قصة قصيرة: كـــلّنــا واهــمــون!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

بالقرب من تلك النافذة الصغيرة ذات الزجاج المسيّج بقطعٍ خشبيةٍ داكنة اللون, أحسست أنني أقف على الجهة المقابلة للأرض, أرقب الدنيا بأضعاف نافذتي الصغيرة, كان الزجاج يكاد يهمس لي باستحالة العبور, ويمنحني حالة من الراحة كأنني في منأى عن كل شيء, ولولا بعض الغبار المتناثر على رقعته الخارجية, لشعرت أنني في حضرة لوحةٍ فائقة الجمال, قد رُسمت بفرشاةٍ من السكون, ونُمّقت بألوانٍ من الصمت, وعُلّقت على جدارٍ من الفراغ, لم تكن ذاكرتي حينها تأبه بأي شيء, ولم يرافقني وقتها سوى ابتسامتي التي تتبدى بنفس الوقت, ثم تندثر وتبقى تنتظر شروق الغد, بدأت خفقات قلبي تتراقص فرحاً, وتطلب من أطرافي الاستعداد لقدوم زائري الجميل, لم تكن ساعة قدومه ينقصها سوى بعض الدقائق المنفلتة, لكنّ لتلك الدقائق رونقها أيضاً, فهي لا تخلو من لهفة الانتظار أو غبطة سرعة اللقاء.

فتحت النافذة مسرعاً كعادتي كل يوم, وسمعت صوتها الذي أحفظ سنفونيته جيئةً وذهاباً, وضعت حفنة صغيرة من بذور عباد الشمس السوداء فوق حافتها الصغيرة, وحاولت تجميعها فوق بعضها حتى لا تسرقها رياح الصباح العابثة, ثم أبعدت تلك الستارة الخضراء بإزاحتها بيدي اليسرى حتى لا تُلاطم عينيّ وتعكّر صفوهما, ووقفت أنتظر قدوم رفيق الصباح, لم اكن على عجلة من أمري, فيقيني لم يخذلني منذ بضعة شهور, ومنذ أن أنجبت لي الصدفة ذلك المخلوق الرائع, عصفور مكتنز أصفر منقاره ذو حمره, موشح جسده باللون الابيض والاسود عند ذيله وجناحيه وأعلى رأسه فقط, جاء صديقي الصغير أخيراً, ووقف بنوع من الكبرياء قرب تلك الكومة الصغيرة, حسبته يرغب بألقاء التحية صوبي, فقد نظر اليّ بسرعة خاطفة قبل أن يهمّ بتناول وجبته المألوفة, حييته بابتسامه يغمرها الاعجاب, أخذ يلتقط كل بذرة بنهمٍ شديد, ويتبعها بأن يتنطط الى الاعلى دون أن يبرح مكانه, وما أن اقتربت البذور على النفاذ, حتى بدأت أصابعي تدقّ وجه الزجاج من داخله, اقترب العصفور حينها من الجهة المقابلة, وبدأ يرفرف بجناحيه الطويلين بسرعة متقلبة, ويتراقص بنوع من التثاقل او هكذا ظننت, كان ذلك ربما بمثابة العرفان او ايذاناً بالوداع, اغلقت نافذتي بعد أن انتهت المائدة, وبذلك أكون قد طويت أول سطرٍ في يومي, وبقيَت فعلتي تلك تتكرر كل يوم, فكنت اجتهد في يقظتي حتى لا تتغير الوتيرة, وادّخر من البذور حتى لا يختلف العهد ويتكسّر الوعد.

