محمد الدكالي
خبير في الشؤون الأفريقية
(1)
تمهيد
لماذا؟ هذا سؤال مركزي في أية محاولة لفهم ما يجري في منطقة الساحل الآن وتحديدا في مالي، والمعطيات اللحظية المتداولة في وسائل الإعلام العربية والدولية، وهي تكاد أن تكون متطابقة، فكلها تركز على جوانب فقط من مخرجات هذه الأزمة الإقليمية، ولا تتطرق إلى الخلفيات والمعطيات الأهم
لا يمكن فهم الأوضاع في عموم منطقة الساحل وفي قلبها مالي، إلا باستحضار جملة من المعطيات الأساسية:
أولاها: المعطيات التاريخية-الحضارية، فقد شكلت بلدان الساحل، كجزء من “الحزام الإسلامي العظيم” الممتد من شرق أفريقيا مرورا ببلدان الساحل إلى الواجهة الأطلسية في السينغال وغينيا ونيجيريا، المهاد الجغرافي والتاريخي للحضارة الإسلامية الأفريقية التي تأسست تدريجيا منذ القرن الهجري الأول، وهي امتداد طبيعي للحضارة الإسلامية ككل، كصنواتها العربية والتركية والهندية. آخر قافلة جابت الصحراء الكبرى بين فاس-مراكش وتيمبوكتو في مالي كانت سنة 1912، أي سنة الاحتلال الفرنسي-الإسباني للمغرب.
ثانيها: التأثيرات المدمرة للمرحلة الاستعمارية الأولى التي انتهت بظهور الدولة الوطنية العلمانية، وحدود مقطعة لأرحام الشعوب والقبائل وما نتج عنهما من مشكلات عميقة وطارئة.
ثالثها: التحولات الاجتماعية-الثقافية والسياسية العميقة التي عرفتها مجتمعات بلدان الساحل خلال أزيد من سبعين عاما الماضية، أي منذ ما قبل “استقلال” بلدان المنطقة، كديناميكيات داخلية، اجتماعية-ثقافية في مرحلة أولى ثم سياسية وسياسية من صلب المجتمعات، وهي ديناميكيات متشابهة إلى حد كبير في خصائصها العامة في كل بلدان الحزام الإسلامي، إذ أن نسبة المسلمين فيها تزيد عن 90%، باستثناء نيجيريا فهي حوالي 60%، أو 140 مليونا من المسلمين، أي أكثر من سكان مصر أو إيران أو تركيا.
ثالثها: طبيعة وحجم المشروع الإمبريالي الفرنسي ثم الأمريكي ، الذي صمم خصيصا لهذه المنطقة، كاستراتيجيات كلّية عامة موجهة للقارة ككل، وفي قلبها الاستراتيجيات الموجهة لبلدان الساحل وعموم بلدان الحزام الإسلامي. هو امتداد للظاهرة الإمبريالية التاريخية ككل، لكنه أكثر جشعا وأشد وحشية وإجراما من مراحلها السابقة، ويوظف أدوات معرفية وسياسية وأمنية أكثر فتكا.
رابعها: وهي لصيقة جدا بثالثها، وهو شيوع الظاهرات الانفصالية كل بلدان الحزام الإسلامي من السودان (تم فصل جنوبه والدور الآن على الذي توازيمساحته مساحة فرنسا)، تشاد (حركة انفصالية في الجنوب)، النيجر ومالي (حركة انفصالية طارقية في الشمال، موريتانيا (حركة انفصالية “زنجية” في الجنوب)، إلى السينغال (حركة انفصالية في الجنوب “المسيحي”)، وأبرز هذه الحركات الانفصالية الآن في مالي، وكلها حركات محلية مدعومة إمبرياليا بادعاءات مزعومة، إثنية (بين قبائلية) أو دينية (إسلام، مسيحية)، وتوجد حقائق وتفاصيل كثيرة حول هذه الحالات لا تتسع لها المقالة. الهدف الرئيس من هذه الأجندات الانفصالية، التي ما تزال حية بمستويات مختلفة منذ بدايات مرحلة “الاستقلال”: تفتيت بلدان الحزام الإسلامي وتوفير العوامل التي تضمن صراعات داخلية لا تنتهي، وهذه هي الحالة المثالية لتسهيل نهب الموارد المعدنية والطاقية الهائلة التي تتوفر في بلدان الحزام الإسلامي.
خامسها: وهي كذلك لصيقة جدا بالأجندات الإمبريالية، تتمثل في ظاهرة الجماعات “الجهادية”، وهي حالة جديدة ظهرت فجأة في بلدان الساحل ونيجيريا وشمالي الكاميرون وموزمبيق في بداية هذه الألفية بعد أحداث 11 سبتمبر، وتندرج هذه الأجندات ضمن استراتيجية سي آي أي حول “الحرب العالمية على الإرهاب” التي أعلنها بوش الإبن رسميا سنة 2001. لقد شملت العمليات الدموية لهذه الجماعات جميع بلدان الحزام الإسلامي، بل امتدت إلى بلدان أخرى فيها أقليات مسلمة كبيرة وهي الكاميرون ومالاوي وموزمبيق.
إذا استوعبنا هذه المعطيات الرئيسية على امتداد خريطة الجغرافيا السياسية للحزام الإسلامي، فسيساعدنا هذا على فهم ما يجري في بلدان الساحل وعموم الحزام الإسلامي بشكل صحيح.
الآن، هناك عدة أسئلة يتعين طرحها فهي كاشفة:
- ما هي طبيعة وحجم التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية العميقة التي عرفتها مجتمعات بلدان الحزام الإسلامي خلال سبعين عاما منذ مرحلة “الاستقلال”؟ وما هي العلاقة بين هذه التحولات واستراتيجيات وسياسات القوى الإمبريالية المشار إليها آنفا؟
- ما هي طبيعة استراتيجيات الإمبريالية الموجهة لأفريقيا عامة ولبلدان الحزام الإسلامي ولبلدان الساحل بشكل أخص، وكيف تشتغل؟ ما هي أهدافها؟ وإلى أين وصل تحقيق هذه الأهداف؟
- كيف وفي أية سياقات محلية وإقليمية ودولية توالى ظهور الحركات الانفصالية بعد “الاستقلال” مباشرة، كظاهرة جيوسياسية كبرى، في جميع بلدان الحزام الإسلامي وفي قلبه بلدان الساحل؟ وما هي الأهداف الكامنة من وراء هذه الظاهرة؟
- كيف وفي أية سياقات ظهرت الجماعات “الجهادية”، التي تطلق عليها المصادر السياسية والأمنية والإعلامية الغربية جماعات “الإرهاب الإسلامي”terrorism (Islamic، في جميع بلدان الحزام الإسلامي؟ كيف استُنبتت هذه الظاهرة استنباتا في البيئات المحلية وامتدت إقليميا؟ ما هي الأهداف الكامنة وراء هذه الظاهرة؟ هل هي ظاهرة طبيعية بالمعنى الأنثروبولوجي أو عشوائية، على هذا المستوى جيوسياسي الضخم؟ كيف نفسر طابعها الاستراتيجي الموسع؟ كيف نفهم طبيعة إيديولوجياتها؟ ما هي علاقة هذه الظاهرة بالاستراتيجيات والسياسات الأمنية الغربية الموجهة لهذه المناطق الشاسعة؟
- ماذا تعني كل هذه القضايا بالنسبة لعموم العالم العربي وللبلدان المغاربية بشكل خاص؟
كانت هذه مقدمة تمهيدية لضبط زوايا النظر والإجابات، وأود أن أشير إلى أن هذه المقالة تتضمن كإجابات، رؤوس أقلام فقط، فهي قضايا معقدة تتقاطع فيها الجغرافيا والتاريخ والاجتماع والثقافة والسياسة والاقتصاد والأمن والعسكرة. الإجابات الموسعة والتحليلات، ستصدر بعون الله بين دفّتي كتاب خاص تحت عنوان “الإسلام والإمبريالية في أفريقيا” حول هذه القضايا وغيرها بإذن الله، وهو ليس بحثا نظريا، بل حصيلة أزيد من عشرين عاما من الزيارات والمشاهدات الميدانية لاثنين وثلاثين بلدا أفريقيا، ولأزيد منها في المتابعات والبحث.
“خط النار”
أذكر أنني زرت صديقي المرحوم عبد اللطيف الحجّامي سنة 1990، وكان أستاذا مبرّزا في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية في الرباط وخبيرا دوليا ضليعا، وكنت أعمل آنذاك في الغابون مديرا لمكتب منظمة “العون المباشر” (Direct Aid) الكويتية، وأخبرته عن الأحداث التي شهدتها موريتانيا والسينغال في تلك السنة، وفي نفس الوقت، حيث وقعت مذابح فظيعة جدا لرعايا البلدين في كل منهما، هذكذا فجأة ومن دون أية سوابق. فقال لي رحمه الله: “سأخبرك بشيء له علاقة بما حدث. في إحدى زياراتي لمختار مبو عندما كان على رأس منظمة يونسكو، وعند حديثنا في موضوع معين، أخرج من درج مكتبه مطبوعا وناولني إياه. كان تقريرا كتبه مجموعة من الخبراء الفرنسيين عنوانه “خط النار” (La ligne du feu)، “توقّع” فيه معدوا التقرير اندلاع صراعات داخلية، لأسباب إثنية أو دينية، في جميع البلدان الممتدة من السينغال إلى السودان”.
وباستثناء هذا الأخير فالحالة الانفصالية تعود بداياتها للاستعمار الإنجليزي، هي استراتيجيا فرنسية كلّيّة تطورت عبر مراحل منذ احتلالها لبلدان الساحل في النصف الثاني من القرن 19، إلى أن اضطرت إلى إعلان استقلال مستعمراتها في نهاية الخمسينيات وبداية السنينيات الماضية، ثم أعادت صياغة هذه الاستراتيجية منذ الاستقلال إلى الآن. اعتمدت هذه الاستراتيجية مجموعة من الأدوات ذات الطابع الشمولي:
- محاولات لم تتوقف لاجتثاث الهويات الإسلامية لشعوب وقبائل المنطقة، بقتل ونفي أعداد لا تحصى من قادة الجهاد والعلماء والأئمة الذين استماتوا في الحفاظ على المرجعيات العقدية والقيم الأصيلة لمجتمعاتهم، منذ بدايات المرحلة الاستعمارية، وهذا تاريخ عريض مجهول مع الأسف لدى الجمهور في العالم العربي، ثم بالتمكين التدريجي للتعليم والثقافة الفرنسيين كبديل إحلالي لنظام التعليم الإسلامي التقليدي.
- الحدود المقطّعة لأرحام القبائل والمجتمعات في كل بلدان الحزام الإسلامي وهي حدود لم يكن لها وجود من قبل.
- إنشاء “الدولة الوطنية العلمانية” في كل هذه البلدان وفرض سياسات مستوردة بالكامل، سياسية وتربوية-تعليمية وقضائية وقانونية وثقافية وإعلامية، لا علاقة لها بتاريخ وهوية وثقافة المجتمعات في الحزام الإسلامي.
- “الفرنكوفونية” كنظام شامل، كما سماه أحد الباحثين الفرنسيين، للسيطرة السياسية والتعليمية والثقافية والقانونية والمالية والاقتصادية والتجارية والإعلامية، في بلدان الساحل.
- التخطيط والإشراف على تأسيس ودعم حركات انفصالية منذ إعلان “الاستقلال”، في سيناريوهات متطابقة، من تشاد إلى موريتانيا والسينغال، وسيرتب الاستعمار الإنجليزي من جهته للحرب الأهلية الانفصالية الأولى في السودان في السنوات 1955-1972.
- على المستويات المالية والاقتصادية والتجارية، سيطرت شبكة عنكبوتية من البنوك الفرنسية وشركات متعددة الجنسيات، بدعم مباشر من الدوائر التشريعية والسياسية والحكومية الفرنسية، على مفاصل اقتصاديات وماليات دول الساحل وعلى مصادر الثروات المعدنية والطاقية والتجارة الخارجية، وفرضت فرنسا على مجمل مستعمارتها السابقة في بلدان الساحل وغرب أفريقيا نظاما ماليا ونقديا (الفرنك الأفريقي) مرتبطا تماما ومتحكم فيه بالكامل، رسميا، من طرف الخزينة الفرنسية، فانعدم بذلك أي نوع من السيادة المالية، وهناك دراسات وبحوث عديدة جدا من طرف خبراء أفريقيين وفرنسيين حول هذا الموضوع.
- على المستوى السياسي، اشتغلت المنظومات الحكومية والاستخباراتية والماسونية الفرنسية على سياسات حقيقية لتصفية أية محاولات لتأمين استقلالية القرار الوطني، بالأدوات الناعمة وبالقتل، ولتكريس ودعم أنظمة سياسية، مدنية أو عسكرية، تابعة ديكتاتورية فاسدة، وتوجد كذلك حول هذه الجوانب دراسات وبحوث عديدة من طرف باحثين فرنسيين، لعل من بين أشهرها التقرير الضخم (أزيد من900 صفحة) أعدته مجموعة من الباحثين الفرنسيين والأفريقيين، وهومطبوع في كتاب منشور عنوانه “الإمبراطورية التي لا تريد أن تموت”.(1)
- على المستويين العسكري والأمني نشرت فرنسا قواعد عسكرية في جميع بلدان الساحل من تشاد إلى موريتانيا والسنغال، وأشرفت على إدارة المؤسسات العسكرية والأمنية في هذه البلدان، وعلى تأسيس وإدارة شبكات لتهريب ونشر السلاح في المنطقة من أشهرها شبكة بليز كومباوري الرئيس السابق لبوركينا فاسو وحليف فرنسا، التي وثقتها تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية. وأمام انتشار عمليات الجماعات “الجهادية”، ستنفذ قواعد الجيش الفرنسي في الساحل عمليتين عسكريتين رئيسيتين، جوية وأرضية ضد هذه الجماعات في مالي، عملية “سيرفال “Serval في 2013 و”برخان “Barkhane في 2014. كانت هاتان العمليتان محاولات يائسة من فرنسا لمواجهة الأجندا الأمريكية لإنهاء السيطرة الفرنسية على دول الساحل والحلول محلها، وقصة هذا التنافس معروفة ومتداولة في التحليلات السياسية الفرنسية والأمريكية، وقد بدأت منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وتفرّد أمريكا بالزعامة في العالم.
الاستراتيجيا الأمريكية الكُلّية
في 18مايو 2000 وقع الرئيس الأمريكي كلينتون على قانون عام فدرالي صادر عن الكونغرس يقضي بتأسيس وتنظيم (African Growth and Opportunities Acts- AGOA) وهو القانون الذي يحدد الأهداف والسياسات العامة كاستراتيجيا أمريكية كلّية تجاه القارة، والمؤسسات الفدرالية المسؤولة عن تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية، ولا تتسع المقالة لعرض التفصيلات الأساسية لهذا القانون، لكن من المهم الإشارة إلى مؤسستين فيديراليتين أنشأهما البيت الأبيض، تحت إشراف مجلس الأمن القومي، للإشراف على تدبير هذه الاستراتيجيا الكلّية، وكلتيهما يشكلان منظومة تنفيذية واسعة ومتكاملة تتألف من 18 وزارة ومؤسسة فدرالية، وتشرفان وتنسقان أنشطة كل هذه المؤسسات ضمن (AGOA):
- (Prosperafrica) وتعمل تحت إشراف مباشر من مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، لها ثلاث فرق عمل رئيسية في واشنطن وجوهانسبورغ (جنوب أفريقيا) والرباط، وإلى جانبها (Power Africa)، وهو برنامج خاص لوكالة التعاون الدولي (USAID) في القارة متخصص في مجالات الطاقة تشمل الهيدروجين، التكنولوجيا المركبة للطاقة، الهايدروكربون (البترول والغاز)، نقل توزيع الطاقة، التخزين، الطاقات المتجددة، الطاقة الشمسية، الشبكات الصغيرة، المستثمرين، مزودي التجهيزات ومنظمات المجتمع المدني (العاملة في المجال). الملاجظ أن (AGOA) لم تدخل التربية والتعليم ضمن اهتماماته ولا تهتم بهما مطلقا !!، فالاهتمامات، كما تعكسها نشرات البيت الأبيض المتوالية حول تنفيذ هذه الطاستراتيجيا، تدور فقط حول الاستثمارات الأمريكية الهائلة، الحكومية والبنوك والشركات العملاقة في قطاعات الطاقة والمعادن والتكنولوجيا الرقمية ذات العلاقة.
- (United States Africa Command-AFRICOM) في أكتوبر 2007 كقوة عسكرية واستخباراتية لدعم وتسهيل تنفيذ السياسات الأمنية والعسكرية الأمريكية في القارة، ويوجد مقر قيادتها في شتوتغارد في ألمانيا. وحسب موقع أفريكوم، تشمل أنشطة هذه القيادة، إضافة إلى الأنشطة الأمنية والعسكرية، “أنشطة مدنية تشمل الصحة والمساعدات الإنسانية والاستجابة للكوارث وإصلاح المؤسسات الأمنية”. تضم قيادة أفريكوم، إضافة إلى الضباط العسكريين، دبلوماسيين وضباط استخبارات (CIA) وضباط الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA)، وتنسق أفريكوم مع المؤسسات الفيديرالية الثماني عشرة ضمن قانون (AGOA) الفدرالي المشار إليه آنفا. وحسب موقع “أفريكوم” الرسمي، “يمتد مسرح عملياتها ليشمل 53 بلدا افريقيا تبلغ مساحتها مجتمعة 11,2 مليون ميل مربع ]أي ثلاث مرات ونصف مساحة الولايات المتحدة[ تعيش فيها 800 مجموعة إثنية تتكلم أكثر من 1000 لغة، و000 ميل من السواحل”، أي القارة كلها. وإضافة إلى المهام المعلن عنها، تشير عدد من التقارير التي تنشرها أفريكوم في مواقعها، تقع مهمة محاربة “الإرهاب الإسلامي” في صلب مهامها وعملياتها في منطقة الساحل، دون أن تشير إلى أية تفاصيل عن هذه العمليات إلا باقتضاب شديد أحيانا، ولا إلى أنشطة قواعدها المنتشرة في المنطقة، وقد سبقت الإشارة إلى عنوان “محاربة الإرهاب الإسلامي” كاستراتيجية كبرى للولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر.
في إطار مهام “أفريكوم”، ولفهم أفضل للأوضاع العامة في الساحل في المرحلة الحالية، تجب الإشارة إلى عامل العلاقات المميزة بين الولايات المتحدة والجزائر على المستويين العسكري والاستخباراتي، فهذه الأخيرة لها حدود طويلة مع ثلاث دول ساحلية، النيجر، مالي وموريتانيا. فمنذ سنوات توالت عدة زيارات لقائد قوات أفريكوم للجزائر آخرها زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي مرفوقا بقائد أفريكوم الحالي الجنرال ديفيد أندرسون ما بين 27/4 إلى 1/5/2026، أشاد في نهايتها نائب وزبر الخارجية طويلا للتلفزة الجزائرية بالتعاون الثنائي في موضوع الطاقة، (الذي يجب أن يقرأ على ضوء الأوضاع في منطقة الخليج وحصار هرمز)، بينما نوّه قائد أفريكوم بأهمية تعاون الجانبين في منطقة الساحل (لمواجهة الإرهاب).
الجزائر تعتمد بشكل شبه حصري على روسيا كمصدر لشراء السلاح.. فما هي طبيعة التعاون الأمني الجزائري الأمريكي في الساحل؟ من المعروف أن الطرفين وقعا أكثر من اتفاقية عسكرية وأمنية ولكن لا تتوفر معلومات أو تصريحات معلنة حول فحوى هذه الاتفاقيات بين المؤسستين العسكرية الأمركية والجزائرية. لكن ما يلفت الانتباه، أن عددا من تقارير الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول تصنيف جماعات “جهادية” معينة في الساحل كمنظمات إرهابية، ذكرت بالأسماء أشخاصا جزائريين يقودون جماعات “جهادية” تعمل في الساحل وفي مالي بشكل خاص. وحول هذه النقطة بالذات، بات معروفا منذ سنوات عديدة ضلوع الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية في تاسيس جماعات “جهادية” في الجزائر يلبس أفرادها لباسا “أفغانيا”، خلال ما يعرف بالعشرية السوداء، وما ارتكبته هذه الجماعات من من جرائم مرعبة بلغ عدد ضحاياها من المدنيين، رجالا ونساء وأطفالا وشبوخا، حوالي 200 ألف، كما نشر بعض الضباط المنشقين كتبا حول هذا الموضوع وشهادات عديدة نشرت في وسائط الإعلام، كما بث الدبلوماسي المنشق محمد عربي زيتوت فيديوهات تتضمن معلومات وتحليلات عديدة حول هذه الجوانب.
