د.محمد الدكالي
أذكر أنني تابعت مع زوجتي رحمها الله أحداث محاولة الانقلاب الخطيرة في تركيا مساء يوم 15/7/2016 كالملايين من العرب والمسلمين حتى الصباح. وقبل أن يطلب الرئيس التركي من الشعب أن ينزل إلى الشوارع، والطائرات تقصف مقر البرلمان ومؤسسات الدولة، والدبابات تقتل الناس في الشوارع، اتصلت بصديق عربي له اطلاع كبير على الأوضاع في تركيا وسألته عن رأيه في ما كان يجري، فأجابني برأي لم أتوقعه. قال لي هذا الصديق ” أنا الآن في ميدان “تقسيم” وقوات الشرطة تملأ الميدان.. كل شيء يتوقف الآن على موقف الشعب التركي”. عندها قفز إلى ذهني فورا بعد هذه المكالمة حوار مع سائق تاكسي شاب في إسطنبول قبل الانقلاب، عندما سألته عن رأيه في الرئيس إردوغان، فقال لي “أنا لا أتفق معه بشكل عام لكننا لن نقبل عودة ديكتاتورية العسكر ولا التفريط في المكاسب التي تحققت حتى الآن”. لم تكن كل الجماهير التركية التي لبّت نداء رئيسها وسقوط 265 شهيدا و1440 جريحا من المدنيين تنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، بل من كافة الشعب، وهذا له دلالاته.
يأتي المشهد الثاني ذي الدلالات أيضا وهو نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. طبعا هو تتويج باهر للتجربة السياسية للحزب الإسلامي(1) التركي. فأين تكمن خصائص وعناصر القوة في هذه التجربة، مع استحضار تجارب نظيراتها في العالم العربي؟ (كل البلدان المغاربية ومصر الأردن وسوريا ولبنان والعراق والكويت).
المُؤتلف والمختلف
وقبل التطرق لما يمكن اعتباره كخصائص أهم في التجربة التركية، لا بد من الإشارة إلى بعض عناصر التشابه والاختلاف في السياقات العامة وهي متعددة لكن لعل أكثرها أهمية هي كما يلي:
• ما يجمع بين الأتراك والعرب، أواصر الدين والثقافة والذاكرة التاريخية المشتركة وهذه الأخيرة تمتد لخمسة قرون، وفي كليهما مواطنون كثيرون من أصحاب ديانات أخرى لم يتعرضوا للإبادة أو الاضطهاد.
• ظهور الدولة الحديثة لديهما كنتيجة للمرحلة الاستعمارية.
• ظهور وتطور الإيديولوجيات التغريبية كالقومية والليبرالية والاشتراكية والشيوعية بتأثيراتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
• ظاهرة الانقلابات العسكرية والتبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية للغرب.
في المقابل، هناك فروقات كبيرة في سياقات أخرى:
• ترسيخ العلمانية بصيغتها الكمالية في تركيا وهي الآن تستقطب نصف الشعب التركي كثقافة وممارسات اجتماعية وسياسية، بينما بقيت العلمانية في العالم العربي محصورة في أوساط ثقافية وسياسية ولم تتحول إلى ثقافة “شعبية”.
• في الوقت الذي وقفت فيه الدولة في تركيا موقف العداء الرسمي من الدين الإسلامي ومظاهره وبشكل عنيف في كثير من الأحيان، حرصت الأنظمة السياسية في العالم العربي على توظيف الدين بطرق مختلفة لصالحها وحافظت على مظاهر التدين الفردي، وفي نفس الوقت استمرت في رسم وتنفيذ سياسات حثيثة وغير معلنة صراحة لتجفيف منابع الدين في المجتمع لا سيما في قطاعات التربية والتعليم والإعلام والفن وفي الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.
• بالنسبة للحركات “الإسلامية” في العالم العربي، سادت لديها اتجاهات صريحة لمناهضة الدولة والعداء لها وتبني هدف إسقاطها، وصولا إلى العنف المسلح أو محاولات الانقلاب العسكري كما حصل في مراحل معينة في مصر وليبيا والسودان والسعودية وسوريا، بينما اختار الأتراك منهجية مغايرة عبر عمل طويل النفس لإعادة الاعتبار لمبادئ وقيم الهوية الأصيلة ضمن رؤية ثقافية إسلامية غير عنيفة، مع التركيز على بناء قدرات المثقفين والأطر المتخصصة العليا والأساتذة الجامعيين وخريجي الجامعات وعامة أفراد الشعب المحافظين، وابتعدوا تماما عن أي خطاب عدائي تجاه الدولة والنظام العلماني.
من الكتاب إلى الحكمة
ذكر لي صديقي الذي ذكرته آنفا أن مسؤولا تركيا كبيرا من الحزب الحاكم في تركيا قال له مرة ما معناه : ” نحن لم نقتصر على الكتاب فقط، بل ركزنا على الحكمة في فهمه وتنزيله”. هذه الطريقة في الفهم ترجمتها التجربة على مدى ستين عاما :
• فهي في أساسها اتسمت بطول النفس وتعود بداياتها السياسية لجهود البروفيسور نجم الدين أربكان وفيها تحددت وترسخت خصائصها الأساسية(2).
