محمد الدكالي
ما يحصل الآن في الغرب من تحولات في مواقف أوساط الرأي العام الداخلي في أمريكا وأوروبا تجاه ما يجري في غزة، هي ظاهرة لم يسبق لها مثيل وتتجاوز بكثير في حجمها وعنفوانها ردود فعل الرأي العام في الغرب أثناء التحضير لغزو العراق وخلاله وبعده، وهو ما تعكسه المظاهرات الكبيرة التي تواصلت لعدة أشهر في العواصم والمدن الغربية.
ما يحدث الآن في الولايات المتحدة بشكل خاص من حراك شعبي ضخم ومتواصل، بما فيه حراك قطاع مؤثر من اليهود الأمريكيين، في المدن وأمام البيت الأبيض والكونغرس ضد سياسات الإدارة الأمريكية وضد جرائم الكيان العنصري الفاشي في غزة، كل هذا أظهر جملة من المعطيات المفاجأة التي لم يتوقعها أحد:
– أن الفطرة الإنسانية ما تزال بخير في الغرب وفي العالم، باستجابة الناس العفوية واسعة النطاق لنوازع رفض الظلم ونصرة الحق كمبادئ أخلاقية عليا تتجاوز الأديان والإيديولوجيات والأعراق. هذه الحقيقة تبين لنا إلى أي حد يتعين علينا نحن العرب والمسلمين أن نعيد النظر في نظرتنا للناس في العالم.
– تشكلت تلقائيا وبسرعة كبيرة، مجموعات عمل لا حصر لها لتشكيل مواقع تدعو للنصرة والضغط على أصحاب القرار، وهذا ما يعرف في الأدبيات الحقوقية والإنسانية الغربية بـمصطلح (Advocacy & Lobbying)، بواسطة التحشيد الفعال للتظاهر والعرائض وأشكال أخرى من آليات الضغط وبناء الوعي بما يجري في غزة والضفة.
– تتسم هذه الحركات بدرجات عالية من التنظيم والمهنية والفاعلية بحكم ارتفاع مستويات التعليم والوعي وانخراط أعداد لا تحصى من ذوي الكفاءات والتخصصات المختلفة في تنظيم هذه المجموعات وإدارة أنشطتها عبر وسائط الاتصال الاجتماعي وكافة الوسائط الإعلامية المتاحة، بفعالية مدهشة تجاوزت القوة الكاسحة للمنظومات الإعلامية العولمية الموالية لإسرائيل في الغرب، وكل هذا الحراك الهائل يتم من باب التطوع بالنفس والمال والوقت.
– مع تعدد الشعارات والمطالب والمناشدات التي تتم صياغتها بذكاء وموضوعية ومنطقية، أي باللغة والمفاهيم التي تستوعبها الثقافة الاجتماعية في المجتمعات الغربية، يلاحظ أن قضية غزة التي أصبحت رمزا إنسانيا وأخلاقيا حقيقيا، تكثف تماما، في مدركات قطاعات واسعة من الناس، قضية فلسطين بكل أبعادها التاريخية والسياسية والإنسانية، وهو ما يعكسه شعار”Free Free Palestine” الذي يرفع في كل مكان.
لكن هناك بعدان آخران بدءا يظهران في وعي الرأي العام الغربي والأمريكي بشكل خاص لا سابق لهما:
– إدراك الحقيقة القائلة بأن الولايات المتحدة، كمؤسسات رسمية وكقوة مالية واقتصادية وسياسية وعسكرية عالمية، قد اختطفت من قبل المنظمات واللوبي الصهيونيين وسخراها وما يزالان لخدمة السياسات الصهيونية وإسرائيل، وبالضرائب التي يدفعها الأمريكيون، ضدا عن المصالح الوطنية الحقيقية للولايات المتحدة وبأشكال تلحق الأذى الشنيع بصورتها وبصورة الأمريكيين، ونفس الشيء ينطبق على البلدان الأوروبية. هذا الإدراك المتزايد الذي ينتشر بسرعة هو شيء جديد تماما.
– إدراك مدى تغلغل وسيطرة اليهود في كافة مؤسسات الدولة من الكونغرس ومجلس الشيوخ وتأثيرهم القوي في الانتخابات وسيطرتهم على المؤسسات الاتحادية الأكثر حساسية كوزارة الخزانة الأمريكي والاحتياطي الفيديرالي وهما مؤسسان لا تخضعان لسلطة الحكومة الأمريكية، وسيطرتهم على مواقع القرار في معظم الإدارات العليا التي يشكل فيها اليهود نسبة عالية، كوزارة الخارجية والأمن القومي والأمن السيبراني والداخلية ووزارة التجارة وسيطرتهم على قطاع البنوك وعلى كبريات محطات الإعلام السمعي البصري والصحف والمجلات وتغلغلهم في الجامعات الكبيرة ومراكز الأبحاث والدراسات.. وكيف يتم تسخير كافة هذه المواقع لخدمة الحركة الصهيونية وإسرائيل.
هذا البعد الأخير ليس جديدا، فهناك كثيرون في المؤسسات الرسمية الأمريكية والأوروبية وفي الأوساط العلمية والبحثية والإعلامية يدركون تماما حجم السيطرة الصهيونية، لكن الخوف من جبروت المنظومة الصهيونية يلجمهم إلا قليلا منهم. الأهم في انتشار هذا الوعي في الغرب أنه ضربة كبيرة لما بذلته الصهيونية خلال عقود طويلة من أموال طائلة وما بنته من منظومات سياسية وإعلامية قوية جدا لغسل دماغ الرأي العام الأمريكي والأوروبي والعالمي حول قضية فلسطين. هي صورة تتصدع الآن بشكل متزايد وعميق، وكل ما روجته تلك المنظومات من كذب وخداع وتزوير وتشويه للحقائق حول قضية فلسطين، يتبخر الآن، ومنطقيا لن يقتنع الرأي العام في الغرب وفي العالم مرة أخرى بسرديات وأكاذيب الدعاية الصهيونية.
نحن الآن أمام تحولات جذرية حقيقية وصلت إلى عمق النظام الأمريكي فضلا عن الرأي العام، عبر مواقف قوية جدا غير معهودة رافضة للسياسات الأمريكية، يعبر عنها بعضهم باستقالات رسمية، ووصلت هذه التحولات إلى أوساط الفلاسفة والمثقفين والفنانين وإلى الأجيال الشابة. إن بقاءنا كعرب ومسلمين متفرجين أمام هذه التحولات العميقة دون مد جسور التعارفية والتحالف “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” التي وجهنا إليها الوحي الإلهي مع الشعوب عامة ومع الذين يأمرون الناس بالقسط خاصة، وهم لا يُحصون، بالعمل المهني المنظم، لن يكون إلا في صالح جبهة الشر والشيطان.





