كيف شارك نظام العسكر الجزائري في تخريب الحياة السياسية للشعب التونسي ..

 

 

 

 

 

بقلم .. عمر الطيبي

 

 

 

يتذكر متابعو تطورات الساحة العربية خلال العقد الاخير، من دون شك، حالة الرعب والهلع التي أصابت نظام العسكر جراء اندلاع مسلسل الانتفاضات الشعبية التي عرفتها العديد من البلدان العربية بدء من انتفاضة الشعب التونسي التي انتهت بالاطاحة بنظام الجنرال زين العابدين بن علي سنة 2011، وذلك مخافة انتقال عدوى ما عرف اعلاميا بـ “انتفاضات الربيع العربي” الى الشارع الجزائري الذي كان مهيأ أيامها تماما للانخراط في الدينامية النضالية التي اطلقتها هذه الانتفاضات.

هكذا واجه النظام الجزائري احتمالات اندلاع انتفاضة داخلية بأن شن حملات قمع واعتقالات شرسة شملت مختلف قوى المعارضة وطلائع المتظاهرين الذين بدأوا يخرجون فعليا الى الشوارع مطالبين بسقوط النظام، وأتبع ذلك بما عرف بـ “شراء السلم الاجتماعي” من خلال رفع الاجور، ودعم أسعار المواد الاساسية، والعمل على توفيرها بما يكفي في السوق، لكن هذه السياسة ما لبثت أن استتنفذت مفعولها في الشارع، بعد مرض الرئيس وتفجرالصراعات بين أجنحة النظام، حيث أصبح كل منها يصارع من أجل الانفراد بالسلطة واحتكار الثروة وحسم اشكالية خلافة بوتفليقة لصالحه، وذلك بالتزامن مع انطلاق الحراك الشعبي السلمي في 22 فبراير 2019.

أما على الصعيد الخارجي فقد هب جنرالات الجزائر لنجدة الانظمة العسكرية المتداعية للسقوط خاصة النظامين العسكريين في ليبيا وسوريا بعدما تجاوزتهم الاحداث في الجارة تونس، فلم يبخلوا على نظام القذافي بالدعم السياسي والعسكري الى حين سقوطة، واستمروا في دعم نظام بشارالاسد ولما يزالون، لكن هاجس نظام العسكر ظل منصبا بالأساس على كيفية محاصرة “الثورة التونسية” والعمل على تغذية تناقضاتها الداخلية من خلال زرع جيش من الجواسيس والمخبرين والعملاء والمرتزقة في الاراضي التونسية، بل قام بنقل كل ما راكمه من خبرة قمعية في حربه على الشعب الجزائري خلال العشرية السوداء الى الساحة التونسية، وقد تبين لاحقا أن الكثير من العمليات الارهابية والاغتيالات السياسية التي شهدتها الساحة التونسية وسجلت ضد مجهول، بما في ذلك اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، كان مصدرها الاراضي الجزائرية، بل كانت من تدبير مخابرات نظام العسكر وتنفيذ عملائها المحليين.

كذلك مارس نظام العسكر تدخلاته الفجة في الحياة السياسية للتونسين، سرا وعلانية، تحت شعارات كاذبة من قبيل مساعدة الشعب التونسي على تجاوز المحنة التي يمر منها، وادعاء لعب دور الوسيط، غير النزيه بطبيعة الحال، بين فرقاء الساحة السياسية، مستعملا في ذلك شراء الذمم وتوزيع المال السياسي الحرام، حتى تمكن بفعل هذه السياسة، وبتواطء مع حركتي “النهضة” و”نداء تونس” وبتدخل من قوى أجنبية أخرى، من تأجيج الصراعات بين مختلف الفاعلين السياسيين، خاصة منهم اليساريين والقوميين، والمساهمة من ثم في ترجيح كفة قايد السبسي في ثاني انتخابات رئاسية تجري في البلاد بعد الثورة، ثم وبنفس الطريقة في فوز الانقلابي الشعبوي قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية الثالثة.

اللافت للانتباه في هذا الصدد هو الجهد الذي بذلته الحركتان سابقتي الذكر، بدعم وتوجيه من نظام العسكر، خلال الاستحقاقين معا، من أجل الحيلولة دون اعادة انتخاب الرئيس الاسبق المنصف المرزوقي على رأس الدولة التونسية وذلك بسبب ماضيه النضالي وخياراته الديموقراطية والحقوقية الواضحة وبسبب نظافة يده، بالنسبة للاطراف التونسية، ولايمانه الراسخ بالمشروع الوحدوي المغاربي في عرف الطرف الجزائري، الذي لم يغفر للمرزوقي دعواته المتكررة لاحياء هذا المشروع، بل تحميله مسؤولية فشل المشروع أياه علانية وعلى رؤوس الاشهاد.

