سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (23)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الثالث: الحكامة الاجتاعية

يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا : المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية

في أولوية التنمية الاجتماعية في المشروع الإصلاحي الملكي

منذ اعتلائه العرش ولا سيما منذ سنة 2005 ، سنة وضع التوجهات الإستراتيجية الكبرى المترتبة عن تقرير 50 سنة منذ الاستقلال، جعل الملك محمد السادس المسالة الاجتماعية في طليعة اهتماماته التنموية، والتي سيتمخض عنها إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وقد كان لافتا – كما سبقت الإشارة في المحور السابق- ذلك الإقرار الملكي بالصعوبات الاجتماعية وبكونها تحز في نفسه، رغم التطور الذي حققته بلادنا، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة؛ وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل….من أجل ذلك، أعطى الملك الأولوية للتنمية الاجتماعية في مشروعه الاستنهاضي للأمة المغربية، داعيا لاعتماد منظور شمولي لمكافحة كل مظاھر العجز الاجتماعي، من بطالة وفقر وأمیة وإقصاء، لا بوازع دیني وأخلاقي فحسب، وإنما أیضا في إطار سیاسات عمومیة تستھدف التنمیة البشریة وخلق الثروة الوطنیة. التنمية البشرية، باعتبارها ورشا مفتوحا باستمرار، يهدف الى الحد من الفقر والهشاشة والتهميش الاجتماعي. هاته الآفات التي تشكل الانشغال الحقيقي للمواطنين، والمعيقات الأساسية للبناء الديمقراطي. ومن ثمة كان توجه الدولة للاستثمار في الموارد البشرية باعتبار رأس المال البشري رافعة للتقدم وخلق الثروات ونظرا لدوره في تحويل وتدبير باقي الثروات وإدماج هذا الاستثمار في مسيرة التنمية.

التعليم والتشغيل: في هذا الصدد يلفت الملك الانتباه إلى مسألتين ملحتين تأخذان ببالغ اهتمامه وتستبدان بانشغال الرأي العام الوطني. المسألة الأولى تتعلق بالتعليم. المسألة الثانية التي يوليها أهمية كبرى هي قضايا التشغيل والبطالة. وفي هذا الصدد يقول:إن باب التشغيل لا ينبغي أن يبقى حصرا على الوظيفة العمومية وأن على شبابنا أن يقتحم القطاع الخاص دون أن يستشعر أية عقدة من النظام التعليمي العمومي الذي يتشرف بكونه من خريجيه .

التعليم في صدارة الإصلاحات: ولأن الكرامة تفتقد مع الجهل أكثر مما تفتقد مع الفقر يأتي التعليم في صدارة هذه الإصلاحات، التي أولا الملك فائق عنايته. وفي هذا الصدد، بادر لإطلاق عملية وطنية، تهدف إلى إعطاء دفعة قوية لتعميم وإلزامية التعليم الأساسي، ضمانا لتكافؤ الفرص، ومحاربة للانقطاع عن الدراسة. وتأكيدا لعزمه القوي، على حسن إنجاز البرنامج الاستعجالي لإصلاح النظام التربوي، دعا الحكومة لإعداد برنامج مضبوط، لإسكان نساء ورجال التعليم، العاملين بالعالم القروي، واعتماد مختلف أنواع الشراكة والتعاقد لإنجازه. وفيما يخص التعليم بالبادية، سعى الملك لتمكين أسرة التعليم بالبادية، وخاصة بالمناطق النائية، من ظروف العمل والاستقرار وتحفيزها على القيام بواجبها التربوي. وأكد الملك باستمرار على الطابع الاستراتيجي والاستعجالي لمسألة التربية والتكوين، من أجل ذلك دعا باستمرار كل الفاعلين القطاعيين والقوى الحية للأمة، وكافة المواطنين الغيورين على مستقبل المدرسة المغربية، إلى المزيد من التعبئة، لإنجاح مسلسل الإصلاح التربوي…

لكن تشغيل الشباب رهين بالحكامة الجيدة الرشيدة: وفي هذا الصدد، جدد الملك التأكيد على “أننا نعتبر توفير فرص العمل المنتج للشباب، في صدارة انشغالنا، بالنظر لكونه استثمارا لطاقات، ما أحوج بلادنا إلى سواعدها وعقولها. وبقدر ما نوجه الحكومة، إلى أن تواصل إيلاء قضية تشغيل الشباب، أسبقية الأسبقيات، وسيظل نجاحنا في هذه المسارات، بل وفي كل الإصلاحات، التي أطلقناها، رهينا بأخذنا بالحكامة الجيدة، باعتبارها الآلية الناجعة لتحقيق المواطنة المثلى”. والأمر كذلك لأن الشباب المغربي، الواعي والمسؤول، يوجد اليوم في صلب مشروع التحديث الدستوري، والسياسي، بما خوله الدستور من حقوق وواجبات وهيئات المواطنة الفاعلة، لتعزيز انخراطه في مختلف الإصلاحات الديمقراطية والأوراش التنموية…

السكن الاجتماعي مشكل متفاقم: إن الطابع المعقد لإشكاليته المتعددة الأبعاد، وما يتطلبه من وسائل هائلة، وعدم تحمل الأجهزة المكلفة بمحاربته مسؤوليتها كاملة في هذا الشأن؛ جعل مشكل السكن غير اللائق يتفاقم؛ …وفي نفس سياق التوجيهات الملكية، المعلن عنها إثر تعيينه لمجموعة من الولاة (المحافظين) الجدد؛ فإن المنتخبين المسؤولين في الجماعات المحلية، مطالبون هم كذلك بحسن تطبيق القانون، في مجال محاربة السكن غير اللائق، والتحلي بروح المبادرة والواقعية. ولكي لا يرهن السكن غير اللائق والتعمير العشوائي المخططات التنموية المرسومة .

وفي مجال الصحة، ومن منطلق الحرص القوي على تحقيق الإنصاف، ومساعدة الأشخاص الأكثر حرمانا، فقد حرص الملك مبكرا على تفعيل نظام للمساعدة الطبية لفائدتهم (راميد). هذا النظام الذي كان ثمرة إعداد طويل المدى، دام عشر سنوات، بقصد النهوض بالفئات المعوزة. لكنه حذر من استغلال النظام من طرف أي توجهات سياسوية، من شأنها تحريفه عن مساره النبيل، مع ما يترتب على ذلك من إخلال في هذا المجال أو فيما سواه من المجالات الاجتماعية…..

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...