تركيا وإسرائيل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*محمد الحبيب الدكالي

 

تفاجأ الرأي العام العربي بزيارة رئيس الدولة الإسرائيلي لتركيا مؤخرا حيث استقبل وفق البروتوكول الرسمي الذي يستقبل به عادة رؤساء الدول. ولم يستسغ الرأي العام العربي قبول تركيا لهذه الزيارة، وتوزع بين الحيرة في الفهم والاستنكار، وذهبت بعض الأطراف إلى التخوين والاتهام بالتطبيع.
لا يمكن فهم طبيعة العلاقات بين تركيا والدولة اليهودية، ولا فهم مواقف تركيا من قضية فلسطين، ولا فهم طبيعة وحجم واتجاهات الصراع بين تركيا والعدو الصهيوني من خلال اجتزاء حدث كهذا لإصدار أحكام قطعية ونهائية باتهام القيادة التركية بالتطبيع، فشتان بين تركيا والإمارات والبحرين أو مصر أو المغرب مثلا.

الصراع بين الطرفين له طابع استراتيجي ممتد تاريخيا وجغرافيا وثقافيا، ولا يمكن فهم استراتيجيات تركيا في إدارة الصراع من خلال الأحداث الجزئية في حد ذاتها، فكل الصراعات الدولية في عصرنا هذا محكومة بثلاثة مستويات : توزيع القوة بأنواعها، المحافظة على القوة، استجلاب وتعزيز القوة. فالصراعات زادت تعقيداتها بشكل كبير، وكل طرح للفهم ينبني على الشعارات فهو لغو سياسي ومزايدات عديمة القيمة في أي تحليل موضوعي جادّ.

مسرح الصراع بين تركيا وإسرائيل

هو التاريخ المعاصر والجغرافيا الإقليمية، والرؤى الاستراتيجية لتركيا من جهة وإسرائيل وكل الأطراف الدولية والإقليمية التي تلعب في المنطقة العربية وبشكل خاص في شرق حوض البحر المتوسط وهي الولايات المتحدة، إسرائيل، روسيا، المجموعة الأوروبية، الناتو وإيران من جهة ثانية. هذه كلها أطراف تتدخل في المنطقة بأشكال مباشرة وغير مباشرة على جميع المستويات وفي كل المجالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية والأمنية والاقتصادية والطاقية في مشهد جيوستراتيجي وجيوسياسي بالغ الخطورة.

والناظر للخريطة الجغرافية سيلاحظ بسهولة أن تركيا وإسرائيل، كدولة احتلال، هما اللتان تقعان في قلب هذا المشهد، فمن جهة الشرق هناك إيران بمطامحها ومطامعها الإقليمية في الوطن العربي وهناك تاريخ من الحروب بين الدولة القاجارية والصفوية والدولة العثمانية، وروسيا من جهة شمال تركيا بأحلامها القديمة للتمدد إلى البحر المتوسط والمياه الدافئة في البحر الأحمر والخليج ولها تاريخ طويل من الحروب ضد الدولة العثمانية في القوقاز وآسيا الوسطى، وغربا هناك الأوروبيون والأمريكيون وهم متسلحون بالناتو، وللأوروبيين كذلك تاريخ طويل من الصراعات والحروب ضد الأتراك في البلقان وشرق أوروبا والبحر المتوسط. وتتقاطع التدخلات والسياسات الدولية لكل تلك الأطراف في المنطقة في اتجاهين متضادّين:
– حماية وتقوية الدولة اليهودية بشكل مطلق وفي كل المجالات، وهو أمر مفهوم بحكم التحالف التاريخي الشامل بين الغرب والحركة الصهيونية.
– محاولة إضعاف تركيا بكل الوسائل والأساليب والعمل على تقسيمها وإعادتها إلى صفّ التبعية، وإجهاض سياساتها الإقليمية التي تتعارض بشكل واضح مع سياسات الغرب وإسرائيل في المنطقة، وصولا إلى تدبير محاولة انقلاب كبيرة لتصفية أردوغان والقضاء على التجربة الديموقراطية والتنموية التركية بواسطة العسكر.

وبالنسبة لإيران التي لا يجب أن يتطرق الشك إلى الأذهان في عداءها الشديد للكيان الصهيوني، تكمن مشكلتها الكبيرة في التناقض بين شعاراتها حول فلسطين والمقاومة، وسياساتها المطبّقة على الأرض في المشرق العربي عبر المشاركة في تدمير العراق وسوريا واليمن وتفسيخ لبنان، وهي سياسات تخدم بامتياز، شاء الإيرانيون أن يعترفوا أو لم يشاؤوا، استراتيجية أمريكا و”إسرائيل” فيما يعرف بـ”الفوضى الخلاّقة”*، إذ من المستحيل أن تكون المجتمعات العربية المدمرة والمتفسخة طائفيا قادرة على المساهمة فعليا في المقاومة والتحرير وبالذات في سوريا والعراق.

طبيعة الصراع بين تركيا و”إسرائيل”

تركيا قريبة جدا جغرافيا من فلسطين لا يفصلها عتها إلا الساحل السوري واللبناني، هذا معطى هام جدا و”إسرائيل” واعية تماما بهذا المعطى الجغرافي المخيف بالنسبة لها. تاريخيا، لا ينسى الأتراك آلاف الشهداء من الجيش العثماني الذي ارتقوا وهم يدافعون عن فلسطين والشام في مواجهة الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، كما لا ينسون إرثهم الحضاري الذي ساهموا به في الأرض المقدسة حموا فيها الكنايس وحرية العبادة لإخوتنا المسيحيين، وشيدوا المساجد والمرافق العمومية (ومنه سراي الحكومة اللبنانية الآن) ووصلوا القدس بالمدينة المنورة وإسطنبول بخط السكة الحديد ونظموا فيها الأوقاف الكبيرة ووثقوا حقوق أهلها في الأرض أدق توثيق.. ثم أفل الدور التركي في فلسطين في المرحلة الأتاتوركية واعترف العلمانيون المتطرفون والعسكر بالكيان الصهيوني سنة 1949 رغم أن تركيا صوتت ضد قرار التقسيم في خريف 1947، ودخلت في اتفاقيات عسكرية وتجارية ومناورات مشتركة مع إسرائيل.

أما خلال العشرين سنة الماضية فقد أعادت تركيا صياغة علاقتها مع الدولة اليهودية بشك جذري وتراجعت معها تلك العلاقات من جهة الطرف التركي بشكل كبير وصلت إلى حد التوقّف الذي استمر حتى سنة 2018، ومن بين أبرز مظاهر محطات الصّدام الهجوم الحاد المتواصل على إسرائيل وقادتها مقابل دعم كبير للشعب وللمقاومة الفلسطينية، وتوقيف التعاون العسكري مع الدولة الصهيونية ليصل الصدام إلى ذروته بعد هجوم الكومندوس الإسرائيلي على سفينة مرمرة التي كانت على رأس “أسطول الحرية” لفك الحصار عن غزة بمبادرة من “حركة غزة الحرة” ومؤسسة الإغاثة الإنسانية (IHH) التركيتين وكان على متنها 633 شخصا أغلبهم أتراك ومعهم نشطاء متضامنون من 37 بلدا، استشهد فيها 19 من الأتراك وأصيب عشرات من النشطاء في مايو 2010. وقبل هذه الحادثة فاجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القادة المجتمعين في منتدى “دافوس” في 30/01/2009 عندما وجه كلاما لاذعا ومهينا لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز ولمن صفقوا له في ذلك الاجتماع وانسحب من المؤتمر، في إشارة إلى العدوان الهمجي في حربها على غزة سنة 2008.

القيادة التركية تدرك تماما أن قضية فلسطين لها ثلاثة أبعاد : بعد محلي أي في فلسطين وهو بدوره بعد مركّب منه وجود دولة يهودية قوية ومسيطرة، وسلطة فلسطينية تابعة متحكم فيها من طرف “إسرائيل”، وشعب فلسطيني مقاوم لكنه ممزق جغرافيا في وطنه وفي الشتات ومنقسم سياسيا. البعد الثاني إقليم عربي ضعيف اقتصاديا وعسكريا ومحكوم من طرف أنظمة عسكرية أو ملكيات مطلقة ومتشرذم سياسيا. والبعد الثالث غربي قوي جدا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا ومتحالف تماما مع “إسرائيل” ويقف معها في كل سياساتها التوسعية العنصرية وفي جميع محطات عدوانها، ويدعمها بشكل مطلق بكل عناصر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والاستخباراتية. كما تدرك هذه القيادة أيضا أن قضية فلسطين مرتبطة تمام الارتباط بأوضاع المحيط العربي و واضح لديها أن عالما عربيا ممزقا شر ممزّق، ضعيفا كل الضعف، مرتهنة أنظمته بالخارج إلى حدّ التحكم، ومجتمعات مفقّرة مقهورة، لا يمكنه أن يكون قادرا على مواجهة “إسرائيل” ولا حتى دفع عدوانها عن الفلسطينيين وهو على هذه الحالة، فكيف بتحقيق حلم التحرير؟ أي تحليل جادّ لا بد وأن يستحضر هذه الأبعاد عند الحديث عن الصراع مع الدولة الصهيونية وحلفائها الدوليين، والتلويح بشعار التحرير في هذه السياقات هو مجرد لغو ودعاية سياسية.

