بقلم: عزيز لعويسي
تزامنا مع اليوم الوطني للأرشيف الذي صادف الثلاثين من شهر نونبر المنصرم، وفي إطار أنشطته التربوية والعلمية، نظم المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالرباط سلا القنيطرة “الفرع الإقليمي للقنيطرة”، ندوة علمية في موضوع “أي دور للأرشيف المدرسي في حفظ الذاكرة الجمعية؟”، بمشاركة وازنة لمدير”أرشيف المغرب” الدكتور جامع بيضا، وثلة من الأساتذة، وذلك صباح يوم الجمعة 02 دجنبر 2022.

استهلت الندوة – التي تميزت بحضور عدد من الأساتذة والأطر الإدارية المتدربة بذات المركز- بكلمة ترحيبية تناوب على تقديمها على التوالي، الأستاذة بشرى البوحديوي، منسقة سلك تكوين أطر الإدارة التربوية، والأستاذ سمير البردعي، بصفته مديرا مساعدا للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط سلا القنيطرة “الفرع الإقليمي للقنيطرة”.
عقب ذلك، وفي مداخلة مميزة تحت عنوان “تحديات الأرشيف الوطني”، تناول الكلمة الدكتور جامع بيضا، الذي وضع الحاضرين، في صلب سياق إصدار القانون المنظم للأرشيف، وفي هذا الإطار، توقف عند منعطفين حاسمين، ارتبط الأول منهما بقرار الملك الراحل الحسن الثاني، اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، في قضية الصحراء في إطار مسلسل استكمال الوحدة الترابية، حيث كانت اللحظة، تقتضي الرهان على كل الوثائق والمستندات التي من شأنها إثبات الصلات التاريخية والقانونية القائمة بين المغرب وصحرائه، لكن لم يتم العثور على أرشيف منظم، مما فرض تعبئة جملة من الأساتذة والباحثين، أسندت لهم مهام تجميع وتصنيف الوثائق المحفوظة في القصور الملكية، موازاة مع البحث في الخارج عن وثائق أخرى من شأنها دعم مغربية الصحراء، الأمر الذي ساعد على تجميع أرشيف مهم حقق به المغرب المراد، أما المنعطف الثاني، فقد ربطه الأكاديمي جامع بيضا، بعمل “هيئة الإنصاف والمصالحة” في بداية العهد الجديد، والتي اصطدمت في إطار ما منح لها من صلاحيات، بمعوقات موضوعية مرتبطة إما بعدم تنظيم الأرشيف أو غيابه.

وإذا كان الحدث الأول، قد أثار انتباه الدولة إلى أهمية الأرشيف للدفاع عن وحدة الأرض وسلامة التراب، فإن الحدث الثاني يضيف مدير أرشيف المغرب، أعاد “المسألة الأرشيفية” إلى دائرة الاهتمام الرسمي والمجتمعي، بعدما تضمن التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، توصية ذات صلة بالعناية بالأرشيف الوطني، مما عبد الطريق نحو إصدار أول قانون أرشيفي في تاريخ المغرب المستقل، وبموجبه تم إحداث “أرشيف المغرب”. وفي الشق الثاني من مداخلته، استعرض ما يواجه الأرشيف العمومي من تحديات متعددة المستويات، عاقدا الأمل على الاستراتيجية الوطنية للأرشيف للعشر سنوات القادمة – المرتقب الكشف عنها قبل متم السنة الجارية – في أن تجيب على ما تتطلع إليه المؤسسة من مساعي وأوراش إصلاحية.
وفي مداخلة له حول موضوع “تأملات في الأرشيف المدرسي”، استعرض الباحث في الأرشيف الأستاذ عزيز لعويسي (أستاذ السلك التأهيلي، عضو ومنسق لجنة التنسيق والتتبع، المنبثقة عن اتفاقية الشراكة بين “أرشيف المغرب” و”مديرية التعليم بالمحمدية”) استعرض جملة من الإشكاليات التي تعتري “الأرشيف المدرسي”، حصرها في “المفهوم” و”محدودية الوسائل المادية والبشرية” و”الرقمنة” و”غياب ثقافة الأرشيف في الوسط المدرسي”، موجها في ذات الآن، البوصلة كاملة نحو بعض التحديات التي لازالت تواجه “أرشيف المغرب”، وتحول دون تفعيل وتنزيل ما حدده لها، القانون المنظم للأرشيف ومرسومه التطبيقي من مهام واختصاصات، وقد أصر في هذا الإطار، أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك التأهيلي، بضرورة تمكين المؤسسة من جميع الوسائل المادية واللوجستية والبشرية، بما ينسجم وطابعها الاستراتيجي.

