الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء: مقاربة تحليلية في التحولات الأمنية والتحديات الإقليمية
* الدكتور عبد الله شنفار
– الهشاشة المركبة وتحولات العنف العابر للدولة
ليست منطقة الساحل والصحراء مجرد حيز جغرافي رخوي تتقاطع فوقه مسارات التهريب والجماعات المسلحة، بل هي مختبر مفتوح لتحولات الدولة المعاصرة حين تتآكل قدرتها على احتكار المجال والمعنى والعنف معاً.
ففي هذا الفضاء الممتد بين هشاشة الحدود واتساع الفراغات السيادية، لا يظهر الإرهاب كطارئ عابر على النظام الإقليمي، وإنما كبنية متحركة تعيد تشكيل المجال السياسي نفسه، وتفرض على الدولة أن تعيد تعريف أمنها وحدودها ووظيفتها.
من هنا، يصبح السؤال عن الإرهاب سؤالاً عن طبيعة الدولة قبل أن يكون سؤالاً عن طبيعة الجماعات المسلحة. فالعنف لا ينمو في الفراغ، كما أن الدولة لا تنهار دفعة واحدة، بل تدخل في طور تآكل بطيء تتراجع خلاله قدرتها على الضبط والتمثيل والإدماج، فتتحول الهوامش إلى مراكز موازية، ويتحول الفراغ الأمني إلى اقتصاد سياسي قائم بذاته.
ضمن هذا التصور، لا يمكن فهم الإرهاب في الساحل عبر منطق السببية الخطية الذي يختزل الظاهرة في الفقر أو الدين أو الجريمة المنظمة أو التدخل الخارجي، لأن هذه العناصر ليست أسباباً منفصلة، بل حلقات داخل نسق واحد يعيد إنتاج نفسه بصورة دورية.
فالهشاشة تنتج العنف، والعنف يعمق الهشاشة، والدولة التي تفقد قدرتها على الضبط تولد شروط تقويضها من الداخل، فينشأ ما يمكن تسميته بـ”الدائرة المغلقة للهشاشة المركبة”.
يقوم هذا النموذج على أساس أربعة مستويات متداخلة
– أولاً: الهشاشة البنيوية
حين تعجز الدولة عن إنتاج حد أدنى من الاندماج الاقتصادي والشرعية السياسية والخدمات الأساسية، تتسع المسافة بين المركز والأطراف، وتظهر داخل الهوامش سلطات بديلة تملأ الفراغ المتروك. هنا لا يعود الفقر مجرد معطى اجتماعي، بل يتحول إلى قابلية سياسية للاختراق.
– ثانياً: سيولة الحدود
في الفضاءات الصحراوية الواسعة، تتراجع الحدود من كونها خطوط سيادة إلى مجرد ممرات عبور. وبدل أن تحتكر الدولة الحركة داخل مجالها الترابي، تنشأ شبكات عابرة للدول تتقاطع فيها القبيلة والتجارة غير النظامية والجماعات المسلحة. وهكذا تفقد الجغرافيا معناها الكلاسيكي بوصفها امتداداً للسيادة، وتتحول إلى فضاء تنازع مفتوح.
ثالثاً: اقتصاد العنف
لا يعيش الإرهاب على الأيديولوجيا وحدها، بل على اقتصاد كامل يعيد تدوير الفوضى. فتهريب السلاح والبشر والمخدرات والمعادن النفيسة ليس نشاطاً موازياً للإرهاب، بل أحد شروط استمراره. لذلك تبدو الجماعات المسلحة أقل شبهاً بالتنظيمات العقائدية المغلقة، وأكثر قرباً من شبكات هجينة تجمع بين العنف والربح والسيطرة الرمزية على المجال.
– رابعاً: أزمة المقاربة الأمنية
تكشف التجارب المقارنة أن النجاح الأمني في دولة ما لا يعني قابلية نموذجه للاستنساخ. فالأمن ليس تقنية مستقلة عن السياق، بل هو نتاج بنية سياسية واجتماعية وتاريخية معقدة. ولهذا تفشل أحياناً استراتيجيات أثبتت فعاليتها في بيئات معينة حين تُنقل إلى فضاءات تختلف في طبيعة الدولة وشرعية المؤسسات وشكل المجتمع.
ومن داخل هذا النموذج يمكن قراءة التحولات التي عرفتها المنطقة بعد سنة 2011، لا باعتبارها مجرد نتيجة لانهيار النظام الليبي، بل كتسارع تاريخي كشف هشاشة كامنة كانت موجودة بالفعل. فالسلاح الذي تدفق عبر الصحراء لم يصنع الأزمة وحده، بل وجد بنية رخوة قابلة لاستقباله وإعادة تدويره داخل اقتصاد العنف العابر للحدود.
كما يسمح هذا الإطار بتفسير ظواهر تبدو متناقضة ظاهرياً: لماذا تنتج بعض البيئات الفقيرة تطرفاً مسلحاً بينما تنتج بيئات أشد فقراً أشكالاً أخرى من التكيف؟ ولماذا تنجح جماعات محدودة العدد أحياناً في إرباك دول كاملة؟ ولماذا تتحول بعض الحدود إلى فضاءات نفوذ تتراجع فيها الدولة لصالح الفاعلين غير النظاميين؟
إن جوهر المسألة لا يكمن في قوة الجماعات المسلحة وحدها، بل في طبيعة المجال الذي تتحرك داخله. فحين تضعف الدولة، لا يختفي النظام، بل يولد نظام مواز أكثر سيولة وأقل قابلية للرصد. وحين تتآكل الشرعية، لا يغيب الانتماء، بل يعاد إنتاجه عبر روابط ما دون الدولة: القبيلة، الشبكة، الجماعة المسلحة، أو اقتصاد الظل.
ضمن هذا الأفق، تبدو المقاربة الأمنية ضرورة لا غنى عنها، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام ما لم تقترن بإعادة بناء المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة. لأن الإرهاب ليس مجرد اختراق أمني يمكن احتواؤه بالقوة، بل تعبير عن اختلال أعمق في العلاقة بين السلطة والمجال والمجتمع.
لهذا فإن مستقبل الساحل والصحراء لن يتحدد فقط بقدرة الدول على ملاحقة الجماعات المسلحة، بل بقدرتها على استعادة المعنى السياسي للدولة نفسها: دولة قادرة على الإدماج قبل الردع، وعلى إنتاج الشرعية قبل إنتاج الخوف، وعلى تحويل الحدود من مناطق فراغ إلى مجالات اتصال وتنمية وسيادة فعلية.
عند هذه النقطة تحديداً، لا يعود السؤال: كيف نحارب الإرهاب؟ بل يصبح: كيف نمنع المجال الهش من إعادة إنتاجه مرة أخرى؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





