كائنات سياسية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ذ.عبد الله مشنون

 

 

عندما كنا شبابا يافعا كان البعض في المغرب يخوفنا من السياسة والاشتغال بها وأنها تودي بصاحبها مورد المهالك وأنها باب لمعارضة “النظام” وكانوا يحيطونها بهالة من الغموض حتى لا يمكن تبين معالمها او الدخول في ردهاتها.

كانت السياسة مرتبطة فقط بالأنشطة الرسمية فكانت كل القطاعات في خدمة هذا الواقع خصوصا الاعلام والداخلية اللذان كان لهما نفس الوزير. وكان دور الأحزاب في ذلك الوقت هو تأتيت الفضاء “السياسي” حيث لم يكن في كثير من القضايا لهذه الأحزاب أي تأثير او دور عدا ما كان يتصدر له بعض الافراد القلائل ليعبروا عن أراءهم او معارضتهم لتوجهات النظام فيكون مصيرهم في أحسن الأحوال الابعاد والنفي.

ولم تكن الأحزاب قادرة بل بعضها لم يكن مهتما بتأطير المواطنين واستقطابهم للانخراط في العمل السياسي وكانت العملية السياسية الوحيدة المتاحة للمواطن والمفروضة عليه هي الحضور يوم الانتخابات “للأدلاء” بصوته و”التعبير” عن اختياره الحر للشخص وللبرنامج الذي سيضمن له العيش الكريم والخدمات عالية المستوى ولأولاده التمدرس الملائم…ليجد نفسه بعد مدة انه لم يكن سوى حجر على رقعة اللعب الغرض منه ملأ الفراغات والتضحية به لتستمر الأحجار الرفيعة في لعبتها.
واليوم بعد كل هذه العقود التي اشتغلت فيها الأحزاب بالسياسة كما اشتغلت السياسة بالأحزاب سواء التي تنعت نفسها بالوطنية او الأخرى التي طبخت على اعين النظام او التي تريد ان تبين للعالم انها ملكية أكثر من الملك وأنها مستعدة لان تكون جسرا لتمرير أي شيء ولو على مصالح الشعب.

والفرق بين الامس واليوم هو ان مسرح السياسة صار هدفا لكل “فرقة” مهما تواضع أدائها ولكل ممثل فاشل لا يحسن أداء أي دور بالإضافة الى تلك الديناصورات السياسية التي يحلو لها أداء كل الأدوار حتى يختلط عليها كل شيء فلا تدري هل هي في التمثيل او الإخراج او وسط المتفرجين على “العرض”.

لم يعد أحد خائفا من السياسة بعدما اكتشف الجميع انها أسهل وسيلة “للوصول” وآمن مطية لتحقيق المكاسب ومراكمة الثروات والامتيازات والجنسيات والتطبيب في أرقي مستشفيات العالم وتمدرس الأبناء في الخارج وقضاء العطل الصيفية في الجزر النائية والمنتجعات الخيالية فضلا عن حصص التدليك وتغيير السيارات والزوجات …
نعم هذه هي ثمار السياسة في المغرب التي كانوا يخوفوننا منها ونحن صغار لتبقى حكرا عليهم وكعكة يتقاسمونها بينهم فقط. اما المواطن المسكين فلا يصله الا الفتات ولا يسمح له بولوج هذا العالم الا عبر تزكيات رؤساء الأحزاب والتي توزع على الأقارب والاحباب والاصهار والاصحاب بل حتى أولئك الذين لفظتهم السياسة وارتبطت أسمائهم بفضائح في التسيير وتدبير المال العام وتمت اقالتهم من مهامهم.

واليوم يستعدون من جديد بنفس الوجوه ونفس البرامج ونفس الشعار معلنين تجندهم لمحاربة الفساد و المفسدين بل شاهدنا بعض الكائنات الحزبية استيقظت من سباتها العميق وغيبتها الطويلة وخرجت لاستمالة الناخبين والركوب على احلامهم وآمالهم ومستقبل ابنائهم. وقد يجدون مرة أخرى بين البسطاء من يصدق منطقهم ويعجب بكلامهم.
ولكن هيهات لقد نسي هؤلاء وغيرهم ان الفئة الناخبة الجديدة هي جيل الالفين الجيل الرقمي الدارس للتاريخ والمدرك لاحتياجاته وحقوقه. ومن يدري لربما نكون شهودا لبزوغ فجر جديد على الساحة السياسية يحمل مشعلها هؤلاء الشباب والذي له من الإمكانات والكفاءة الشيء الكثير ومن بينهم مغاربة العالم الشرفاء.

*إعلامي وكاتب صحافي مقيم بايطاليا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...