هذه الخلفيات تشكّل بعضا من أهم العوامل التي أملت على تركيا أن تتعامل مع قضية فلسطين وفق استراتيجية مركّبة تأخذ في الحسبان معطيات أوضاع العالم العربي، والاستراتيجيات الجديدة للقوى الدولية المتدخلة. ويمكننا أن نرى الآن بعض العناوين العريضة لاستراتيجية تركيا الجديدة في المنطقة المتعلقة بوضعيتها هي كدولة تواجهه المخاطر والتهديدات الدولية والإقليمية، وهذه الاستراتيجية الجديدة هي في نفس الوقت ذات صلات وثيقة منها المباشر ومنها غير المباشر بقضية فلسطين وبوضعية الشعوب العربية :

داخليا : بناء النظام الديموقراطي وبناء اقتصاد قوي وتطوير الصناعات العسكرية بشكل فاجأ “إسرائيل” والغرب على أساس قاعدة “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.
فلسطينيا : دعم الفلسطينيين في القدس والضفة والقطاع في قطاعات مجتمعية واقتصادية مهمة هم في أمس الحاجة إليها بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية أو مباشرة مع أهلنا هناك وهم يواجهون العنصرية والاعتداءات من كل نوع. تشجيع الأتراك على الرباط في المسجد الأقصى في شهر رمضان والمئات منهم يرابطون مع إخوانهم وهذا دعم معنوي كبير شكل ذكي من أشكال تعبئة الشعب التركي في المواجهة طويلة الأمد مع إسرائيل. احتضان وحماية قيادة “حماس” وأجهزتها وتوفير احتياجاتها بعد طردها شرّ طرد من سوريا بسبب رفضها إعلان تأييدها لجرائم بشار الأسد في بلده. فتح المجال أمام الخبراء والعلماء الفلسطينيين لتطوير القدرات التكنولوجية وتطبيقاتها العسكرية.
عربيا : الوقوف مع ثورات الربيع العربي بدون مواربة. مواجهة وأحيانا إجهاض عدد من سياسات أمريكا و”إسرائيل” في المنطقة العربية الرامية إلى ضرب مواطن القوة و/ أو لمزيد من الإضعاف والتمزيق كما في حالات ليبيا و قطر والصومال. عدم إتاحة الفرصة للكيان الصهيوني للاستفراد بالغزو الاقتصادي والسياسي والثقافي للبلدان العربية فعمدت تركيا إلى تمتين العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع عموم البلدان العربية وكسب المواقع فيها حتى مع تلك التي ناصبتها العداء كالسعودية والإمارات ومصر، وهذا ليس في صالح العدو بالمطلق بل يصب في مصالح العرب كشعوب. احتضان ودعم ملايين السوريين في محنتهم التاريخية وفتح الأبواب لهم للتجنيس وكسب الرزق والدراسة ودعم وحماية ثلاثة ملايين من المهجّرين ظلما في شمال سوريا.
إقليميا ودوليا : المواجهة باقتدار للتحالفات الإسرائيلية الأمريكية الأوروبية المدعومة من بعض الأطراف العربية الموجهة ضدها في شرق البحر المتوسط بنشر القواعد والمناورات العسكرية المشتركة لإرهابها وتهديدها. النجاح في فرض وجود وحقوق تركيا للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط وإرغام الأمريكيين والأوروبيين وإسرائيل على الاعتراف بهذا الوجود والحقوق عبر استعراض القوة وبالذكاء السياسي والدبلوماسي، وإشراك تركيا في الاستفادة من الغاز الفلسطيني وهذه النقطة الأخيرة يمكن النظر إليها ككسب سياسي واقتصادي مهمّ وهذا آخر ما تتمناه إسرائيل، وليس العكس.
وقد يقول قائل، لماذا لا تقطع تركيا علاقاتها بإسرائيل؟ والجواب يكون عبر سؤال آخر وهو، لماذا لا تطلب المقاومة الفلسطينية هذا الطلب من تركيا لو لم تكن هذه العلاقات تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني؟ كيف؟ فليسأل السائلون المقاومة الفلسطينية نفسها عن الجواب.

الصراع طويل ضاري، وستبدي الأيام ما يجهله الكثيرون، والعبرة بالخواتم.

* “الفوضى الخلاقة” نظرية في الصراعات الدولية دبّجتها مراكز البحوث اليمينية الأمريكية وتدرّس في الجامعات الغربية. وهي تقوم على أساس إيجاد مسوّغات مفبركة واستغلال التنوع الطائفي والعرقي والدكتاتورية لإغراق المنطقة العربية في الصراعات الداخلية وصولا إلى التدمير الشامل للبنيات المجتمعية والعمرانية في المنطقة، وهو ما يتيح للكيان الصهيوني أن يبقى قويا ومهيمنا. بدأت أمريكا وإسرائيل تطبيقها في لبنان أولا (الحرب الأهلية 1975-1990) ثم في العراق على يد جورج بوش وابنه ثم في سوريا ولبنان مرة أخرى واليمن، و قد سبق لوزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس أن تكلمت عن هذه الاستراتيجية مرارا ضمن خطط أمريكا لخلق “الشرق الأوسط الجديد”.

*خبير في التنمية الدولية والشؤون الإفريقية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...