واشنطن ومحاولات إسقاط دمشق.. توثيق واقعي (2).

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*الدكتور حسن مرهج

 

 

تحدثنا في الجزء الأول من هذا البحث، عن المحاولات الأمريكية لإسقاط دمشق، وتأطير دورها القيادي في الإقليم، لا سيما أن الإدارات الأمريكية السابقة والحالية، قد وضعت نُصب أعينها، زعزعة الاستقرار في سوريا، والحد من قدرة الدولة السورية، على التأثير في قضايا المنطقة المصيرية، ولعل المحاولات الأمريكية الرامية لإسقاط النظام السياسي في سوريا، كانت خلال العقد الأخير، تنطلق من محددات إسرائيلية وخليجية، لكن لم يُكتب لتلك المحاولات النجاح، بل على العكس، فقد تمكنت الدولة السورية، وبمساعدة حلفائها، من التصدي لكل الموجات الأمريكية، ببعديها السياسي والعسكري، وصولاً إلى البُعد الاقتصادي، الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، واليوم في عهد جو بايدن، على إتباع استراتيجيات جديدة، من شأنها إطالة أمد الصراع في سوريا، فضلاً عن محاولات تمييع الحل السياسي، لكن حتى في ذلك، ونتيجة انتصار الدولة السورية، فقد عادت ولو بشكل جُزئي علاقات سوريا مع محيطها الإقليمي، الأمر الذي يشي بأن الدولة السورية، قد تمكنت من وضع العدوان الأمريكي عليها، ضمن أطر اللا تأثير.

ودون أن نحلل مسارات الربيع العربي، ونغوص في جُزئياته، لكن لابد من التنويه إلى الملف الليبي، وإلصاقه مباشرة بالملف السوري، فقد هاجمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ليبيا الغنية بالنفط في 19 آذار / مارس 2011 ، مما مهد الطريق للإطاحة بالزعيم، معمر القذافي ، الذي قُتل في 20 تشرين الأول /أكتوبر 2011. وساعدت دول الناتو في القضاء على القذافي من قبل القاعدة والإرهابيين الليبيين، إلى جانب القوات الخاصة لقطر والإمارات ودول أُخرى. في غضون بضع سنوات، انقسمت ليبيا، التي كانت تتمتع في عام 2010 بأفضل مستويات المعيشة في إفريقيا، إلى أطراف متحاربة مع انخفاض ظروف سكانها بشكل حاد، وقد حاولت حكومة أوباما ، بدعم من أعضاء الناتو فرنسا وبريطانيا وألمانيا والبرتغال ، تكرار الحيلة في الأمم المتحدة بشأن سوريا ، والتي استخدموها للشروع في العمليات العسكرية ضد ليبيا، وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ، قدمت القوى الغربية في الأمم المتحدة اقتراحًا لقرار على أساس “مسؤولية الحماية في سوريا”.

وإدراكًا من روسيا والصين أن الناتو يريد قصف سوريا وإزالة الأسد ، فقد استخدمت حق الفيتو ضد القرار الأممي، خاصة أن أصدقاء سوريا، أدركوا بأن تلك القرارات الأممية، قد أصبحت ذريعة، كما تم استخدامها في قصف ليبيا، وباتت نموذجًا لتبرير تدخلات الناتو كأداة عسكرية للكارتل الإمبريالي المتطرف بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا.

في السياق، بدأ أوباما في التحريض خلسة على الحرب ضد الأسد. في 17 آب/ أغسطس 2011 ، قال الرئيس الأمريكي ، “من أجل الشعب السوري ، حان الوقت لأن يتنحى الرئيس الأسد”. لم تكن هذه هي المناسبة الأخيرة التي دعا فيها أوباما لرحيل الأسد. لم تكن الحرب في سوريا صراعًا عاديًا بين طرفين متعارضين، لكنها تضمنت مجموعة من الفصائل الإرهابية، العديد منها متطرفون وجهاديون يتبعون بشكل مباشر لأجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية.

في ذات السياق، فإن الهدف الأساسي الذي اتخذته الولايات المتحدة، إضافة لإسقاط الرئيس الأسد، يتمثل في القضاء على وجود روسيا وقواعدها البحرية في سوريا في طرطوس واللاذقية، وقطع طرق إمداد حزب الله بالأسلحة، واحتواء التقدم الصيني على موارد النفط، وعزل وخنق إيران بالكامل. وربطاً بذلك، فقد أدركت روسيا وكذا الصين وإيران، أن سوريا لا يمكن إلا أن تكون، جزءًا لا يتجزأ من تكتل سياسي واقتصادي يضم موسكو وبكين وطهران، وبالتالي، لا يمكن السماح للولايات المتحدة، أن تتمكن من تحقيق أجندتها في سوريا، والعمل في إطار دعم الدولة السورية، ومساعدتها في القضاء على الإرهاب المدعوم أميريكاً وخليجياً.

وهنا لابد من التنويه، إلى أن في القتال ضد الدولة السورية، كانت القاعدة وأمريكا وفرنسا وبريطانيا في نفس الجانب بشكل فعال، وقد شاركت القوى الفرنسية الأمريكية البريطانية في الحرب بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من أي دولة أخرى، بمساعدة حلفاء غربيين مثل تركيا والسعودية وقطر. وبحلول أواخر عام 2012، علمت إدارة أوباما “من التقييمات السرية” أن معظم الأسلحة الغربية المرسلة عبر المملكة العربية السعودية وقطر ، ثم إلى سوريا ، انتهى بها الأمر في حوزة الأصوليين الإسلاميين الذين كانوا يحاولون تدمير الدولة السورية، فقد أراد الجهاديون استعادة الخلافة العظمى في بلاد الشام بين نهر الفرات والبحر الأبيض المتوسط، بمساعدة وكالة المخابرات المركزية، وواصلت دول الخليج العربي وتركيا زيادة المساعدات العسكرية للمتطرفين في سوريا.

بعد ذلك، تمكنت الدولة السورية وحلفائها، من استعادة زمام المبادرة، والسيطرة على غالبية الجغرافية السورية، وتحييد الإرهاب وحصره في بؤر جغرافية محددة، كل ذلك، تمهيداً لاستعادة ما تبقى من الجغرافية السورية، بما يمهد لحل سياسي شامل.

ختاماً، يمكن القول بأن دمشق تمكنت من إعادة بلورة علاقاتها الإقليمية والدولية، بنا يتناسب وحجم الدور السوري في المنطقة، كما أن غالبية القوى التي شاركت في الحرب على سوريا، تقوم اليوم بإعادة تقييم إستراتيجيتها والحد من تدفق الإرهاب إليها، كما أنها تلك القوى، أن ذلك لن يحدث دون التنسيق مع دمشق، وعليه، فإن القادم من الأيام، وبصرف النظر عن نتائج الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن دمشق ستكون عنواناً إقليمياً جامعاً، لسلسلة من التفاهمات والاصطفافات الجديدة، مع تشكيل نظام إقليمي جديد، عنوانه انتصار سوريا.

*إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...