جدلية المدينة الفاضلة في المتخيل الفلسفي واليوطوببا والمدينة الذكية المتحققة في الواقع
*الدكتور شنفار عبدالله
كيف أصبحت لدينا مدن وقرى وأحياء أشباح بلا روح؟ مدن مزعجة يسكنها الضجيج ولا تتيح فضاءً مفتوحًا للراحة والسعادة؟ منازل عبارة عن أضرحة لا تصلح حتى للمبيت؟ هل هناك مدن وقرى ذكية بالمغرب؟ كيف نعالج تشابك مختلف امتداد خيوط الشبكات الكهربائية والإنارة العمومية والماء الصالح للشرب وشبكات المياه العادمة وخيوط وحبال الهاتف… وغيرها؟
عظمة الشعوب والأمم لا تقاس بالمدن الفاضلة المثالية التي تحدث عنها فلاسفة اليونان؛ أو المدن المتخيلة في يوطوبيا (توماس مور-Thomas More) التي كانت تحلم بها؛ بل عظمة الشعوب والأمم؛ أصبحت تقاس بمدى قدرتها على إنجاز مدن ذكية (Smart city) محققة فعلًا في الواقع التي.
لكن لماذا يلجأ الناس لهذا النوع من الحيل والتدليس؛ حيلة وتدليس مقارنة المدينة المتخيلة بالمدينة الذكية المتحققة؟ ومن يلجأ لها ويبيتُ فيها؟ ولماذا لا ينتبه المتلقي في بيئة معينه لتلك المغالطات المنطقية؟
تاريخ الفلسفة اليونانية يحكي عن المدينة الفاضلة التي أقامها الفيلسوف أفلاطون في مخيلته؛ أو المدينة المثالية؛ أو جمهورية الله الفاضلة؛ التي أقامها رجال الدين في أدبياتهم؛ مثل يوطوبيا (توماس مور)؛ في مقابل مدن الشيطان التي يعيشها الإنسان.
فعندما نقارن المدن الفاضلة في المخيال الاجتماعي؛ بالمدن الذكية المتحققة في الواقع؛ تنتصر دومًا المثاليات المتخيلة على الواقعيات المتحققة. وهي طريقة سهلة للفوز في المجادلات والحوارات الكلامية.
في المقارنة بين المتخيل والواقعي؛ نكون كمن يقارن بين تفاحة الجنة التي أخرجت آدم مطروداً بعدما أغرته بمذاقها وحلاوتها؛ وبين تفاحة مزارع الأرض. فالأولى مثالية وتوصف بالكمال؛ في حين الثانية مهما بلغت درجت حلاوتها ومذاقها وسموها ؛ فهي تظل موسومة بالنقصان.
بسبب الحظر المفروض نتيجة تفشي فيروس كورونا على المدن والقرى؛ تكشفت في الحقيقة عرى هذه المدن والقرى؛ ويتبين لك كيف أنها لا تتيح ولا تسمح بهامش كبير للتحرك من أجل احتواء الأزمات؛ مدن بئيسة وتسبب التعاسة بدل السعادة والصحة والطمأنينة والسكينة والأمان؛ من خلال هندستها ومعمارها الذي حولها إلى صناديق كالنعامة التي لا تفتح أي أفق أو مجال للتطور؛ مدن عبارة عن أشباح في النهار؛ ولا تصلح سوى كمحلات وبيوت للمبيت ليلًا. مدن كان يسكنها الإجرام والضجيج والجهل والتخلف.
مدن في كل مرة نختبرها عند الشدة نجد أن ازقتها وشوارها وهندستها خاوية اليدين صفرا.
ونستحضر مختلف المعاناة عند تدخلات عناصر الوقاية المدنية من أجل إخماد النيران وعناصر الأمن والدرك ورجال السلطة من أجل تفكيك العصابات أو إلقاء القبض على مجرم أو إغاثة طفلة تحترق بالنيران أو مد يد المساعدة لشخص أو أشخاص في خطر.
مدن تفتقر لسياسات حضرية تبلور فضاءات الترفيه والترويح عن النفس.
مدن ليست ذكية في شيء؛ حيث تخترقها وتتشابك فيها شبكات الهاتف والإنارة العمومية عبر الهواء والأسطح والفضاءات.
حتى الإدارات والمرافق العامة والعمومية؛ نجدها قد صممت وخطط لها بطريقة تفتح المجال للقول اننا صممنا وخططنا لنوع من الغباء الجماعي؛ حيث لا تتيح للموظفين والموظفات الاشتغال في ظروف صحية؛ بدءًا باستقبال المرافقين ومرورا بتقديم الخدمة لهم حتى المراقبة والتتبع والمواكبة وانتهاء بالتصحيح والمراجعة.
في وقت نجد ان الآخر الذي لازلنا نبحث عنه ونحاول أن نمارس عليه اعتباط التعالي تحت شعار خير أمة أخرجت للناس؛ التي نوظفها بشكل عدواني؛ قد وفر لنا، جزاه الله خيرًا؛ وسائل بديلة للطاقة الشمسية النظيفة وأخرى مصدرها الرياح.
