ذ. أحمد براو
بالعودة إلى موضوعنا الذي طرحناه في المقال السابق المنشور بصفحات هذه الجريدة يوم 17 يوليو، وواعدنا قراءنا الأعزاء أنه سيكون لحديثنا بقية حول موضوع “العمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا، حديث ذو شجون”. وأحد الشجون التي سوف نتطرق إليها في هذا المقال هو ما يتمظهر من خلال هذا العمل والنشاط من طرق وسياسات وثقافات لا تخلو من حضيضية ورداءات وتفاهات.
وبحكم أننا نعيش أوج عصر تسيّد التفاهة والبلاهة بحيث أصبحت المظاهر والأشكال أهم من السرائر والمضامين، ويغلب عليها التوجسات والتشنجات والعصبية، والصدام وانعدام الثقة، وعدم قبول الرأي المخالف. فالعمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا لم يخرج عن ارتداء هذا الزّي ولم يخلع عنه هذا الرداء رغم لوثته وتلطيخه بأقذار الأفكار وأوساخ الذمم، ولم ولن يفعل ما يواكب التطورات والتطلعات والآمال المعلقة والمنتظرة، وبالتالي بقي يدور حول نفسه في دائرة مغلقة بحيث يريد أن يصل إلى نتائج بدون دراسة جدوى وبدون تخطيط وتنظيم، ومن يحاول المساهمة بكفاءته وتجربته يجد الأبواب موصدة، والآذان صماء، ويحاول بشتى الوسائل لكنه لا يستطيع ولن يستطيع لأن من يتمكن ويتحكم في العمل و يتسيّد ويتسلّط، فقد برع فقط في المناكفة، واكتسب تجربة في مجاراة الصراعات الداخلية والإنتصار فيها، وعوَض استعمال الذكاء واستفراغ الطاقة في تحسين أوضاع الجالية والإستجابة لمطلابها فهو بذلك استثمر كل إمكانياته وبالتالي ستستمر الحلَقة المفرغة والدائرة اللامنتهية في الدوران بدون كلٍّ و لا ملٍّ. كما يقول الطليان
“Come il cane che morde la coda” الكلب الذي يحاول عض ذيله
– استفحال التفاهة في العمل الجمعوي
فمن يحاول تقديم فكرة أو حمل نظرة أو استعراض مشروع أَو وضع تجربة، عليه أن ينتظر حكما مسبقا وسوء ظن ويكون جزاؤه جزاء سنمار، وهنا يدعونا -ناصحا- الفيلسوف الكندي بنبرة لا تخلو من كوميديا سوداء، قائلاً: “لا تقدم أي فكرة جيدة فستكون عرضة للنقد، لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخِ شفتيك، فكّر بميوعة وكن كذلك، عليك أن تكون قابلاً للتعليب، لقد تغير الزمن، فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة”.
فعلا هناك شجون أخرى تتعلق بالضحالة والرداءة وسوء الأدب وقلة الحياء في التسيير الجمعوي وفي الإستفراد والتحكم بعد تقديم الصفوف بالتزكيات والتعيينات والإتفاقات بتقسيم الكعكة في ظل سوء التدبير والفساد المالي والأدبي وما يزيد الطين بلة تطبيع العموم من الطبقات المستهدفة بالخدمة وتقديم المصالح والمنافع العامة، ومن هنا تكمن المأساة، فالناس تستسيغ التفاهات، لأنها تعطّل الحواس وتخدر النفس وتفصلها عن واقع المسؤولية والإحساس بالذات، ولنظام التفاهة لغة تنقل بها رسالتها إلى الجميع، لغة جوفاء تبدو محملة بحقائق وأحكام كلية، حشو وتكرار بألفاظ مختلفة، وكأن قائلها يقول جديدا، مع أنه لا يضيف على ما هو معروف بمقدار جبة خرذل، فالخطاب الأجوف صالح لكل زمان ومكان وفقط يقوم بإعادته وتكريره السفسطائيون التافهون.
– فهم ظاهرة التفاهة لمواجهتها
إذن فالتفاهة والسطحية المتعلقتين بالعمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا ليس ضرب من الخيال أو بدعة فهو نتاج انتشار هذا التصور الهابط منذ وجود البشر واختلال الموازين ورداءة الأخلاقيات، وقد تطرق لذلك المفكر الإسلامي والإنتروبولوجي المصري الدكتور مصطفى محمود مفسرا هذه الظاهرة قائلا: “منذ آلاف السنين كانت الراقصة تكسب أكثر من الكاتب، والطبّال يكسب أكثر من الخباز والنجاز والحداد، ولو أنك دعوت أينشتاين اليوم لندوة علمية ثم دعوت امرأة عارية لحديث إعلامي لترك الجمهور أينشتاين وعلمه ولتجمّعوا حول المرأة العارية بالألوف، وهذا ليس ذنبنا، وإنما سببه أن أكثر الناس من البهم، ومن أهل الهوى، ومن عبيد الشهوات، وهم بذلك يشجعون التافه من الأمور وينصرفون عن الجاد.”
وعلى الرغم من أن هذه الصورة القاتمة لوضع الجمعيات والعمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا، وتبدو سوداوية – مثل ما يتبادر لذهن القارئ أن كاتب هذا السطور ينظر بنظارتي التشاؤم فعلى العكس من ذلك فقد استخلصت بعد أكثر من خمسة وعشرون عاما من العمل الجمعوي أن التشاؤم لا يعرف لي طريقا وأنني أكثر الناس تفاؤلا وإلا ما استطعت أن أكتب هذه السطور التي هي بمثابة سرد للوقائع، وما يجب أن يُحابَى أحد في قول الحقيقة ولو أنها مُرّة.
– التغيير قادم لا محالة
فالمحصِّلة هو لابد أن نقاوم ولا نيأس ولو بقدر إصرار التافهون عن الدوران لإمساك الذيل استنادا للمثل الإيطالي أعلاه، وأحيل هنا على أستاذ الفكر النقدي في جامعة مونتريال “ألان دونو” في كتابه “نظام التفاهة”: ” لابد أن نقاوم، أن نرفض، نخاصم التفاهة وننكرها، نعيد للفضائل معانيها، ونجدد الثقة بذواتنا وبمعاني الجهد، الكد، والموهبة لنعيد للأشياء جمالها، إن التحرر من سيطرة التفاهة مسؤولية الجميع إذا ما أرادوا إنقاذ الإنسان الأخير، فالمسؤولية عن إنقاذ الذات هي في النهاية مسؤولية عن إنقاذ الكل، فعندما نقول إن الإنسان مسؤول عن نفسه لا نعني أن الإنسان مسؤول عن وجوده الفردي فحسب، بل هو بالحقيقة مسؤول عن جميع الناس وكل البشر”.
ولهذا فإن على المتصدرين للعمل الجمعوي من مغاربة إيطاليا أن يفهموا أن الأمور دُوَل وأنه لابد من التغيير وعليهم النزول عند رغبة المواهب الصاعدة وعلى ضرورة الإرتقاء بهذا العمل الإنساني الراقي ونقْلِه نُقلة نوعية نحو النقاء والصفاء والإيثار وتغليب الصالح العام وأن سياسة الإرجاء والإلهاء لم نعد تنطلي على أحد، فإما الإلتزام بقواعد العمل الجمعوي السليم والجاد الذي يستجيب من جهة للقوانين والمساطير المنظمة في بلد الإقامة ومن جهة أخرى إلى فتح صفحة جديدة مع كل أصناف الجالية المغربية بإيطاليا واستقطابها وتعبئتها وكسب الثقة واسترجاع الكفاءات للإنخراط داخل الفضاء العام للنشاط الجمعوي سواء منه الديني أو التربوي أو الوطني أو الإجتماعي.. وعلى البعثة الدبلوماسية المغربية المبادرة للأخذ على عاتقها مسؤولية التوجيه والتنظير والتشجيع، وأن لا تبقى طرفا محايدا خوفا من الإنتقاد والتشهير الذي ينتهجه بعض الشعبويين الجمعويين للضغط عليهم.





