاليد والقيم والمبادئ: كالوفاء والصدق، والجد والصبر، و التعايش وحسن المعاملة، والتدين والكرم والضيافة، وكفى بهذه المناقب أن تسمو بالإنسان المغربي ليتبوأ مكانة حضارية راقية من بين الأمم.

– مظلمة الإقصاء السياسي والتمثيلي

إن من بين التحديات التي لازالت تعاني منها الجالية المغربية منذ عقود هي معضلة المشاكة السياسية في اتخاذ القرارات والمساهمة في المسار الديمقراطي المغربي، وانتظر مغاربة المهجر بفارغ الصبر عقدا من الزمن لتنزيل دستور 2011، ولكن يبدو أن المسؤولين ليست لهم الرغبة بتنزيله، َوهناك مجموعة من الفصول لم يتم تنزيلها، ويحرم مغاربة المهجر من حقهم الدستوري منها الفصل 17، وهذا لا يليق ببلد يحترم دستوره والذي يجب تنفيذ مخرجاته فلا يعقل أن توضع العراقيل أمامهم بينما عدة بلدان سبقت المملكة في إشراك مواطنيها وتمكينهم من التصويت وحق الترشح، مثل تونس والجزائر ومصر والسنغال.

غالبا ما تثار قضية المشاركة السياسية للجالية بشكل موسمي عند اقتراب الإستحقاقات الانتخابية، وادعاءات فارغة على الرغم مما يتطلبه تفعيل هذه المشاركة من توافقات ونقاشات عميقة بين مختلف الأطراف للتوصل إلى الصيغة المناسبة والممكنة، ويطالب مغاربة العالم الحكومة تحقيق هذا الهدف خلال الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة، خاصة وأن الأحزاب السياسية جلها تقول أنها مع المشاركة السياسية للجالية.

ربما لأن قوة المغاربة المقيمين بالمهجر قوة تهابها الطبقة السياسية بالمغرب لأنها تعتبر قوة بشرية وقوة اقتصادية وقوة سياسية إذا تموقعت في الخارطة السياسية المغربية فستحدث نقلة نوعية، ولا بد أن تكون حاضرة في البرلمان المغربي كي تدافع هي بنفسها عن مشاكلها، ولا بد لها كذلك أن تمثل حتى على مستوى البلديات نظرا لكفاءتها وتجربتها الإدارية، وكذلك على مستوى الجهات لأنها كقوة اقتصادية ستساهم في تنمية هذه الجهات، وفي باقي المؤسسات الوطنية الأخرى ولا تقتصر على التحويلات والإستثمار فقط في العقار بل ستعمل على مواكبة والدفع للأمام بالنموذج التنموي الجديد خصوصا في مجال الإقتصاد والحكامة.

وقد عبرت تنسيقية الأحزاب السياسية بالخارج عن “رفضها الشديد لحالة الجمود في تنزيل نص دستوري يتعلق بتفعيل المشاركة السياسية والتمثيلية للمغاربة المقيمين بالخارج. ونددت أن الاستمرار في إقصاء مغاربة العالم من المساهمة المباشرة في تدبير الشأن العام، يؤدي في آخر المطاف إلى إضعاف روابط الجالية مع بلدهم الاصلي، وسينعكس بشكل سلبي على الأجيال الصاعدة التي لن يكفي تشبث الجيل الأول والجيل الثاني بالوطن لضمان استمرارية هذه الروابط، محملة القيادات السياسية المسؤولية التاريخية في الخطأ مع التاريخ مرة أخرى، مضيفة بأن إقصاء مغاربة العالم من المشاركة السياسية الفعلية، يعزز الصورة النمطية في التعامل مع المغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، وأن الطلب عليهم يقع فقط من جهة الاحتياج للعملة الصعبة التي يساهمون في ضخها لتوسيع وعاء احتياطي البلاد منها”.

من هنا كان لابد من تدخل المحكمة الدستورية، لتمكين مغاربة العالم من الحصول على التمثيلية وحقوقهم الدستورية، وتصحيح الأمور لأن هناك سياسة إقصائية وتلكؤ من بعض الأحزاب التي هي في الواجهة ولو كانت لديها الرغبة في إشراك الجالية، لفرضتها على وزارة الداخلية في قوانين الانتخابات، خصوصا القانون التنظيمي (04.21) الضبابي الذي لم يشر إلى كيفية تنظيم وإتمام العملية الإنتخابية لمغاربة الخارج، رغم إعطاءهم الحق في الترشح والإنتخاب.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...