وبعد استراحة قصيرة، استؤنفت أشغال الندوة العلمية – التي تولى تسييرها الأستاذ المكون محمد عفريط – بمداخلة للأستاذة عزيز ابن العراب (مفتشة تربوية لمواد الاجتماعيات بالمحمدية، عضو لجنة التنسيق والتتبع، المنبثقة عن اتفاقية الشراكة بين “أرشيف المغرب” و”مديرية التعليم بالمحمدية”) تحت عنوان “الأرشيف ومادة الاجتماعيات”، استعرضت من خلالها، جوانب من اتفاقية الشراكة المبرمة بين “أرشيف المغرب” و”المديرية الإقليمية للتعليم بالمحمدية” بتاريخ 29 يوليوز2021، متطرقة بإسهاب، إلى الترابطات القائمة بين المادة التخصصية (مواد الاجتماعيات) والأرشيف (الوثيقة)، مستخلصة أن نجاح المؤسسة التعليمية، يبقى رهينا، بمــدى تدبيرها لما تحتضنه من أرشيفات.
أما المداخلة الرابعة والأخيرة، فقد كانت رقمية بامتياز، حيث استعرض من خلالها الأستاذ عبدالباري المريني (إطار إداري، متدرب بسلك تكوين أطر الإدارة التربوية) “مشروع الفهرسة الرقمية لأرشيف المركز”، متوقفا عند “سياق المشروع” و”الأهداف المتوخاة منه” و”مستوى الإنجاز”، ومشروع من هذا القبيل، لايمكن إلا تثمينه والتنويه بالأطر الإدارية المتدربة التي لازالت منخرطة في عملية الانجاز، والثناء على حامل المشروع الأستاذ عبدالباري المريني، والأطر الإدارية والتربوية التي آمنت به، وفي طليعتها المدير المساعد للمركز الأستاذ سمير البردعي، ومشروع أرشيفي من هذا القبيل، قد يشكل قوة دافعة بالنسبة لباقي مراكز التكوين والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، في اتجاه العناية بالأرشيف ورقمنته.
وبعد مناقشة عامة، تم التوقيع على اتفاقية شراكة بين “أرشيف المغرب” في شخص مديرها الدكتور جامع بيضا من جهة، والمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين “الفرع الإقليمي للقنيطرة” في شخص المدير المساعد، الأستاذ سمير البردعي من جهة ثانية، لتكون (الشراكة) “إطار عمل” يسمح للطرفين الشريكين، ببلورة أفكار ومشاريع مشتركة، داعمة لثقافة الأرشيف.
وهذه الشراكة النوعية، ستنضاف إلى الشراكة غير المسبوقة التي سبق أن أبرمت بين المؤسسة الأرشيفية والمديرية الإقليمية للتعليم بالمحمدية، تحت شعار “تدبير الأرشيف والتربية على حفظه، تثمين للهوية وتقوية للذاكرة وتعزيز للمواطنة”، وشراكات وازنة من هذا القبيل، ستجعل “الأرشيف المدرسي” تحت مجهر صناع القرار التربوي والتعليمي، مما قد يولد قوة دافعة، في اتجاه تغيير النظرة إلى ما يزخر به القطاع من نفائس أرشيفية ذات قيمة تراثية (حفظ الذاكرة المدرسية…) وتاريخية (توثيق تجارب وخبرات الدولة في مجال التعليم…) وعلمية (ما يقدمه هذا الأرشيف النوعي من معلومات وإحصائيات) وقانونية (رصد مسارات واتجاهات التشريع المدرسي) وحداثية (حفظ الحقوق، ربط المسؤولية بالمحاسبة، الشفافية، النزاهة، المكاشفة …).
هذا وقد انتهى هذا اللقاء العلمي والأرشيفي، في تمام الساعة 13و40د، بالتقاط صور جماعية توثق للذكرى. ولايمكن أن ندع الفرصة، تمر دون التنويه بالحس التواصلي والإشعاعي لمدير أرشيف المغرب، الدكتور الفاضل جامع بيضا، الذي سجل ويسجل له التاريخ، أنه أول من احتضن “أرشيف المغرب” وهي صبية في المهد، وأول من رعاها وسهر عليها ورفع قواعدها، حتى باتت اليوم، واحدة من المؤسسات العمومية الأكثر نشاطا وفعالية وتواصلا وإشعاعا، سائلين الله عز وجل أن يمتعه بموفور الصحة والعافية، ويديم عليه، نعمـة القبول والإشعاع والنجاح والسداد. ولايمكن أن ندع الفرصة تمر أيضا، دون تهنئة الجهة المنظمة، لما أبانت عنه من حسن استقبال وحفاوة، وتحية المتدربين من أطر الإدارة التربوية الذين واكبوا فعاليات الندوة حتى نهايتها، آملين أن يكونوا “سفراء للأرشيف” بعد التخرج.