رغم الازمة الحادة التي مرت منها الجزائر بفعل تراجع عائدات المحروقات واندلاع انتفاضة الحراك، فان النظام الجزائري لم يتوان في العمل على عزل تونس عن محيطها المغاربي، من خلال العمل على جرها لتبني مواقفه الخاصة من القضايا المغاربية الاساسية ومنها القضية الليبية وقضية الصحراء المغربية، ومن الامثلة الدالة على ذلك اشراك الحكومة التونسية في اجتماعات ما سمي بـ “دول الطوق الليبي” سعيا لفرض هذه الاجتماعات كاطار بديل لمؤتمر الصخيرات، لكنها انتهت بسبب رفض الليبيين لها بالفشل، وقد كان في الامكان تطوير مؤتمر الصخيرات وتحويله لاطار مغاربي لمعالجة الازمة الليبية لو خلصت النيات الوحدوية، ولولا تفضيل العصابة الحاكمة في الجزائر العمل على العكس من ذلك، على احداث شرخ عميق في العلاقات المغربية التونسية، وهذا بالضبط ما عبر عنه الكاتب الاعلامي والنائب البرلماني التونسي المعروف سعيد الصافي، حينما قال في احدى تصريحاته، بكل صراحة ووضوح: “لقد أصبحت تونس ممنوعة من الاتصال بالمغرب” !!.

لقد امتثلت حكومة قيس سعيد لضغوط نظام العسكر وابتزازاته المتكررة فامتنعت عن التصويت لصالح مشروع قرار مجلس الامن رقم 2602 المتعلق بالصحراء المغربية في سابقة مناقضة تماما لمواقف الدولة التونسية التقليدية من هذه القضية، التي ظلت تقوم ومنذ سنة 1975 على الحياد الايجابي إزاء الطرفين المغربي والجزائري، وذلك ليس حبا في المغرب ولا من اجل سواد عيون المغاربة “بالضرورة”، بل مراعاة للتوازنات الاستراتيجية في المنطقة المغاربية باعتبارها الشرط الاساسي الذي يضمن لتونس صون سيادتها واستقلالها في مواجهة النزعة الاستبدادية التوسعية المتأصلة في نظام العسكر منذ أن غرسه الميتروبول الكولونيالي الفرنسي في خاصرة هذه المنطقة سنة 1962 كنظام وظيفي.

رغم ارتفاع العديد من الاصوات الوطنية التونسية بالتنبيه لخطورة هذا الانزلاق الاستراتيجي على أمن وسلامة البلاد فقد أصر الانقلابي قيس سعيد الى الذهاب أبعد من ذلك عندما قام باستقبال الانفصالي ابن بطوش استقبال الرؤساء الحقيقيين على هامش القمة اليابانية الافريقية (تيكاد) استجابة لضغوط واغراءات نظام العسكر، في خطوة جرى عبرها في الواقع تسليم السيادة التونسية لنظام العسكر، في مقابل استلام سعيد منه وعودا كاذبة ومساعدات ملغومة وقروضا لن يكون لها على كل حال اية انعاكاسات ايجابية على حياة الشعب التونسي البئيسة اللهم الا اذا كان اثقال كاهله بمزيد من الديون انعكاسا ايجابيا (1).

هكذا اذن وبعدما شارك، خلال العشرية الاخيرة، النخب التونسية الفاسدة وأطراف اقليمية ودولية أخرى اجهاض “ثورة الياسمين”، ودفع الدولة التونسية نحو الافلاس، وبعدما وجد ضالته التوسعية في شخص الانقلابي الشعبوي قيس سعيد، بدأ نظام العسكر يكشف عن نواياه الخبيثة بالتدخل في الشأن الداخلي لتونس، من خلال تصريحات ومواقف رسمية، على غرار ما جاء في تصريحات تبون خلال زيارته لايطاليا في مايو الماضي، حينما قال انه اتفق مع الايطاليين على “مساعدة تونس للخروج من المأزق الذي تمر منه والعودة بها للمسار الديموقراطي” !!، ثم دعوته الشعب التونسي بعد ذلك للتصويت على دستور الانقلاب الذي عرضه سعيد للاقتراع العام أواخر يوليوز الماضي !!.

ختاما واذا ما استمرت أوضاع الدولة التونسية في التدهور ورد الشعب التونسي على ذلك بانتفاضة جديدة، كما يتوقع الكثير من المراقبين، فانه ليس من المستبعد، وفي ظل شروط معينة، أن يتدخل النظام الجزائري عسكريا في تونس، بهدف السيطرة عليها مباشرة، خاصة وانه بات يعلم أن قيس سعيد لن يتردد في اضفاء شرعيته الزائفة على مثل هذا التدخل اذا ما تبين له أن ذلك يظل وسيلته الوحيدة للابقاء على كرسي الحكم المسروق من التونسيين في حوزته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر بخصوص هذه النقطة مقالي الصادر في جريدة (إيطاليا تلغراف) تحت عنوان “عندما يبيع قيس سعيد سيادة تونس لنظام العسكر بالتقسيط”.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا