في مُصادرَة العقل والجسد وروح المبادرة في مجتمع القبائل الإدارية..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

أنجح المؤسسات؛ هي تلك التي تعرف تركيبًا في العقول والانتماء؛ وإذا أردت أن تشل عمل مؤسسة ما؛ أو قضية ما؛ أو موضوعًا ما؛ يكفي أن تسلط عليه الاختصاص الضيق.

في هذا الصدد نستحضر إحدى الطرائف؛ حيث يحكى أنه في اجتماع لإحدى المجالس الذي كان يترأسه زعيم إحدى القبائل الإدارية المستبدين من الذين عاثوا الفساد في الأرض؛ كان طُرِح سؤالًا غريبًا على الإدارة من طرف أحد المواطنين يسأل عن عدد أسنان البغال والحمير..!؟
فانعقد اجتماع طارئ لهذه الغاية؛ لمناقشة السؤال المطروح والتداول فيه. لكن أعضاء المجلس اختلفوا حول العدد الحقيقي لأسنان البَغْل والحمار؛ بحيث هناك من قال أن عددها يساوي عدد أسنان الحمار؛ وقسم آخر قال أن عددها شبيه بعدد أسنان الحِصان؛ وآخرون ذهبوا بعيدًا في التحليل إلى قياسها على عدد أسنان أَتَان (أنثى الحمار)…
حينها تدخل الزعيم وأخذ الكلمة ليحسم النقاش؛ ويفصل في الموضوع؛ فأخرج صحيفة من الدولاب؛ فقال لهم أن عدد أسنان البغل تعادل أسنان الحمار؛ وعددها: 13..!
لكن؛ كان فيه واحد ممن رزقه اللَّهَ رجاحة عقلٍ سَلِيمٍ؛ قد عقَّبَ على قول الزعيم؛ فاقترح؛ وقال أن الأمر سهل؛ يكفي يؤتى برأس بغل وحمار ونحسب أسنانهما وانتهى الأمر.
غير أن أحد الدُّهاة الماكرين الذي كان يجلس إلى جانب الزعيم؛ تدخل ورد عليه قائلًا: «يبدو أنك تشكك في قدرات الزعيم المعرفية وكفاءته العلمية؛ أو لا تتق في كلام الزعيم..!»
خاف المتنور من إنزال العقاب عليه والانتقام منه والبطش به؛ وقدَّر صور التنكيل التي يمكن أن تلحق به؛ ومن أن يجد نفسه من المبعدين والمهمشين؛ فتراجع عن فكرته؛ فصفق مع الحضور؛ ودخل في صفوف القطيع؛ وانحنى؛ ورفع إصبعه مصوتًا؛ فاتخذ القرار بالإجماع.

وهذا معناه أن القرار اتخذ بحد السيف؛ أمَّا الإجماع؛ فلم يتحقق حتى على عهد الأنبياء والرسل..!
وبقي السؤال مطروحًا: كيف نتخلص من هذه العقليات في صفوف القبائل الإدارية التي لا تقبل الحوار والنقد؛ وغير قادرة على الامتداد والاستنبات؛ وهذه الثقافة والجهاز المعرفي والإطار العام؛ الذي خلفته الذي يختزل العقل في: «لا تجادل يا علي»..!؟

وصل الانسان بعلمه إلى عدة أنواع من الهندسة؛ حيث نجد: الهندسة الانشائية؛ الهندسة العسكرية؛ الهندسة المدنية والهندسة؛ البيئية؛ الهندسة الكهربائية؛ الهندسة المعمارية؛ الهندسة الصناعية والإدارة الهندسية؛ هندسة الطاقة المستدامة والمتجددة؛ الهندسة الميكانيكية والهندسة النووية؛ هندسة الطيران والفضاء؛ الهندسة المعمارية؛ الهندسة الطبية؛ الهندسة الكيميائية؛ هندسة الحاسبات؛ هندسة القوى الكهربية؛ هندسة الالكترونيات والاتصالات الكهربية؛ هندسة الرياضيات والفيزيقا الهندسية؛ هندسة الرى والهيدروليك؛ هندسة التصميم الميكانيكى والإنتاج؛ هندسة القوى الميكانيكية؛ هندسة الجيولوجيا والتعدين؛ هندسة البترول؛ هندسة الفلزات؛ هندسة الأشغال العامة.
وهذه الأنواع من الهندسات؛ تتطلب عقلًا تقنيًا مثل الآلة.

لكن أصعب وأخطر أنواع الهندسات هي أربعة عناصر:
1. الهندسة الاجتماعية؛
2. الهندسة السياسية؛
3. هندسة الانتخابات؛
4. والهندسة المجالية.

ويوهم العقل التقني؛ أنه يستطيع الإلمام بهندسة هذه العناصر الأربعة؛ إذا لم يستعن بدراسة علم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ والجغرافيا؛ وفي غياب هذا الإلمام يبقى عقلاً تقنيًا لا غير؛ غير قادر على الحوار ولا يستطيع الامتداد ولا يقوى على الاستنبات.
وقد لخصها المفكر الاستراتيجي الكبير؛ الدكتور محمد خمسي في قوله: «كبرى القضايا تجد الإجابة فيها في مناطق التماس؛ أي المنطقة
المشتركة هي التي يتدخل فيها: رجل التعليم؛ ورجل الصناعة؛ ورجل الفلسفة؛ ورجل الثقافة؛ ورجل السياسة؛ ورجل العلم؛ (…) ولا توجد الآن أنجح المؤسسات؛ إلا المؤسسات التي تعرف التركيب في العقول والإنتماء.»

* والخلاصة:
وإذا أردت أن تشل مؤسسة ما؛ أو قضية ما؛ أو موضوعًا ما؛ يكفي أن تسلط عليه الاختصاص الضيق. فإنه سينظر إليه من زاوية، سيكون فيها متحيزًا ومأسورًا بأدوات التفكير التقنية الضيقة وكذا خلفياته الأيديولوجية والتاريخية.
______
*– مقتطف من كتاب: «الفعل الإداري المغربي -دراسة في عقلية الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» للكاتب والمفكر المغربي الدكتور عبد الله شنفار

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...