الدكتور محمد الدكالي
قبل سنوات عشر طرحت السؤال التالي على د. أحمد الريسوني: ما هي درجة الوجوب الشرعي لقول الله عز وجل “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة” مقارنة بدرجة الوجوب لقوله سبحانه “وتعاونوا على البر والتقوى”، فأجابني: هما على نفس درجة الوجوب الشرعي. جاء هذا الجواب مطابقا لما وقر في عقلي.
مفهوم التعاون ورد في القرآن الكريم بصيغ عديدة، وفي الحديث والسيرة، فهو مفهوم أساسي في المنهجية الإسلامية. المصالح مراتب تتدرج من المهم إلى الأهم وصولا إلى المصالح الاستراتيجية الأعلى، والمفاسد كذلك. كل المؤشرات تدل على أن هناك فرقا كبيرا في الوعي والممارسة بين شيوع التدين الفردي وابرزه الصلاة، والتدين الجماعي وابرزه التعاون، وسيبقى المجتمع (أي الذين آمنوا)، هو مناط التكليف في جلب المصالح له ودرء اضدادها فيه. وسواء تعلق الامر بالمجتمع الواحد أو بالامة، فمن المستحيل جلب المصالح، خاصة الكبيرة منها والاستراتيجية ومعالجة المشكلات إذا غاب التعاون.. في جميع الحالات، هجر هذه الفريضة يفضي تلقائيا إلى تعميق واستدامة حالة الانحطاط ولعل أسوأ نتائجه تفويت وهدر مصالح لا تحصى وهذا ما يغفل عنه الكثيرون.
نحو بناء فقه التعاون
لا مزيد على ما ورد في الوحي حول وجوب فريضة التعبد الجماعي هذه، لكن فقه إعادة إحياءها في العقول وتنزيلها في الواقع هو الذي يحتاج إلى جهود مكثفة، وفيه مجالان:
أولا إعادة الاعتبار لفقه وثقافة التعاون في القلوب والعقول والسلوكيات وتخليصه من تأثيرات التعصب الحزبي والايديولوجي وقد تفاحشا حتى طغيا فتراجعت بسببه الأولوية المطلقة للنص القرآني الآمر الموجب للتعاون، لصالح الانغلاق الحزبي أو المذهبي، تحت تبريرات متهافتة ما أنزل الله بها من سلطان. الامر يتطلب توبة حقيقية.
ثانيهما بناء القدرات الخاصة بمنهجيات وأدوات بناء التعاون على أوسع النطاقات الممكنة، فقد صار علما وثقافة وفنّاً، وهذا متاح تماما لمن أراد.
فرص الكسب الانساني
من الصعب على المنغلق ثقافيا وعلميا أن يدرك المديات الهائلة التي وصل إليها علم وثقافة وممارسات مفهوم التعاون لدى الشعوب المتقدمة في مجالات البناء الحضري للمجتمعات.
ربما لا يعرف كثيرون منا أن مفهوم التعاون قد صار علما متخصصا يدرّس في الجامعات وتمنح الشهادات الاعلى فيه، ومؤسسات ومنظمات متخصصة في بناء القدرات والتدريب في هذا المجال.
لا يوجد مجال كيفما كان نوعه لا تمارس فيه تلك الشعوب أصنافا من التعاون، لهم فيها سبق منقطع النظير، بين مؤسسات ومنظمات غير حكومية ودولية وبين مراكز البحوث والجامعات، دخلت منذ عقود في تحالفات وشراكات وشبكات واسعة النطاق، في مجالات البحث العلمي والثقافة والتربية والتعليم والشباب والمرأة والطفولة والحقوق والعلوم الانسانية والحريات والبيئة ومناهضة العنصرية ومناهضة العولمة المتوحشة ومحاربة الفقر وهلم جرا.. لقد وصلت ثقافة وممارسات التعاون لتشمل أدق المجالات في كل هذا وغيره. هذه حقائق موجودة فعلا على الارض. أكثر من هذا، فما من مجال في كل هذا إلا وقد تطورت فيه المنهجيات والادوات بحثا وتحليلا، وفي الممارسات والتجارب والادبيات الفكرية والعلمية والتطبيقية. تعاون عجيب يستفيد منه الجميع ولا خاسر فيه، ولا أحد يسأل أحدًا عن دينه أو معتقده. هي مكتسبات غنية جدا وهي متاحة تماما لمن أراد أن يستفيد منها.
وتبقى قاعدة “التعارفية” العظيمة، بين الناس كل الناس، حجة علينا. هذا ورش ضخم للعمل، فهل من مستجيب؟
والحمد لله رب العالمين.





