لماذا مالي (2)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

محمد الدكالي
خبير في الشؤون الأفريقية

 

استعرضت المقالة السابقة رؤية عامة لخلفيات وسياقات ظهور الجماعات الانفصالية و”الجهادية” في بلدان الساحل وعموم الحزام الإسلامي بين معطيات الذات والتدخلات الخارجية. في جميع الحالات، يجب أن نتوقف عن النظر إلى هذه البلدان كمناطق متخلفة وبعيدة لا صلة لنا بها، فهذه النظرة متأثرة من حيث ندري أو لا ندري، بالرؤية العنصرية الاستعلائية الغربية. الحقيقة مختلفة جذريا إلى الحد الذي يجب أن ندرك معه أن مساحة كبيرة من مستقبل ثلاثة أرباع العالم العربي، إنما يسكن في الحزام الإسلامي العظيم، بمنطق تاريخ الحضارة الإسلامية العربية-الأفريقية، والجغرافيا الطبيعية والبشرية، وأواصر الدين والثقافة واللغة العربية، ومصالح استراتيجية كبرى، والموارد والممكنات الهائلة وهي من كل نوع، وأيضا للمخاطر الجسيمة التي تمثلها سياسات القوى الإمبريالية على الجميع، فالعلاقات المستقبلية مع هذا الحزام أكبر وأهم بكثير من علاقاتنا بالضفة الشمالية للبحر المتوسط أو بما وراء الأطلسي عندما نحاول تصور المستقبل بعد خمسين أو مائة سنة، فأعمار الأمم ليست كأعمار الأفراد.
لماذا مالي؟ هذا يعود لعدة اعتبارات : لأنه البلد الذي تتكثف فيه كل الخلفيات والظاهرات والعوامل الداخلية والخارجية المذكورة في المقالة الأولى بتأثيراتها التي نشاهدها في البلد . الثاني لأنه بلد ظهرت فيه تحولات ثقافية-اجتماعية ثم سياسية في اتجاه التحرر من الهيمنة الخارجية وبناء الذات، تتسم بالرشد والواقعية، وهذه ظاهرة عامة في بلدان الحزام الإسلامي وهي في مالي أكثر نضجا لأسباب سيأتي توضيحها، وهذا ما لاتعتبره القوى الدولية الطامعة شيئا جيدا. ثالثا، لأن موقع مالي داخل المجال جيوسياسي لإقليم الساحل وما تعتمل فيه من تحولات، يجعله قابلا للتأثير في محيطه أكثر من أي بلد آخر في الإقليم. إذا:
• ما هي طبيعة هذه التحولات البارزة التي عرفها مالي خلال سبعين عاما منذ الاستقلال؟ ما هي جذورها والعوامل التي أدّت إلى ظهورها وتطورها؟
• كيف أثرت هذه التحولات في مواقف واتجاهات الصفوات الدينية والثقافية والسياسية تجاه القضايا والمشكلات الكبيرة في البلد وصولا إلى تشكّل تيار عام يطرح رؤية وطنية جامعة حول هذه القضايا وله قدرة على الفعل والتأثير؟
• كيف تنظر الدوائر الإمبريالية إلى مالي ولماذا تركز في المرحلة الحالية على هذا البلد أكثر من باقي بلدان الساحل والحزام الإسلامي؟
• ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا؟
ما هي هذه التحولات الكبرى؟
هما نوعان رئيسيان: ثقافية-اجتماعية وسياسية. المقصود بالثقافة الاجتماعية هنا، منظومة القيم والمعايير التي يتبناها المجتمع والتي تشكّل في مجملها الهوية الجامعة للذّات المجتمعية، وللكيفيات التي ينظر بها ويعبر عنها المجتمع تجاه قضاياه وحقوقه ومصالحه، وطريقة استجابته للتحديات التي يواجهها من هذه القيم والمعايير السائدة. أما التحولات السياسية، فهي نتائج تأثيرات التحولات في الثقافة الاجتماعية التي تعكسها مواقف وطروحات النخب السياسية في مالي حول التوجهات والاختيارات الكبرى لتدبير الحياة السياسية في خضم المشكلات الكبيرة التي يعرفها البلد.
أهم تعبيرات التحولات الاجتماعية-الثقافية عنوانان: ظاهرة التوسع الكبير للتعليم العربي-الإسلامي، كاستجابة مجتمعية للمخاطر التي يمثلها التعليم الفرنكوفوني، وبشكل مضمر النظام السياسي العلماني، على ما تعتبره فئات عريضة من العلماء والمثقفين والأطر العليا، الهوية الأصيلة للمجتمع، ولعجز الأنظمة السياسية المتعاقبة سواء منها المدنية أو العسكرية عن معالجة المشكلات الكبيرة في التنمية، ومخاطر الاجندات الانفصالية، والتعامل مع الجماعات “الجهادية”.
بشكل عام ما تزال الثقافة الاجتماعية السائدة في مالي وفي عموم بلدان الساحل والحزام الإسلامي، محكومة من جهة، بعامل الانتماء القبلي كظاهرة طبيعية، بما تعنيه من معاني وشائج القربى والعادات والأعراف، وفي نفس الوقت يهيكل الإسلام منذ قرون، بالمعنى الأنثروبولوجي، مجمل مظاهر الحياة في المجتمعات القبلية، كقيم وممارسات بنسخة “الإسلام الأسود” (أي الأفريقي) حسب تعبير الخبير الضليع فانسان مونتاي (Vincent Monteil) رحمه الله.
ومع استمرار قدر كبير من الثبات في عامل الانتماء القبلي، حدث تطور عميق في اتجاهات الثقافة الإسلامية لدى الصفوات المجتمعية الثقافية والدينية، فقد انتقلت هذه الثقافة الدينية، ومن ثمة السياسية لدى هذه الصفوات، من مضامينها وتشكلاتها القديمة الموروثة، وهي التي كان لها الدور الأبرز في المقاومات الثقافية والجهادية في المرحلة الاستعمارية، إلى ثقافة دينية وسياسية ذات طابع يمكن وصفه بأنه تجديدي بشكل ما، ليس بالإغراق في التنظير أو بالحدية في النظر والمواقف كما هو سائد لدى الاتجاهات الإسلامية في البلدان العربية ولكن، ولعل هذا هو سمتها البارزة، أنها تتموقع في قلب مشكلات البلد، وتتعامل مع التحديات بمنطق ومقاربات المعالجات بمرجعية القيم والمقاصد الكبرى للإسلام، وبكسب التجارب الإنسانية النافعة. هذه قراءتي بشكل عام للمشهد الثقافي والسياسي في مالي، كمشاهدات واطلاع ومتابعات منذ التسعينيات الماضية.
خصائص الحالة الثقافية الإسلامية في مالي
مرة أخرى، يتعلق الأمر بظاهرة عامة مشتركة في كل بلدان الساحل وعموم الحزام الإسلامي، من حيث الخلفيات التاريخية الحضارية والثقافية والاجتماعية العميقة، مع التسليم بوجود تفاوتات وتنوّعات في التمظهرات والتفاصيل.
لا يمكن فهم الحالة الثقافية الأكثر بروزا وانتشارا في مالي خارج الخلفيات التاريخية والحضارية الأعمق، فالتاريخ الإسلامي المميز لهذا البلد، يشكل رافدا رئيسيا للحضارة الإسلامية الأفريقية التي تأسست تدريجيا منذ بدايات دخول الإسلام إلى القارة من شرقها من جهة السودان وسواحل شرق أفريقيا ومن البلدان المغاربية شمالا، فهي امتدادا طبيعي للحضارة الإسلامية ككل. في مالي ظهرت كبرى الممالك الإسلامية الأفريقية في العصر الوسيط: مملكة غانه (لا علاقة لها بجمهورية غانا الحالية) بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلادي التي امتدت بين مالي وموريتانيا حاليا. مملكة مالي (1230م إلى نهايات القرن الرابع عشر ميلادي) امتدت هي الأخرى من مالي إلى ضفاف الأطلسي في السينغال وغينيا، واشتهرت مثل سابقتها بغناها الكبير من الذهب والتجارة، كما اشتهرت بملكيها العظيمين، المؤسس سوندياتا كيتا (1217-1255) ومن بعده موسى مَنْسا (1312- 1337) اللذين اشتهرا بالعدل والتديّن وكلاهما حجّ إلى مكة، والمؤرخون القدامى يذكرون كيف هوت أسعار الذهب في القاهرة التي مرّا بها لكثرة الذهب الذي أنفقاه على الأوقاف والفقراء في مصر وفي مكة والمدينة. مملكة صونغاي وهو اسم إحدى القبائل الكبيرة في مالي (1464-1591)، وكانت نهايتها على يد الملك أحمد المنصور السعدي الذي غزاها ودمر عاصمتها تيمبوكتو، وهو الملقب بالذهبي لكثرة الذهب الذي نهبه من مالي والأعداد الكبيرة من العبيد الذين استرقّهم.
هو تاريخ غني في العلم والدعوة والتنظيم الاجتماعي والإداري والعسكري، أعلامهم كُثْر ومن أشهرهم الفقيه والمؤرخ أحمد بابا التّنبكتي (1556-1627) الذي درّس في جامع الكتبية بمراكش. وفي التاريخ الحديث عرفت مالي مثل كل بلدان الساحل والحزام الإسلامي دائما، نفس ظاهرات المقاومات الجهادية والثقافية، بنفس المرجعيات وفي مرحلة تاريخية متزامنة، كتلك التي عرفتها البلدان المغاربية في نهايات القرن 19 وبدايات القرن 20، وفي هذا المجال يبرز إسم الحاج عمر تال الفوتيّ (1797-1864) كأحد أعظم قادة الجهاد في غرب أفريقيا وهو من كبار الفقهاء والشعراء الصوفيين، أسس إمارة كبيرة بين مالي والسينغال وحارب الفرنسيين 12 عاما وانتهت حياته في ظروف غير محددة.
كل هذا يعني عمقا تاريخيا وحضاريا ضارب الجذور، وهو تاريخ عام ما يزال حيا في الذاكرة الجمعية وما زال أهل مالي يتغنون به حتى الآن في فنون الإرث المحكي، وهو فن جميل جدا، يكون مرفقا في العادة بآلة “كورا” الشهيرة بإيقاعاتها التي تبهر مستمعيها عبر العالم.
هذه مجرد فكرة عامة جدا عن الخلفيات التاريخية لتَشكّل الحالة الثقافية الإسلامية المعاصرة في مالي. هذه الحالة لها رافدان وأربعة تمظهرات رئيسية. اما الرافدان فهما:
• رسوخ هوية الذّات كمعطى تاريخي-حضاري وثقافي واجتماعي، لم تفلح السياسات الاستعمارية في طمسها رغم محاولاتها الشرسة ورغم سياسات العزل وقطع الأواصر، فقد بقيت القيادات الدينية والمجتمعية منخرطة ومهتمة أيما اهتمام بالحفاظ على هويتها الأصيلة كامتداد طبيعي خلال المرحلة الاستعمارية وما بعدها.
• تأثيرات ما عرف في العالم العربي بالصحوة الإسلامية، عبر اهتمام الصفوات العلمائية والمثقفة في مالي، وفي غيرها من بلدان الحزام الإسلامي، بأدبياتها وبتطور تجاربها في العالم العربي، وعبر آلاف من الطلبة الذين تابعوا دراساتهم في جامعات البلدان المغاربية ومصر ودول الخليج وسوريا ولبنان، فكان لكل هذا تاثيرات واضحة في تطور الثقافة الإسلامية المعاصرة في مالي. تجب الإشارة هنا إلى تأثيرات كتب عدد من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر مثل الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، وستأتي كتب ومحاضرات د. طارق رمضان المفكر المسلم الأوروبي، لتساهم في إحداث نقلات مهمة في تشكّل توجهات الفكر الإسلامي المعاصر هناك، وقد لقيت محاضراته التي ألقاها في السينغال وساحل العاج وجنوب أفريقيا رواجا واسعا في بلدان الساحل.

أما التمظهرات فهي كما يلي:
• ظهور صفوة علمائية جمعت بين الثقافة الشرعية بأصولها الموروثة، وثقافة فكرية معاصرة ووعي سياسي بمفردات العصر، وما هو أهم، انخراط هذه الصفوة بشكل مباشر في القضايا الكبيرة المرتبطة بمصالح الوطن والمجتمع، وطرحها لمقاربات ومواقف وفتاوى بانية عبر خطب الجمعة والمحاضرات والدروس وفي المظاهرات الشعبية، بخطاب ديني وسياسي سلمي وقوي.
• صفوات مثقفة من الأطر ذوي الشهادات العليا من مالي ومن الخارج، في تخصصات مختلفة من العاملين في مؤسسات الدولة وخارجها، انحازت هذه إلى القيادات العلمائية وانخرطت معها في جهود البناء الثقافي والوعي والعمل السياسيين لمواجهة الفساد والدكتاتورية وصياغة مقاربات الحلول.
• منظمات مجتمع مدني نشطة جدا أرّقت الجفون في السفارة الفرنسية، تعمل في مجالات البناء الثقافي وفي تقديم الخدمات التعليمية والصحية والطفولة وتنمية قدرات المرأة، وقد أتيحت لي الفرصة للتعرف على عدة منظمات والحوار مع مسؤوليها، ولاحظت حرص القائمين عليها على العمل وفقا للمواصفات الاحترافية المتعارف عليها، والتركيز على بناء قدرات هذه المنظمات، كما لم ألاحظ فصلا بين العمل “النسائي” و”الذكوري”، بل ينخرط الجميع في كل شيء.
• الحراك الثقافي في الجامعات خارج العناوين والتصنيفات، وهو كذلك حراك نشط جدا بمضامين المبادئ والقيم الإسلامية في مقارباتها لقضايا الوطن.
تجب الإشارة هنا إلى أن قضية فلسطين حاضرة في صلب اهتمات هذه الصفوات وفي الأوساط الشعبية وتعبر عنها في مناسبات عديدة، وهي لا تختلف في شيء عن اهتمامات الشعوب العربية والإسلامية بالقضية. بالمناسبة تحضرني هنا ذكرى شاهدتها سنة 2000 في مسجد بسيط في بلدة مادو غاشي (شمال شرق كينيا)، عندما دخلت المسجد رأيت سارية مقابلة لبابه وعليها صورة قبة الصخرة مرسومة بالفحم.
لكن أهم مظهر للتحولات الثقافية في المجتمع المالي بعد الاستقلال، ظهور وتطور ديناميكيات ثقافية-اجتماعية ترفض التوجهات العلمانية للحكومات في قطاع التعليم بالذات، وتصرّ على إعادة الاعتبار للهوية الأصيلة في النظام التعليمي الذي حرصت تلك الحكومات، بحكم التبعية الثقافية والسياسية، على التمكين للتعليم الفرنسي العلماني الذي استبعد تماما التربية الإسلامية واللغة العربية من المقررات التعليمية. وستتطور هذه الديناميكيات المجتمعية تلقائيا وبشكل متعاظم خلال السنوات الثلاثين التي أعقبت الاستقلال في مجال التربية والتعليم، لإعادة الاعتبار للتعليم العربي الإسلامي عبر تأسيس آلاف من المدارس الأهلية. وفي التسعينات، كان نصف عدد التلاميذ في المرحلة الابتدائية ونسبة مهمة من المرحلتين المتوسطة والثانوية يتابعون تعليمهم في تلك المدارس، التي جعلت من التربية الإسلامية واللغة العربية عمودها الفقري، إلى جانب المواد الأخرى ومنها الفرنسية. وستنجح تلك الديناميكيات المجتمعية في إجبار الحكومات العلمانية على الاعتراف بهذا القطاع الأهلي وإدماجه في النظام الرسمي للتربية والتعليم للدولة، وقد تكررت هذه الظاهرة في جميع بلدان الساحل وأفضت إلى نفس النتائج في تشاد والنيجر وبوركينا فاسو والسينغال وغينيا كوناكري. هنا أتذكر كذلك مقالة طويلة على صفحة كاملة في صحيفة لوموند في أوائل التسعينيات الماضية، حررها مراسل الصحيفة في مالي آنذاك ضمن سلسلة من التغطيات قامت بها الصحيفة لرصد ظاهرة ما عرف آنذاك بـ “الأصولية والتطرف” (fondamentalisme & extremism) من المغرب إلى إندونيسيا، تحسّر فيها مراسل الصحيفة على التراجعات الكبيرة للتعليم الفرنسي في مالي أمام التوسع الكبير لمدارس التعليم العربي الإسلامي، وعلى “مئات الملايين من الفرنكات (القديمة) التي أنفقتها فرنسا لدعم لغتها وتعليمها في مالي”. يمكنناأننتصور تأثيرات هذه الظاهرة على البنيات الثقافية للمجتمع في مالي على مدى جيلين.
هذه مجرد رؤوس أقلام حول هذه الظاهرة، وسنصاب بالدهشة عندما نطلع على حجم اهتمامات المراكز البحثية الغربية بهذه الظاهرة، في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، حتى في اليونان. هناك برامج بحثية غربية عديدة حول هذه الظاهرة، خاصة حول ما يتعلق بتأثيراتها المجتمعية وتنوع تشكّلاتها، وتشتغل عدد من هذه المراكز البحثية بأدوات التشبيك مع مؤسسات بحثية غربية أخرى، لدراسة أدق التفاصيل واستعمال أدوات معرفية متعددة في هذه الدراسات والبحوث لفهمها.
ملاحظات أساسية أخيرة حول الحالة الثقافية الإسلامية في بلدان الحزام الإسلامي عامة ومنها حالة مالي، وهذا جانب مهم جدا، فقد نهجت هذه الحالات مسارات وأفضت إلى مآلات تختلف عن نظيراتها في العالم العربي بخاصيتين:
• إدراك أصحابها جيدا لطبيعة التحديات التي تمثلها الفرنكوفونية بطابعها الاستئصالي الاستراتيجي، وهي غاية في القوة، فأنتجوا بدائل حقيقية ومُسعفة حسب إمكاناتهم.
• لم تتبنّ هذه النسخة أية اتجاهات تصادمية أو عنفية مع الأنظمة السياسية خلافا لعدد من نظيراتها العربية، بل اختارت الضغط المجتمعي والسياسي وطرح القوة الاقتراحية.
خصائص النموذج السياسي
كخلفيات، عرفت مالي منذ الاستقلال ثلاثة أشكال من الأنظمة السياسية، نظام رئاسي بالحزب الواحد ذي طابع دكتاتوري (موديبو كيتا (1960- 1991)، أعقبته مرحلة ديموقراطية بعد الانتفاضة الشعبية سنة 1991 ووصول نخب يسارية إلى الحكم بانتخابات نزيهة (1991-2020)، ثم النظام العسكري الحالي من 2020 إلى الآن.
من المفيد هنا التوقف بعجالة عند التجربة اليسارية في مالي منذ انتخاب ألفا عمر كوناري رئيسا سنة 1991(وكلمة ألفا في اللغة الفُلاّنية تعنى العالم أو الفقيه)، وهو حاصل على دكتوراه في التاريخ والتنقيب عن الآثار من جامعة وارسو (بولندا)، فهي تجربة متميزة فعلا. قاد عمر كوناري تحالفا يساريا يتراوح بين الشيوعية الماركسية اللينينية والاشتراكية المعتدلة وهو “التحالف من أجل الديموقراطية في مالي” (ADEMA)،للوصول إلى الحكم وقيادة البلاد، وعرض دستور جديد حاز على موافقة الشعب في استفتاء عام سنة 1992. عرفت هذه القيادات باتجاهاتها الوطنية الرافضة للهيمنة الفرنسية وعمل عمر كوناري وفريقه على بناء نظام اشتراكي بنسخة خاصة. وقد أتيحت لي الفرصة خلال زياراتي لمالي في التسعينيات الماضية، أن أطلع على جوانب مهمة من هذه التجربة اليسارية. لم يكن هناك حزب واحد بل تأكيد على الديموقراطية وقد نص الدستور على التعددية الحزبية التي كانت موجودة فعلا وتطرح برامجها وتتنافس، وعلى مبدأ الانتخاب المباشر لرئيس الدولة ولممثلي الشعب في البرلمان. وحول السياسات الحكومية، اجتهدت تلك القيادات في صياغة مقاربات جديدة لإدارة العمل الحكومي تقوم على قدر كبير من اللامركزية والتشاركية المحلية في إدارة كافة الشؤون المحلية، في التعليم والصحة ..إلخ. في الاقتصاد، تبنى النظام صيغة الاقتصاد الموجه والاقتصاد الحر في نفس الوقت، ودعم التعاونيات الزراعية. في السياسة الخارجية، تبنوا سياسة مناهضة للامبريالية والاستعمار، وأعلنوا عن دعمهم لحركات التحرر في جنوب أفريقيا وفلسطين وأنغولا وموزمبيق..
لم تفلح هذه التجربة المميزة لأكثر من سبب:
• لأن النخب اليسارية التي حكمت مالي طوال عشرين عاما، ورغم طابعها الديموقراطي، لم يفلح خطابها اليساري في استنهاض الشعب في العالمين الحضري والريفي للبناء، فقد كان ثقافة وخطابا غريبين عن الثقافة الاجتماعية للماليين وبقي محصورا في شرائح محدودة.
• لأنها واجهت عراقيل وصعوبات كبيرة جدا، أولها الحصار الخانق الذي فرضته فرنسا والدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية على مالي، إذ أوقفوا أية “مساعدات” أو استثمارات أو تقديم قروض لتمويل ودعم الاقتصاد، ودفع عمر كوناري وفريقه ثمنا غاليا عندما رفض حضور مالي في قمم “فرنسا/أفريقيا” (France-Afrique) التي كانت تعقد في بعض العواصم الأفريقية.
• انهيار الاتحاد السوفيتي وحلفاءه في أوروبا الشرقية، وبذلك انتهى المصدر الوحيد المتاح للدعم الدولي.
• شح الموارد الداخلية فقد كانت الضرائب وبعض الإيرادات من تصدير مواد خام زراعية ومعدنية تغطي جزءا محدودا من موارد الخزينة.
• اشتغال فرنسا على الملف الانفصالي في شمالي البلاد بكل تاثيراته السياسية والأمنية والاقتصادية على البلد.
لقد شاهدت تلك الأوضاع المريعة في البلد وفي المؤسسات الحكومية أثناء زياراتي. أذكر أنني زرت الرئيس السابق الكولونيل أحمدو توماني توري المشهور بلقبه الشعبي (ATT) في مزرعته الواقعة على بعد حوالي 15 كلم من باماكو سنة 1997، وكان اسمه قد لمع منذ أن دعم الانتفاضة الشعبية سنة 1991. كانت مزرعة صغيرة فيها بيت صغير بسيط جدا لا توجد فيه أية مظاهر للراحة ولا حتى مروحة، وبجانب البيت جرار قديم وبعض الأدوات الزراعية. أذكر أنه استقبلنا بلباس بسيط مغبرّ وهو يتصبب عرقا. كان مباشرا في الحوار الذي دار بيننا وركز فيه على ضرورة اهتمام المؤسسات العربية الدولية والمنظمات غير الحكومية (الخيرية) العربية بدعم جهود البناء في مالي، وأخبرني أن عددا من المنظمات غير الحكومية الغربية منخرطة في دعم التوجهات الانفصالية في أوساط الطوارق باسم المساعدات “الإنسانية”. ومع أن الزيارة لم تدم أكثر من ساعة، أحسست آنذاك أن مشاعر الإحباط كانت تعتمل في نفس الرجل بشكل واضح.
بعد هذه المرحلة، دخلت مالي في مرحلة أخرى من الدكتاتورية مع انقلاب 2020، ومع أن الانقلابيين رفعوا شعار المرحلة الانتقالية لكنهم ما زالوا يتحكمون في كل شيء منذ ست سنوات، ويبقى الطابع القمعي هو الأبرز عبر الاعتقالات والاختطاف والسجن لعدد من القيادات السياسية الوطنية المعارضة للنظام العسكري وفي مقدمتها العالم محمد ديكو (في المنفى لكنه نشط جدا)، عمر ماريكو (طبيب يوصف بأنه يساري راديكالي منفي كذلك)، مونتاغا تال (محامي وسياسي بارز اختطف مؤخرا ومصيره مجهول)، يوسف دياوارا (منظّر وسياسي مخضرم، دكتوراه في القانون العام ومؤسس لـ “تنسيقية حركات أنصار الإمام محمد ديكو” (CMAS)، اختطف مؤخرا ومصيره مجهول) وغيرهم. قيادات دينية وسياسية تحظى بمصداقية وشعبية حقيقية، تطرح مواقف ومسارات جدّية وواقعية لإخراج البلد من المأزق الكبير الذي يعيشه.
بشكل عام، يتعلق الأمر ببروز تيار سياسي إسلامي تحول إلى قوة ضغط كبيرة وأبرز قادته الإمام محمد ديكو والصفوات السياسية والمثقفة في الدرجة الأولى ومعهم زعامات سياسية من اتجاهات أخرى وصولا إلى تشكّل تيار وطني عام. لا يتعلق الأمر بإيديولوجيا مُعلّبة حزبيا، بل بتيار سياسي مجتمعي منظم يحمل مشروعا وطنيا واضحا للخلاص الوطني والنهضة، كاستجابة للتحديات الكبيرة التي يواجهها البلد.
من المحطات البارزة في هذه الديناميكيات السياسية، المظاهرات الحاشدة في كل أنجاء البلاد ضد سياسات الفساد والانهيار الاقتصادي والأمني في البلد في عهد نظام إبراهيم كيتا (2013-2020) وهو من الحرس القديم من رفاق عمر كوناري وقد أدى إلى إسقاطه. لكن أهم هذه المحطات، اللقاءات الشعبية التي كانت تمتلأ بها الملاعب والمظاهرات المتواصلة ضد الوجود العسكري الفرنسي والمطالبة بإنهاءه، فقد كان الجميع يدرك أن الوجود العسكري الفرنسي يخدم مصالح فرنسا فقط باسم مواجهة “الإرهاب الإسلامي”، واستثمر النظام العسكري هذا الحراك الشعبي المتواصل لإسناد قرار طرد السفير الفرنسي بإعطاءه مهلة 72 ساعة في 31/1/2022 ثم إخراج القوات الفرنسية من مالي بالكامل في 15/8/2022. جاء هذا الحدث الهام بتأثير مباشر للحراكات الشعبية التي قادتها قيادات علمائية وسياسية إسلامية ومن اتجاهات وطنية مختلفة.
لكن مشكلات الذات في البلد تبقى كبيرة : إعادة بناء الدولة، الحفاظ على وحدة البلد، وإخراجه من حالة التخلف. كل الدلائل تشير على أن النظام العسكري الحالي عاجز عن الدفع في الاتجاه الصحيح لحل المشكلات الكبيرة التي تفاقمت بسياسات دكتاتورية وقمعية، وباعتماده على القوات الروسية التي ارتكبت مع الجيش المالي جرائم حرب في مناطق الشمال وهذا ما زاد الأوضاع تدهورا وتعقيدا.
الخطوط العريضة لطروحات المعارضة السياسية وعلى رأسها التيار الإسلامي، حول أصعب الملفات وأكثرها أولوية هي كما يلي: إنهاء الحكم العسكري وبناء نظام ديموقراطي توافقي، معالجة المسألة الانفصالية ومعضلة الجماعات “الجهادية. هناك إجماع في التيار السياسي المعارض وعلى المستوى الشعبي كذلك على :
• الحوار والضغط السياسي والشعبي والإعلامي على النظام العسكري للانسحاب من السلطة وتسليمها للمدنيين.
• الحوار مع الجماعات الانفصالية للوصول إلى توافقات ترتكز على: بناء دولة ديموقراطية مدنية ونظام شبه فدرالي تتمتع فيه الولايات بقدر كبير من اللامركزية الإدارية وحكم ذاتي في مناطق الطوارق ضمن سيادة الدولة الواحدة.
• فيما يتعلق بتطبيق الشريعة كما تطالب به الجماعات “الجهادية”، أوضح الناطق باسم التحالف الذي يرأسه الشيخ محمد ديكو، وهو بالمناسبة مسيحي، في حوار أجرته معه قناة “فرانس2” بتاريخ 5/5/2026 بما مفاده، أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الأغلبية الساحقة من السكان في مالي مسلمون وثقافتهم الاجتماعية هي السائدة، ومن دون أن يدخل في التفاصيل لحساسية الموضوع، اكتفى بالإشارة إلى أهمية وضرورة الحوار حول هذا الموضوع للتوصل إلى توافقات معينة.
وحسب اطلاعي ومتابعاتي، ترى القيادات الإسلامية أن الحوار مع هذه الجماعات يجب أن يستهدف الوصول إلى تفاهمات تضع حدا للاقتتال وإراقة الدماء أولا، ثم لا بد من تصحيح الفهم، بالجدل الحكيم الصبور، لمفهوم تطبيق الشريعة لدى تلك الجماعات التي تتكون قواعدها من مسلمين عاديين متحمسين ليست لهم ولا لقاداتهم ثقافة إسلامية صحيحة، وبناء الدولة العادلة التي يجب أن يشارك في بناءها الجميع وفقا لشروط الكفاءة والنزاهة، والتركيز على المقاصد الكبرى للشريعة التي تسع الجميع بغض النظر عن معتقداتهم أو اتجاهاتهم السياسية، ثم التدرج في التطبيق وفق أولويات منطقية يمكن أن تتحملها أوضاع البلد، وتستجيب لاحتياجاته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الأكثر استعجالا. واضح أن الموضوع معقد ولا أحد يدري إلا الله هل ستنجح هذه الرؤية في إخراج البلد من وضعيته الصعبة، لكن ما هو أهم أنها رؤية جديدة طامحة ومؤثرة إلى حد ما.
الآن، كيف تنظر القوى الدولية إلى مالي؟
من المهم محاولة فهم الكيفيات التي تنظر بها القوى الدولية الكبيرة المتربصة إلى دلالات التحولات البارزة في الثقافة الاجتماعية والسياسية في مالي، وتأثيراتها داخليا وعلى المحيط الإقليمي، فنجاح مثل هذه الرؤية يعني ولادة نموذج تحرري ونهضوي جديد ومحفّز يمكن أن يؤثر إيجابيا على بلدان الساحل التي تعرف حالات مماثلة، وهذا آخر ما يمكن أن ترتاح له تلك القوى الدولية.
القوى الدولية المهتمة جدا بمالي هي فرنسا، الولايات المتحدة، روسيا والصين. أما الأولى فقد خسرت موقعها الاستراتيجي الأول في منطقة الساحل لكن مصالحها الاقتصادية ما تزال قوية. الولايات المتحدة يسيل لعابها للثروات الهائلة في المنطقة وتريد أن تكون المستفيد الأكبر، وقد رأينا الخطوط العريضة لاستراتيجيتها الكلية العامة في القارة في المقالة السابقة. يبدو أن الولايات المتحدة تشتغل على مالي عبر مسارين: الأول ضبط وتوجيه الجماعات الانفصالية و”الجهادية” لكي لا تخرج عن السيطرة عبر تعاونها الأمني الوثيق مع الجزائر، والثاني تمهيد الأوضاع في مالي للنزول باستثماراتها في مجالات الطاقة والمعادن “الحرجة” كما أصبحت تسمى، عبر تعاونها الاقتصادي والأمني مع المغرب كجار ثقة بالنسبة لمالي، ومن أهم المؤشرات على هذا التوجه، المبادرة الملكية لتهيئة جنوب الصحراء المغربية استراتيجيا لكي يصبح المنفذ الرئيسي لتصدير ثروات بلدان الساحل واستيراد احتياجاتها، وهذا يتطلب استقرارا بشكل ما في مالي.
لكن إلى أي حد ستقبل الولايات المتحدة وفرنسا بتحولات سياسية كبيرة في البلد وفق رؤية التيار الوطني العام لبناء دولة ديموقراطية موحدة ومستقلة في قرارها؟ لا شيء يدل على هذا، ومما يدعو إلى هذا الاستنتاج، التحالف الغريب بين الحركات الانفصالية (علمانية) و”الجهادية” (تكفيرية)، بعمل عسكري منسق جيدا وقد صارت عندهم درونات وطائرات مسيرة، لمحاولة السيطرة على العاصمة باماكو خلال الأشهر القليلة الماضية، وهذا يتناقض تماما مع رؤية وتطلعات القوى السياسية المعارضة والتوجهات الشعبية.
أما روسيا والصين، فهما لاعبان ثانويان وليست لهما القدرة على إحداث تأثيرات استراتيجية في البلد، ويكتفيان بالحصول على أقصى ما يمكن الحصول عليه في حفلة الضباع الدولية المفترسة.
تجب الإشارة هنا كذلك، إلى أن موضوع العلاقة بين الإسلام والسياسة ليس في مالي فقط، بل في سائر بلدان الحزام الإسلامي وفي أفريقيا عامة، هو محل اهتمام كبير ومتواصل من طرف عديد المراكز البحثية والمنظمات المتخصصة في أوروبا (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا، إنجلترا)، وفي الولايات المتحدة وكندا، ويوجد حوله كمّ كبير من الدراسات والبحوث والتقارير وعقدت حوله عديد من المؤتمرات العلمية. (3)
قصة المشروع الانفصالي
قبل الإجابة على السؤال الأخير حول ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا، ولمن يهتم بمعرفة المزيد حول مالي، هذه أضواء فقط على جانب من استراتيجية “خط النار” المشار إليها في المقالة الأولى. لقد حاول شارل دوغول سنة 1958 دفع بعض القيادات القبلية الطارقية للقبول بفكرة دولة طارقية في الشمال، لكنها لم تنجح لأسباب لا تتسع لها المقالة. في 1962، ظهرت أولى الحركات الانفصالية المسلحة في شمال مالي بتحريض من فرنسا، وبقي مشروع الانفصال منذ ذلك الوقت حيّا عبر عدة مراحل بلغت ذروتها الآن.
تتكون القبائل الطارقية من مجموعات قبلية كبرى منتشرة في وسط وغربالصحراء الكبرى وهي أربع: مجموعة كِلّ أحجّار أو أهجّار في صحراء الجزائر، وكِلّ وِلِِّمِدّن في صحراء مالي، وكلّ إيفوغاس بين مالي والنيجر وكلّ آيير في صحراء النيجر. هي قبائل أمازيغية وامتداد لأمازيغ الجبال في المغرب والجزائر، لغتها “التّمشّاق” أو “التّمجّاق” أي الأمازيغية الصحراوية، وتتفرع إلى لهجات مثل نظيراتها في البلدان المغاربية، حياتها بدوية رعوية تتنقل حسب مصادر الماء والكلأ منذ آلاف السنين. تجب الإشارة إلى أن سكان موريتانيا الأصليين (بلاد شنقيط)، ينتمون إلى القبائل الأمازيغية الصحراوية، ثم تعرّبوا بالكامل تقريبا عبر اللسان العربي حتى أصبحوا سادة اللغة العربية بدون منازع بعد دخول الإسلام إليها ووصول بعض العشائر العربية، وما تزال اللغة الأمازيغية موجودة بشكل محدود جدا في بعض المناطق يتكلم بها كبار السن، وما اللغة الحسّانية إلا توليفة بين الأمازيغية والعربية ومعظم أسماء المناطق المحلية والبلدات والواحات أمازيغية.
تاريخ طوارق الصحراء الكبرى بعد وصول الإسلام إليهم من ليبيا والجزائر والمغرب، يُظهر دورهم المحوري في الربط بين شمال الصحراء وجنوبها، وهم اللذين سهلوا دخول الإسلام إليها ومن ثمّة إلى جنوبها، عبر تأمينهم وحراستهم لقوافل الحج والتجارة ومعها الدعوة والثقافة الإسلامية ومنها التصوف، ويظهركذلك دور علماء الطوارق وفقهاءهم في نشر الدعوة في الصحراء نفسها، وقد اشتهرت تاريخيا قبيلة منهم أكثر من غيرها بهذه الصفة وهي قبيلة “كلّ السّوق” في شمال مالي، وهي ما تزال كذلك إلى الآن ولها صيت في الدعوة والعلم والصلح بين القبائل والناس.
بصفة عامة، وجد طوارق الصحراء الكبرى أنفسهم بعد الاستقلال أسرى حدود لم يعرفوها هم ولا أجدادهم، وهم اللذين كانوا دائما سادتها يجوبونها بدون اية حدود. إضافة إلى ذلك، وجدوا أنفسهم خاضعين لسلطة مركزية “وطنية” ضمن مجموعة دول جديدة كنتيجة مباشرة للمرحلة الاستعمارية، وثالثا لأن السلطة المركزية موجودة في أقصى الجنوب بيد القبائل السوداء، فقد تعودت القبائل الطارقية منذالقرون الغابرة، على الإغارة على المجتمعات المحلية السوداء وحتى على بعضها البعض، ويمكن ملاحظة أن نسبة كبيرة من الطوارق اختلطت جيناتهم بجينات القبائل السوداء، أو سودا صاروا جزءا لا يتجزأ من المجتمعات القبلية الطارقية بحكم العبودية الطويلة، يعيشون نفس الحياة ويتكلمون نفس اللغة وبنفس العادات والتقاليد.
وأمام عجز الأنظمة السياسية منذ الاستقلال عن حل مشكلات البلد ككل، وليس في مناطق الطوارق الذين يتراوح عددهم في عموم غرب الصحراء ما بين 3 إلى 4 ملايين، وتدخلات القوى الدولية، صار الوضع مهيئا لدفع قيادات طارقية للمطالبة بالانفصال وهو حل شبه مستحيل من الناحية الواقعية.

ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟
يجب إعادة النظر في مصطلحات الجغرافيا السياسية التي نحتها الغرب للعالم الإسلامي، فلا وجود تاريخي أو اصطلاحي لـ”شمال أفريقيا” و”جنوب الصحراء الكبرى”، ولا لـ”الشرق الأوسط” أو “الشرق الأدنى”، أو “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” (MENA).
بلدان الساحل وعموم الحزام الإسلامي الأفريقي، هي الشّق الجنوبي لـ “الكتلة العربية-الأفريقية”، لم تتغير جغرافيتها الطبيعية والتاريخية-الحضارية ولا الثقافية، كخصائص وقواسم مشتركة كبرى. ما يتعين علينا الاهتمام به جديا، في العالم العربي والبلدان المغاربية في الأخص، هو الانتباه إلى أبعاد أخرى مهمة جدا :
• أن المساحات الأكبر من مستقبلنا إنما يسكن في الشّق الجنوبي من الكتلة العربية الأفريقية، بحكم القواسم المشتركة والمصالح الضخمة بعيدة المدى، وليس مع القارة العجوز ولا مع ما وراء الأطلسي.
• لأن الشّق الجنوبي هو الجار الجُنُب والصاحب بالجنب، وما جرى ويجري فيه، عندما ننظر إلى مفاعيل استراتيجيات القوى الدولية في هذا الشّق، فهذا كله يؤثر علينا في المنطقة المغاربية بمهددات حقيقية، ليس أقلها تفتيت الكتلة العربية الأفريقية برمتها، وآية ذلك ما يجري في النيجر وتشاد والسودان وليبيا واليمن والعراق، وما المحاولات المحمومة لفصل جنوب المغرب عبر دويلة وهمية إلا جزء منها، وقد خابت وخسرت ولله الحمد هذه المحاولة.
• لأن البناء والتكامل بين الشّقّين ممر إجباري بالنسبة للعرب والمغاربيين عندما يتطلعون للمستقبل، فالموارد البشرية والطبيعية والفرص هائلة، وأهل الشّق الجنوبي يدركون هذا تماما ويتطلعون بوعي وحرص شديدين لهذا البناء والتكامل.
• لأننا مطالبين بالعمل لبناء الجسور بين الشّقين وهذه مهمة تاريخية حقيقية، تقع على عاتق الصفوات المثقفة والعلمية المتخصصة برؤية جامعة وببرامج بحثية متعددة القطاعات، بشراكات كاملة بين الصفوات في الشقين معا.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...