في صبيحة أحد أيام الخريف المعطّر بنسماته الدافئة, استيقظت متأخراً بعد أن كنت غارقاً وغائراً في جنبات سباتٍ عميق, شعرت بالضيق ما أن أدركت أنني لم أطعم ذلك العصفور المسكين مثل كل مرة, وأخذت أفكاري تحاسب أفعالي, ونظراتي تلتفّ صوب نافذتي الباهتة, وأسأل نفسي: تُرى هل جاء كما يفعل دائما؟ هل عاد مكسوراً وجائعاً؟ وهل سيأتي مرة أخرى!, أغمضت عينيّ من جديد, وصعدت ابتسامةٌ حائرةٌ الى قمة خاطري, وقلت لنفسي: هل انهمك في البحث عني؟ والأهم من ذلك, هل افتقدني وهل تألم لمغيبي؟, عقدت العزم على أن أعرف الحقيقة, ونويت تفكيك خيوطَ تلك المسألة, وفي اليوم التالي حرصت على الحضور مبكراً, فذلك المسرح الصغير لا بدّ وأن تدبّ في أوصاله الحياة, وتلك الستائر لا بد وأن تتزحزح تحت خطى ما أريد, وضعت تلك الكومة الصغيرة في مكانها, وكنت حينها أتلفّت حولي كما لو كنت سارقها, أغلقت النافذة بإحكام, وأتبعتها بأغلاق الستائر كاملةً, وأخذت أسترق النظر من الطرف الأيسر للنافذة دون أن يراني كائن من كان, وبعد بضع دقائق قدم العصفور كسابق عهده, شعرت بنوع من الرضى, وطمعت بالمزيد منه, أستمر بالتهام تلك البذور عن بكرة ابيها, ثم تنطط قليلاً بعد أن تمكن منه الشبع, و يا للهول! لم يقترب من زجاج النافذة, ولم يأبه لمن اعتاد أن يرقبه, ولم يكترث بأي شيء, ثم حلّق بسرعة بعيداً عن ساحته, كمن ترك القتلى وأهمل الجرحى, استدرت الى الطرف الايمن حتى أطبق جسدي على الحائط, و انسلّت اصابعي بهدوءٍ من ثنايا الستائر, وقلت لنفسي: غريب أمره! لم يبحث عني على الإطلاق!, ثم كدت أضحك مع نفسي عندما أخبرتها: ربما غضب مني بسبب البارحة, لا لا ليس كذلك, ولكن ربما وجود الطعام بعد قسوة الجوع قد جعله ينساني, نعم أظن ذلك, كم أسأت فهم ذلك المخلوق الضعيف! ولعلني حمّلته في قرارتي فوق طاقته من العتب, سأقطع الشكّ باليقين, وسأثبت لنفسي ما تهواه, في اليوم التالي فعلت ما فعلت في اليوم الذي قبله, لكنني في هذه المرة لم أضع تلك البذور السوداء في مكانها المعهود, وبذلك أكون قد أزلت من أمام ناظريه ما قد يشغل روحه الصغيرة, وأخفيت ما قد يفصل في الرغبات بيني وبينه, وحاولت أن أكون أكثر حذراً عند إبصاره, فحتى الستائر قد أبقيتها محنطة بلا روح تخلخل وِقفتها, وبعد عدة دقائق من الانتظار والحيرة, جاء رفيقي المنتظر, وقف على نفس البقعة التي اعتاد اعتلائها, صَمَت لعدة لحظات دون حراك, ثم ابتدأ يدير وجهه الصغير باتجاه النافذة الجاثمة من خلفه, شعرت بنوع من السعادة المتصاعدة, واخذت دقات قلبي تتصاعد معها أيضاً, وبالكاد أمسكت نفسي من أن أزيح الستائر حتى أجعله يراني, وراودتني محبتي على أن أضاعف له العطاء هذه المرة, لكنني قررت الانتظار حتى يلتفت صوبي مباشرة, فتبصر عيناي فجأة ما خدش مهجتي وأدمى قلبي, لم يكن يبحث عني ولم يشغله وصلي!, لقد كانت “نملة ” صغيرة حمقاء تتجول بين عينينا, وكان يتحيّن الفرصة للإطباق عليها, قفز فجأة نحوها والتقطها بلقمة واحدة, ثم تنطط بعدئذ واجنحته المخططة شبه مرفوعة, أزحت الستائر بقوة دون أن أفكر, لكنني لم أستحضر منه سوى رؤيته يحلق بعيداً الى حيث لا أدري, أدركت حينها أننا افترقنا وبلا عودة!.

كم نعيش في الدنيا وكأننا أسياد أنفسنا, ونتناسى الأقدار فتجرفنا ربما في أول لقاء, نتراكض كصِبيةٍ لا يوقف ضحكاتهم سوى تعب أقدامهم, ينظرون الى السحب البيضاء العالية ويحسبونها أرتالاً من القطن الممتدّ, و يرسمون فيها أحلامهم وأرواحهم وهي تتحرك وتتشرذم وتندمج بلا توقّف, وفي كل مرة يرون فيها شكلاً يبصرونه هم وحدهم, وقد يعكّر صفوهم نشازٌ منها لا يقدرون عليه, أو يثير حفيظتهم سوادٌ منها لا يقتربون منه, هكذا نعيش وننسى أننا لسنا أكثر من أوراق قصةٍ كتبتها الصدفة وأهملتها على رفوف الزمن, نتوهم ولادة الحياة ما أن ترى أعيننا الضوء, وتنتهي الحكاية وتحلّ النهاية في لحظة المغيب, نبكي من يرحلون ونحن نبكي أنفسنا تحت غطاء رحيلهم, ونشفق على من بكاهم كونه الخاسر الأكبر, ونحن لا ندري أن من رحل هو الخاسر الوحيد, كم نحن ضعفاء, وكم نحن حالمون, وكم نحن واهمون!.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا