بين العالمين التركي والإيراني… حد صراعات أم صراعات حدود ؟!

 

 

 

 

*د. أحمد سالم سالم

 

 

لم تكن الحدود التركية الإيرانية التي حُددت رسميًّا بشكل نهائي في المعاهدة التي وُقعت في طهران، في 1932م، مجرد خط حدودي حديث يفصل بين دولتين، بل هو بالأحرى ظل لتاريخ طويل ضارب بجذوره في أعماق تلك المنطقة الفاصلة، حتى جعلها كسد فاصل بين عالمين يتطلب اجتيازه انقلابات سياسية وإثنية وديمغرافية على كلا المجالين؛ ما جعله من أقدم الخطوط الفاصلة في التاريخ، ليس فقط من الناحية السياسية بل من نواح أخرى شتى لا يمكن حصرها إلا بدراسة تاريخ المنطقتين عبر مئات السنين.

منطقة التخوم الشرقية

كانت منطقة التخوم الشرقية لآسيا الصغرى أو ما يُعرف اليوم باسم “الأناضول” التركي، عبر التاريخ تمثل دائمًا منطقة فاصلة بين عالمين مختلفين، وكان هذا على الأرجح يمثل وقودًا متجددًا لفتيل الصراع بين الكيانات السياسية المهيمنة عليهما.
حتى قبل ظهور الإسلام كانت لتلك المنطقة خصوصية باعتبارها حدًّا فاصلاً بين العالم الأوروبي المتمثل في الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو البيزنطية، وبين عالم الشرق المتمثل في الإمبراطورية الساسانية آخر مراحل إمبراطورية فارس القديمة، قبل انهيارها التام أمام الفتوحات الإسلامية في القرن السادس الميلادي، وبمعنى أدق كانت هي الحد المركزي الفاصل بين عالمي الشرق والغرب وما صاحبهما من صراع حضاري طويل.
ومع أن الصراع بين المجالين من وراء هذه التخوم كان سمة واضحة للعالم القديم وإمبراطورياته، إلا أنه مع انطلاق العصور الوسطى وظهور الإسلام بدأت تحديات جديدة في الظهور كان لها تأثيرها الواضح على ذلك الصراع الممتد.

منذ أن حلت قوة العرب المسلمين في صدر الإسلام محل الساسانيين في فارس، إلا وكانوا قد ورثوا ذلك الشق الشرقي من ذلك الصراع الطويل بين فارس والروم، لكن مع اختلاف المكون الأيديولوجي للمسلمين الذي دفعهم لمواصلة الضغط من مناطق الثغور المختلفة في سبيل اقتحام ذلك العالم المسيحي الأرثوذكسي لتبليغ الرسالة المحمدية، حتى بدا صراعًا وجوديًّا بين أيديولوجيتين، ظل قائمًا بين مد وجزر واشتعال وخفوت لما يزيد على الأربعة قرون، إلى أن ظهرت في الشرق قوة إسلامية جديدة كان لها أن تقلب موازين هذا الصراع، هي قوة الأتراك السلاجقة، الذين كانت بدايات انطلاقهم من مواطنهم الأصلية في وسط آسيا تشبه إلى حد كبير انطلاقة العرب المسلمين من أعماق الجزيرة العربية، وكذلك أصولهم القبلية المحاربة التي عززها الإسلام.

انطلاق السلاجقة

عندما انطلق السلاجقة العظام من أواسط آسيا غربًا ليصلوا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي إلى إيران ويخلصوها من البويهيين الشيعة، ثم يدخلوا عاصمة الخلافة العباسية بغداد ويبسطوا هيمنتهم عليها، كانت آسيا الصغرى لاتزال جزءًا لا يتجزأ من العالم البيزنطي وريث العالم اليوناني بحضارته الهلينية وثقافته المسيحية الأرثوذكسية الشرقية.. لتبدأ منذ ذلك الوقت أولى جولات الصراع التركي اليوناني، بين السلاجقة المسلمين السُّنة على الهضبة الإيرانية والسهول العراقية، وبين بيزنطة المسيحية الأرثوذكسية على هضبة الأناضول وما وراءها في البلقان الشرق أوروبية..
ومع أن الصراع منذ أن بدأ كان – كما هو معروف – لصالح السلاجقة الذين سرعان ما التهموا الأرض من تحت أرجل البيزنطيين بعد معركة ملاذكرد الفاصلة عام 1071م، إلا أن دولة السلاجقة نفسها لم تستطع دمج المجالين الفارسي والأناضولي في إطار سياسي واحد؛ إذ سرعان ما انفصلت الأناضول في دولة مستقلة عن الدولة الأم سُميت بسلاجقة الروم، وهو الاسم الذي كان يرتبط تاريخيًّا بالبيزنطيين.
لتبدأ بشكل فعلي حركة التتريك والأسلمة العميقة لآسيا الصغرى، لتتحول في غضون عقود إلى تركستان أخرى، وتخرج نهائيًّا من فلك العالم الأوروبي إلى عالم الشرق المختلف تمامًا بأصوله ومكوناته.

قوة المغول

ومع أن الدولة التركية الجديدة ظلت تزحف غربًا على حساب الوجود البيزنطي لنحو قرنين آخرين، إلا أن ظهور قوة جديدة احتلت الهضبة الإيرانية وما حولها هدد من جديد التخوم الشرقية لآسيا الصغرى، هي قوة المغول التي أسست هناك الدولة الإلخانية وهيمنت بظلها في النهاية على الأناضول حيث دولة سلاجقة الروم التي دخلت في طور الاحتضار، وبدأت تستقل أطرافها مكونة إمارات تركمانية في ظل الهيمنة المغولية، لكن مع ذلك لم يتغلغل المكون المغولي في الأناضول عكس السلاجقة من قبل، بل كان مجرد وجود سياسي عابر ما لبث أن زال بزوال المد المغولي.

لذا عندما بدأت قوة الإلخانيين في التراجع في إيران والعراق، نشأ فراغ سياسي كبير في الأناضول ولد صراعات على السيادة بين تلك الإمارات التركمانية، حتى بدأت الإمارة العثمانية في أقصى الغرب تملأ هذا الفراغ تباعًا، حتى صار من الواضح في عهد حاكمها بايزيد الأول (حكم: 1389-1402م) أنها هي التي ستملأ ذلك الفراغ الكبير الحادث منذ نحو قرن، لكن ما لبثت أن ظهرت قوة جديدة من الشرق أمسكت من جديد بزمام العالم الفارسي هي قوة المغول التيموريين.

في الوقت الذي كان فيه بايزيد على وشك ملء الفراغ السلطوي السابق لينطلق بقوة نحو الغرب كقوة فتح إسلامي جديدة، خاصة وأنه أوشك على إسقاط القسطنطينية بعد حصار طويل، انقض تيمورلنك لينتزع منه السلطة بعد مركة أنقرة الفاصلة عام 1402م، ويملأ هو الفراغ كوريث للقوة الإلخانية المضمحلة، لكنه كان مثل سابقيه من المغول لم يستطع البقاء بسلطته في الأناضول طويلاً، وبعد نحو نصف قرن آخر، أي أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، كانت قوة التيموريين قد اضمحلت تمامًا في الوقت الذي صعد فيه العثمانيون من جديد ليبتلعوا ما تبقى من بيزنطة ويسقطوها إلى الأبد مع عاصمتها القسطنطينية في 1453م، وليبدأ بعدها سلطانهم محمد الثاني (الفاتح) في تصفية الكيانات المنافسة في المنطقة، وعلى رأسها في الأناضول إمارة قرمان التركمانية وريثة العاصمة السلجوقية قونية..

وها هنا تظهر مرة أخرى قوة شرقية لتهدد العثمانيين في أوج انتصاراتهم، تمثلت في اتحاد قبائل آقيونلو وزعيمها “أوزون حسن” الذي استطاع منذ عام 1467م بسط سلطانه على أذربيجان والعراق وفارس وقرمان وما وراءها، ومده إلى الأراضي التيمورية الأبعد ناحية الشرق، مما أدى إلى تغيير جذري في ميزان القوى في شرق الأناضول، حتى إذا قتل آخر الحكام التيموريين أبي سعيد عام 1469م، صار رسميًّا سيدًا لإمبراطورية واسعة تشمل معظم إيران الحديثة والعراق وجزءًا كبيرًا من شرق الأناضول، وتصبح دولته هي المنافس الأكبر في الشرق لمحمد الفاتح وإمبراطوريته الصاعدة في غرب الأناضول والبلقان، وبالطبع مَثَّل هذا الأمر عائقا كبيرًا لفتوحاته الجارية آنذاك في أوروبا وما حولها، وهو ما استغله أوزون حسن بتحالفه مع البندقية التي دخلت آنذاك حربًا واسعة النطاق ضد العثمانيين، وقد كان هذا التحالف الذي وضع العثمانيين بين شقي الرحا دافعًا حاسمًا للسلطان محمد للقضاء على أوزون حسن ودولته قبل أي شيء.

معركة باشكنت

وبعد سجالات طويلة بين القوتين استطاع الفاتح أخيرًا إزاحة أوزون حسن عن المشهد بعد دحره في معركة باشكنت عام 1473م التي كانت بداية النهاية لإمبراطورية “البالون” التي كونها على عجل.. لكن بعد ربع قرن آخر ما لبثت قوة “الصفويين” في الظهور لترث تركة الآقيونلو المضمحلة تقريبًا، ليدخل هذه المرة الصراع الفارسي – الأناضولي، الشرقي – الشرقي، منحنًا آخر ويلبث ثوبًا جديدًا ليصير صراعًا شيعيًّا سنيًّا، ويمتد بين مد وجزر طوال قرون العصر الحديث، مع أنه في الأصل يعتبر امتدادًا لذلك الصراع السياسي الطويل بين هذين المجالين أو بالأحرى العالمين.

وعليه فإن الصراع الصفوي العثماني لم يكن سوى آخر حلقات هذا الصراع.. فهل كان الوجود الصفوي في إيران هو بعينه الذي مثل شوكة في ظهر العثمانيين عندما ولوا وجههم شطر أوروبا فاتحين – رغم اختلافه الأيديولوجي الواضح وصيته التاريخي المترتب على تأثيره العالمي المعاصر – أم كان الأمر برمته يرجع لذلك الصراع الممتد الذي يميل ميزان قوته تارة لصالح العالَم الفارسي ومن يحتله، وتارة لصالح القوة الأناضولية المنافسة، على اختلاف أصلهما وجنسهما ودينهما؟! هذا ما لم يأخذ حقه بعد في البحث والتدقيق.

*كاتب مصري


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics