الثقافة الإسلامية والحداثة الموسيقية.. التناغم والتنافر بين الصمت والصوت

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*خالد حاجي

 

 

ما أكثر ما نَمُرّ مرور الكرام على أشياء تؤثث العالم المحيط بنا، دون أن يستوقفنا حضورُها لنسأل عن أسمائها وصفاتها المميزة. فقد يمر الإنسان على شجرة بالقرب من منزله مرات عديدة في اليوم الواحد ولا يستدعي ذلك منه أن يسأل عن اسمها الخاص بها الذي يميزها عن باقي أنواع الشجر. ولعل هذا السلوك مردّه إلى اختلال في العلاقة بين عالم الأشياء وعالم المعاني؛ وأما الأصل في هذا الاختلال فمردّه إلى ضعف في جاهزية الإنسان اللغوية وعجز عن تسمية الأشياء. فمعلوم أن للملكة اللغوية دورا محوريا في ربط عالم الأشياء بعالم المعاني في ذهن الإنسان.

ويصدق الحديث عن اختلال العلاقة بين الأشياء والمعاني أكثر ما يصدق ونحن نتحدث عن النغمات التي تؤثث العالم كما يصل إلى أسماعنا. فعلى الرغم من شيوع الألحان والأصوات من حولنا، سواء في شكل موسيقى تسبق تقديم الأخبار والأفلام والمسلسلات، أو في شكل موسيقى هادئة تؤثث صمت بعض قاعات الانتظار، أو في شكل الأغاني التي تُبَثّ على مدار الساعة على أمواج الأثير؛ على الرغم من هذا الشيوع وكثرة الانتشار فنحن نعدم اللغة لتسمية “الهندسة النغمية” التي تحيط بنا.

ونكاد في عالمنا العربي خصوصا لا نعي وجود النغمة إلا في علاقتها بالكلمة، فتجدنا نحكم على جودة الموسيقى بجودة الكلمات التي تقترن بها، مثلا؛ نصفها بالطِّيبة إن كانت الكلمة طيبة، وبالخُبْث إن كانت الكلمة خبيثة. ولا عجب أن ينصرف جهد عدد كبير من الدارسين والباحثين في سياقنا الثقافي التقليدي إلى إثبات جواز الاشتغال بالموسيقى من عدمه. ففي هذا تأكيد على أن الحرام والحلال ظل مدخلا رئيسا للتعامل مع النغمة والموسيقى.

وأما المداخل الأخرى، وإن كانت محط اهتمام بعض النخب القليلة، فتظل على هامش السياق الثقافي المهيمن، يزيد من تهميشها قلة اهتمام المنظومة التعليمية بسؤال الفن عموما، وافتقار الدارسين إلى اللغة اللازمة لتسمية الأشياء في عالم الموسيقى خصوصا.

ويقوم شاهدا على هذا الكلام أن الاهتمام بتحليل الخطاب الموسيقي يكاد يكون منعدما في سياق الدراسات الثقافية، هذا على الرغم من حضور الموسيقى القوي على امتداد الليل والنهار، سواء في برامج الإعلام الترفيهية، أو في المهرجانات الثقافية، أو في حياة الناس الفردية وأفراحهم الجماعية. يخيل لنا أنه لا شيء يعدل حضور الموسيقى القوي في الواقع إلا السكوت عنها؛ فهي بهذا المعنى من الظواهر الغريبة، ومكمن غرابتها يكمن في كونها كلما زادت صخبا، اكتنفها الصمت أكثر.

وما زلت أذكر كيف قوبل كتاب إدوارد سعيد حول الموسيقى (Musical Elaborations) في الأوساط الجامعية، العربية والإسلامية خصوصا، بنوع غريب من اللامبالاة، في وقت كان الجميع يلهج فيه بذكر اسم الكاتب ومؤلفاته الأخرى. والراجح أن عزوف الدارسين عن هذا الكتاب بالذات، وهو من أهم الكتب التي تعنى بتحليل الثقافة الغربية، جاء نتيجة ضعف في الجاهزية الثقافية وافتقار إلى العدة المعرفية. وكيف يمكن لمنظومة تربوية تعليمية لا تهتم بتدريس لغة الفن الموسيقي أن تؤهل المتعلم لقراءة هندسة الغرب النغمية لاستخلاص ما تشي به من نزعة تسلطية أو تحكمية، أو ميل حداثي تغييري أو ما شابه ذلك من المعاني التي تفاعل معها الدارسون وهم يقرؤون كتاب الاستشراق أو الثقافة والإمبريالية، مثلا!

الإسلام والحداثة والموسيقى
يقول برنارد لويس في كتابه عن العلاقة المتوترة بين الإسلام والحداثة (What Went Wrong: The Clash Between Islam and Modernity in the Middle East)، في معرض التحريض ضد الثقافة العربية والإسلامية، إن تحديث المجتمعات العربية والإسلامية يقتضي، من بين ما يقتضيه، تحرير الفن فيها، وفن الموسيقى خصوصا. ويقيم لويس دعواه على أساس أن الموسيقى في هذه المجتمعات ما تزال تنضبط بعلاقة تقليدية مع الزمن لا تؤهل الفرد والجماعة لتمثل روح العصر الحديث.

