*الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ
يبدو لي لسنا في حاجة إلى مباديء الثورة الفرنسية: (الحرية؛ المساواة؛ الأخوة)؛ لتأويل المفهوم الكوني للكرامة الوُجودية للإنسان؛ أو تفسير بعض التجاوزات في فضاء ومجال حقوق الإنسان في بلد ما. ولا حتى اعتبارها (كونية)؛ فالكوني يقوم على الاستمرارية والتراكم والاحتشاد في مجال ترسيخ القيم الإنسانية بين الشعوب والأمم.
لماذا؟
لأن الكرامة الوجودية للإنسان سابقة في الكون على خلق آدم؛ ويتجلى ذلك في الأمر الصادر من الله للملأ الأعلى في الآية الكريمة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي؛ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.)
ويتضح من التفضيل والتعظيم الصريح لبَنِي آدَمَ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم منَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً.)
والكائن البشري ركب له العقل وزود بمُسْتقِلات عقلية وفكرية؛ توجد ضمن صبغياته (DNA)؛ يستطيع من خلالها حفظ كرامته الإنسانية.
وبالتالي التغني والتشبث بمباديء بلد ما؛ واستنساخها على أنها عالمية؛ وإسقاطها على مجتمعات مختلفة؛ تبقى مجرد شعار في الخطاب السياسي؛ تغيب المعطيات السوسيولوجية. زكية داود في إدانتها للاستنساخ في النماذج؛ قالت يومًا:
“La plus grande maladie du Maroc; c’est la greffe des modèles; et l’absence de créativité; d’innovation; et d’attractivité.” Zakia Daoud; in LAMALIF n°: 94 janvier-février 1978.
عُقدة تاريخية؛ قام بتشخيصها المفكر عبدالرحمن ابن خلدون؛ منذ أمدٍ بعيد. فالمتغلب والمنتصر حضاريًا؛ تنشأ معه علاقة فصام في الشخصية؛ غريبة جدًا، ومركب عجيب من التناقضات يقوم على متلازمة: “أنا لا بحبو، ولا أقدر على بعده”.
وحينما يكون منسوب جرعة المهانة الحضارية عاليًا جدًا؛ تتولد عنه رغبة التشفي في الخصم بنسبة أعلى بكثير من معالجة قضايا المستقبل وبناء غد أفضل.
فالهزيمة الحضارية تختلف بكثير عن الهزيمة العسكرية. الهزيمة الحضارية تورث القابلية للاستعمار. وهي في جوهرها معادلة مركبة من الحب والتعلق والحاجة والكراهية.
فمن جهة تكال للمستعمر كل أنواع السب والشتائم؛ ومن جهة أخرى تكون الحاجة إليه والتعلق به في كل أشكال التكنولوجيا والمنتجات الغذائية والعمران والملبس والمأكل… وغيرها.
فإذا حضر لُعِن؛ وإن غاب طُلب. وعلاقة الكراهية والحب والتعلق والحاجة؛ علاقة غريبة؛ تولد فصاماً في الشخصية وفي الخطاب وفي السلوك ومختلف التصرفات؛ فقد يحارب المستعمر في أرض ما؛ وفي زمان ما؛ ولكن ضاقت به الأرض في موطنه؛ فرَّ لديارهم يطلب اللجوء.
هذا العجز المركب والمتعدد الأبعاد؛ يولد غضبًا عارمًا؛ ولكن لا يتم تصريفه وتنزيله في مسالك التكنولوجيا؛ والمنتجات؛ والسلع والغذاء؛ والعمران؛ وإعمال جهد وفعل وعمل وصُنع؛ لإيجاد الحلول للمشاكل والقضايا الحضارية المطروحة؛ ولكن يوجه لمزيد من التذمر والاستياء وتدمير الذات.. (auto-destruction).
* المفكر المغربي