ومع ذلك تجدنا نقارع الشعر فخرًا بالقول:
مَلأنَا البَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا..
ونَحْنُ البَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِينا.
تصور شعب الصين العظيم البالغ قرابة مليار ونصف نسمة؛ لا يجرؤ على قول هذا الكلام!
ويضيف مفاخرًا في بيت شعري آخر:
إذا بَلَغَ الرَّضِيعُ لَنَا فِطاماً..
تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدِينا.
من هم هؤلاء الجبابرة من الدول العظمى الذين يخرون لك ساجدين!؟
حينما نهبش في الترسانة القانونية؛ ولا نجد فيها حتى مادة لاعتمادها كمرجع أو مصدر من أجل سن القوانين والأنظمة في زمن الشدة؛ فنكون مضطرين للجوء إلى القراءة فقط إلى جانب الإحالات لتمطيطها أكثر مما تستحمل وتتيح؛ هنا يتطلب الأمر وقفة للتأمل والتصحيح وإعادة النظر والمراجعة لتفادي العشوائية والارتجالية مستقبلًا عند سن القوانين وعدم الرضوخ للضغوطات الاجتماعية لتفصيل الفصول والمواد الدستورية والقانونية وفق مقاس من يصيح ويحاكي الصدى بصوت مرتفع!
من خلال طرح السؤال الوجودي التالي: هل الحياة التي نعيشها داخل هذه المدن والقرى والبوادي؛ تستطيع أن تحقق لنا ذوات فاضلة؟
التحديث والإصلاح والتغيير؛ كمسميات تعرف تطورًا حسب ظروف الزمان والمكان؛ وحسب متوالية هندسية وحسابية لتساير العصر عبر مسلسل ومسارات سياسات عامة وعمومية وقطاعية، مع خلق فضاء قابل للتطور والانفتاح. حيث يمكن اعتبار مفهوم المدن أو الجماعات الترابية الذكية (Smart city)؛ أحد المفاهيم الشاملة لوسائل التطور الصناعي والإنتاجي يهدف إلى دعم مدينة أو جماعة ترابية معينة وإدارتها بطرق وأساليب تقنية جديدة وحديثة؛ من أجل أن تتحسن ظروفها الاقتصادية والاجتماعية مع الأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي في برامجها ومخططاتها.
هذه الأفكار والأساليب في سعيها لتحقيق وسائل العيش المستدامة؛ تتضمن تجديدات تكنولوجية واقتصادية واجتماعية لساكنيها من خلال احداث المدن الجديدة وإدارة خدماتها؛ من طاقة متجددة في الكهرباء والإنارة والمياه الصالحة للشرب وفي الصناعة والتدفئة ومواصلات واتصالات، كما يمكن استخدام هذه التقنية الجديدة الشمولية لإدارة مؤسسات كبيرة بتطبيق طرق التحكم الآلي بواسطة وسائل ذكية، مثل كاميرات المراقبة، و(درونات- drones) لتعقب مخالفات السير على الطرقات والبناء والتعمير والمهربين والتعرف على الوجه والملامح؛ بغض النظر عما يسمى انتهاك الخصوصية؛ الذي يبقى تعبيرًا فضفاضًا يجد حدوده لما يتعلق الأمر بمصالح عليا لأمن وحقوق الأفراد والجماعات… وغيرها؛ وكذا محسسات الرصد والتتبع والمراقبة وشبكات اتصال وتجميع معلوماتها وإدارتها عن بعد من مركز يجمع المعلومات، ويتصرف فيها بحسب الأوضاع الآنية والاحتياجات. المدن الذكية تتوفر على الأقل على رصيد وموقف للدبابات العسكرية التي تتطلبها حالة الاقتضاء وسيارات الأمن والوقاية المدنية؛ وممرات سيارات الإسعاف وذوي الاحتياجات الخاصة.
المدن الذكية بها مرافق قريبة من المواطنات والمواطنين تقدم خدمات بسرعة وبدقة أكبر.
المدن الذكية تستعمل وسائل التكنولوجية الحديثة؛ من بطاقات اليكترونية تستغني وتحد من وعن استعمال الاوراق في التعامل مع الإدارة…
فعلا يسكننا الاستعلاء والاستقواء الذي لن يتيح لنا اللحاق بالآخر أبدا حتى نغير ما بأنفسنا.. مصداقا لقوله تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.”
وبالتالي ليس قدرنا أن يسكننا الجمود وعدم سلك طريق الاجتهاد من أجل التجاوز والرقي كباقي الأمم والشعوب فالعطش يقتلنا فعلًا، مع أن الماء فوق ظهورنا محمولًا؛ وأن مرارة الرقي نتذوقها؛ مع أننا نستطيع الوصول إليها بالإرادة والشجاعة والجرأة والاحتشاد والتحدي.
____
* الدكتور شنفار عبدالله مفكر وراصد اجتماعي مغربي.