ويرى برنارد لويس أن المدخل إلى تحديث المجتمعات العربية والإسلامية يكمن في تحرير فن الموسيقى من عوالق الزمن والمكان التقليديين كخطوة ضرورية لتأهيل الفرد والجماعة في هذه المجتمعات للتفاعل مع الزمن الحديث. ففن الموسيقى، كما لا يخفى، ينبسط في الزمن، وهذا الفن في العالم العربي ما يزال أشبه بفن فولكلوري ينضبط بإيقاعات الزمن الطبيعي المحلي. ويزيدنا من الشعر بيتا حيث يقول إن المجتمعات العربية والإسلامية لن تستطيع استيعاب روح الديمقراطية البرلمانية كما تتجلى في المجتمعات الحديثة إلا بعد استيعاب روح الفن السيمفوني، فالقاسم المشترك بين الحياة الديمقراطية وعمل الجوقة السيمفونية هو “التآلف”، أو التَّنْغيم المحكم الذي يقوم على أساس علاقة خاصة بالزمن. فالتنغيم، سواء في الحياة البرلمانية أو في المقطوعة السيمفونية، هو سلوك مساقات مختلفة يفضي في نهاية المطاف إلى نقطة واحدة. أو بمعنى آخر هو تضافر جهود أطراف متعددة لأجل بلوغ هدف واحد منشود.

وليس غرضنا في هذا السياق هو مناقشة دعوى برنارد لويس، التي لا تخلو من تحامل واضح على الثقافة العربية والإسلامية؛ لكن غرضنا هو التنبيه إلى وجود أسئلة ذات صلة بالعلاقة بين الموسيقى والحداثة. فالراجح عندنا هو أن هذه الأسئلة لم تحظ بما يكفي من الاهتمام. فبقدر ما استفاض المفكرون والباحثون بالعالم العربي في دراسة الفكر الفلسفي الحديث بغرض تحديد أوجه التفاعل معه، بقدر ما اقتصدوا في دراسة هندسة الحداثة النغمية وأشكال التفاعل مع هذه الهندسة.

وعند التأمل يلوح لنا أن الحداثة ليست خطابا فكريا فلسفيا يروم فرض أنماط في التفكير على العالم فحسب، بل هي كذلك منظومة فنية تعنى، فضلا عن عنايتها بتنظيم العالم المرئي المنظور، بتنظيم العالم المسموع وتحديد أشكال التعبير الموسيقي بغرض استيعاب وتوجيه عاطفة الإنسان الحديث.

ويذكرنا الباحث آنسِلم ياب (Anselm Jappe) في كتابه الشيق والعميق عن “المجتمع الذي يلتهم ذاته: الرأسمالية، والاشتطاط والتدمير الذاتي ( La société autophage: capitalisme, démesure et autodestruction) بشيء قلما يقف عنده الدارسون، ألا وهو أن مشروع رائد الحداثة “روني ديكارت” الفكري بدأ مع كتابه “المختصر في الموسيقى” (Compendium Musicae)، الكتاب الذي نشر سنة 1618، أي لما كان ديكارت في سن الـ 22 من عمره. وقد بكَّر ديكارت في هذا الكتاب إلى وصف كيف يكون السماع وفق الإيقاع أو المقياس الموسيقي (La mesure musicale).

وإذا كان السياق لا يتسع للتفصيل في خصائص نظرية الإيقاع كما تتحدد عند ديكارت، فلا أقل من التذكير بأن المختصر في الموسيقى، لفيلسوف الحداثة، صاحب “الأنا المفكر”، هو جزء من منظومة فكرية تحديثية تروم القطع مع الحس الجماعي المصطبغ بصبغة الوعي والعاطفة الدينيين، استشرافا لعالم جديد يكون من صنع الإنسان. ولا عجب أن يعنى رواد الحداثة بسؤال الموسيقى، ذلك أن القوالب والأشكال الموسيقية تمثل الوعاء الحاضن للعاطفة.

ولقد انصرف اهتمام أصحاب التحديث في السياق الأوروبي إلى تغيير القوالب والأشكال الموسيقية قصد تحرير العاطفة الإنسانية من عوالق التراث الديني، هذا التراث الذي كان يقترن بفلسفة في التأليف والتركيب. فقد كانت الموسيقى كَنَسِيَّة بامتياز، تتألف من أنغام هي عبارة عن ترانيم تتغنى بالنص المقدس وترسخ السردية الدينية في نفوس المت14لقي. غير أن أصحاب النزعة التحديثية كانوا يعملون على إرساء دعائم فلسفة جديدة في التأليف والتركيب هي إلى التجريد الرياضي أقرب منها إلى شيء آخر.

ولا سبيل إلى إنكار ما بلغه فن الموسيقى من تطور مدهش. وقد أفضى العمل بفلسفة التركيب والتأليف الحداثيين إلى أن أصبحت صناعة الموسيقى من أكبر الصناعات انتعاشا وذرا للأموال. غير أن وفرة الإنتاج الموسيقي أدخلت الإنسان عالما تفقد فيه حاسة السمع كل نقاط الاسترشاد، حتى صار من المستساغ لدى الأجيال الجديدة التلذذ بألحان تكنولوجية خالصة، هي، من وجهة نظر الأجيال القديمة، تجسيد لقمة الاغتراب في الطبيعة والكون.

ولا جدال في أن فن الموسيقى بلغ القمة في استجلاب الحسن المبثوث في عالم الأصوات؛ غير أنه لا جدال كذلك في أن صناعة الموسيقى بلغت المنتهى في تلويث عالم السمع. وعليه فنحن، في العالم العربي خصوصا، في أمسّ الحاجة إلى وقفة تأمل قصد التفكير في علاقة الثقافة العربية والإسلامية بهندسة النغم في العالم الحديث. فما أحوجنا إلى إبراز خصوصيات هذه الثقافة في تمثل الجمال عموما، وفي تعيين أنماط التركيب وأشكال التأليف في عالم الموسيقى، أي في تعيين سبل الخروج من عالم الصمت إلى عالم الصوت.

وللحديث بقية..

*كاتب وباحث مغربي

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...