• لم ترفع النخب الإسلامية التركية أيا من الشعارات العاطفية مثل “تطبيق الشريعة” أو”الخلافة/الحكم الإسلامي”، بل يلاحظ أنهم ركزوا على ما يعتقدون أنها المقاصد الكبرى والأكثر أهمية بالنسبة لتركيا وللإقليم في خضم السياقات والمعطيات الواقعية في البلد وفي العالم. كما يبدو واضحا أن تقديرهم لأولويات هذه المقاصد ولتحديد وترتيب المصالح لا يعود إلى جدليات فقهية نظرية جامدة، بل عبر إدراك عميق للواقع المعقد بأدوات التخصص والاقتدار العلمي والمهني. كما تبدو القيم الأخلاقية والسياسية التي يتبناها الرئيس التركي وحزبه واضحة في الخطاب السياسي وفي المواقف وعبر عنها داخليا وخارجيا كالرحمة (حالة اللاجئين السوريين) والكرامة الإنسانية والعدل والشورى (الديموقراطية) والتعاون والتعارفية المنفتحة على العالم وإعداد القوة الاقتصادية والعسكرية.
• ما لا يعرفه الكثيرون أن أحد العوامل الهامة التي ساعدت في تسريع تحقيق النجاحات القطاعية الاستراتيجية وفي إدارة الدولة، السياسات الذكية التي اتبعها الرئيس إردوغان وحزبه عندما طالبوا بالانضمام إلى المجموعة الأوروبية ،وتحجّج الأوروبيون في رفضهم بأن تركيا لا تتوفر فيها المعايير التي توافقت عليها المجموعة الأوروبية لبناء أنظمتها في مجالات إدارة الاقتصاد والتجارة الدولية والعدالة وإنفاذ القانون وحرية العمل السياسي والنقابي وحرية الإعلام والبيئة، وغيرها من المجالات الحيوية في إدارة مصالح المجتمع والدولة. فكان أن جنّدت تركيا عددا كبيرا من الخبراء المتخصصين المتمرسين وأساتذة الجامعات المقتدرين لتأمين مساحات واسعة من هذه المعايير عبر إنتاج عديد من التشريعات والقوانين والمؤسسات المتخصصة ورسم السياسات وأنظمة العمل واستثمرت تركيا في هذا كله بدون تقتير. ولمن شاء يمكنه الاطلاع على محاضر المتابعات والاجتماعات والتقارير المشتركة التركية-الأوروبية عن هذه المرحلة الهامة في التجربة التركية “الأردوغانية”، وقد اطلعت على بعض منها في الإنترنت، كما كانت نتائجها تحظى باعتراف الخبراء الأوروبيين المكلفين بالمتابعة مع إقرارهم بنتائج الجهود العلمية والمهنية للطرف التركي. ومع هذا لم توافق الدول الأوروبية على الانضمام نتيجة للخلفيات الإيديولوجية والسياسية المعروفة، لكن الأتراك ربحوا الشيء الكثير من هذه التجربة.
• يميل المخيال الجمعي في البلدان العربية وعند الإسلاميين خاصة، إلى النظر للتجربة التركية الحالية من خلال صورة البطل/الفرد أي الرئيس رجب طيب إردوغان، وهي انعكاس للصورة التي طالما رسمتها أدبيات التنظيمات الإسلامية في العالم العربي حول “حاجة الأمة للبطل المخلّص” من نموذج أبي بكر وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي، أو في انتظار “المهدي الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا” .. بينما يشير واقع تاريخ التجربة السياسية لـ”الإسلاميين” في تركيا – منذ إعدام الرئيس عدنان مندريس سنة 1960 وحالات كثيرة من التصفيات والسجون والطرد من الوظائف بالآلاف – إلى تركيزهم على البناء المجتمعي في مختلف المجالات، وعلى المنتسبين إلى الفكرة الإسلامية بالتكوين العلمي والمهني في داخل تركيا وخارجها، ونشر المؤسسات التعليمية والوقفية المتخصصة ولهذه الأخيرة دور محوري في التجربة (3)، ومنظمات المجتمع المدني النشطة في مجالات شتى، بدون لافتات حزبية أو إيديولوجية. وكمثال واحد، مؤسسة “موسياد” التي تضم عددا كبيرا من رجال الأعمال الذين يدعمون سياسات الدولة بشكل فعال في القطاعات الاقتصادية والمجتمع المدني، ويقدر وزنها في الاقتصاد التركي بحوالي 20%، فهي مؤسسة نشأت وتطورت خارج الإطار التنظيمي للحركة الإسلامية، خلافا لما شاع عند الحركات الإسلامية في الوطن العربي، بل نشأت وتطورت كجسم طبيعي مستقل تقوده نخب اقتصادية تؤمن بالرؤية الإسلامية، ثم نسجت علاقاتها بالحزب بعد وصوله إلى الحكم بعقلانية وفي إطار القانون.
• الملاحظ كذلك أن الأتراك أدركوا أهمية الصحافة والإعلام السمعي- البصري والإلكتروني، وبالبحث العلمي في مجالات الاجتماع والسياسة المحلية والدولية وهذا ما يظهر من خلال منظومة من مراكز الدراسات والبحوث.
1. كلمة “إسلامي” (islamieste) ومنه (islamisme) متداول لكنه مصطلح غير معرّف ويستعمل للحديث عن أشكال مختلفة من التنظيمات والجماعات بينها اختلافات، وهو غير كلمة (islamique) التي تعني النسبة إلى الإسلام كدين، والأول مصطلح غربي في أصله على غرار (communiste) و (socialiste). والأولى الحديث عن التنظيمات والجماعات بأسمائها بدل هذه الصفة الملتبسة.
2. د. احمد الريسوني : “نجم الدين أربكان، المؤسس الفاتح” مقالة غير منشورة وصلتني منه في 31/5/2023
3. Faruk Bilici : Sociabilité et expression politique islamistes en Turquie. Les nouveaux vakifs. Revue française de science politique-Année1993،Volume43،Numéro3 pp. 412-434/ www.persee.fr