في نفس الوقت، يوجد اهتمام أمريكي مغربي بالأوضاع في الساحل، وهو ما عبر عنه قائد أفريكا كوماند ديفيد أندرسون في نهاية المناورات الأمريكية الأفريقية (الأسد الأفريقي 2026) التي جرت في منطقة طانطان، عندما صرح في 8 /5/2026 أن المناورات “تركز على مواجهة التحديات في الساحل”، وفي حوار مع الباحث في السياسة الدولية د. محمد عصام لعروسي أجرته معه قناة “العربية 360” في 10/5/2026، وصف الدور المغربي في مالي بأنه “أمني واقتصادي”، تعليقا على المناورات المذكورة وعلى مقالة نشرت في واشتطن بوست حول اهتمام أمريكا بالمعادن النفيسة ومنها الليثيوم في الساحل. كان من المفترض أن يستكمل هذا الباحث الصورة بالإشارة إلى أهمية المبادرة الاستراتيجية التي أطلقها ملك المغرب في 6/11/2023، فقد أعلن المغرب وقتها أن أحد أهدافها الرئيسية، تمكين بلدان الساحل المغلقة من الاستيراد والتصدير عبر ميناء الداخلة وهو على وشك الانتهاء الآن، وما أعقب هذا الإعلان من اجتماع لوزراء خارجية دول الساحل في 23/12/2023 في مراكش والاتفاق على تشكيل فرق عمل لتفعيل المبادرة التي لا تقتصر على ميناء مدينة الداخلة الذي يتوفر على قدرات لوجستية كبيرة كميناء طنجة المتوسطي، بل يتعلق الأمر بمنظومة كاملة من الطرق السيارة والمطارات والسكة الحديدية في الصحراء المغربية. وفي واقع الأمر، تندرج هذه المبادرة ضمن رؤية استراتيجية قارية ينتهجها المغرب منذ سنوات، سياسية وديبلوماسية وثقافية واقتصادية.
زرع واستنبات الجماعات “الجهادية”
لم يعرف تاريخ الثقافة الدينية والاجتماعية للمجتمعات المسلمة في بلدان الساحل وغرب أفريقيا، أية اتجاهات للغلو والتطرف. كان المذهب المالكي المغربي-الأندلسي والطرق الصوفية يهيكلان الحياة الدينية لتلك المجتمعات على مدى أكثر من13 قرنا، إيمانا مبسوطا ولسانا عربيا متمكنا بقوة تأثيرات القرأن الكريم. حتى الاتجاه الوهابي الذي ظهر وانتشر نسبيا منذ السبعينيات الماضية على يد المشايخ المبتعثين من بلاد الحرمين والطلبة الأفريقيين الخريجين من جامعات سعودية، تم استيعابه في الثقافة الدينية العامة لتلك المجتمعات المعروفة بتسامحها حتى مع أصحاب الديانات الأخرى (مسيحية، وثنية..)، فالاتجاه السلفي حاضر بشكل بارز وله قيادات شعبية من الأئمة والدعاة، وله تأثيره المعتبر، وهو منخرط بشكل عام في ديناميكيات مواجهة الاستعمار الثقافي الفرنكوفوني العلماني، كحالة إسلامية تقودها رموز ما يعرف بالإسلام الوسطي من علماء ومفكرين ومثقفين وأطر عليا..
إذا كيف ظهرت هذه الجماعات “الجهادية”؟ وبأية خلفيات وفي أية سياقات؟
هي امتداد غير طبيعي في أفريقيا لنفس الظاهرة التي عرفتها البلدان العربية، وهذه قصة طويلة ومعقدة، وهي باختصار شديد كما يلي: كانت أفغانستان هي “المختبر” الذي تمت فيه عملية التخليق الأولى لهذه الاتجاهات والجماعات منذ بداية الثمانينيات الماضية بعد احتلال الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1979. وأمام همجية الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، انتشرت فكرة الجهاد في كثير من أصقاع العالم الإسلامي، وقد أصبح معروفا أن سي آي إي دخلت على الخط للترويج لفكرة الجهاد في أفغانستان، فقد كانت عين الولايات المتحدة على الحالة الأفغانية كفرصة لا تعوض لتسريع إضعاف ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، فتأسست لدى المراكز البحثية الأمريكية منذ بدايات الغزو السوفييتي، تقاليد حقيقية لدراسة الحالة الأفغانية.(2) أما المؤسسات الأمنية الأمريكية فقد وجدت في تواجد متطوعين عرب ومسلمين في باكستان وأفغانستان، فرصة لدراسة الحالة والبحث عن سبل الاختراق والتجنيد وبدعم نشط من بعض الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة. يجب ألا يفهم بأي شكل من الأشكال أن جهاد الشعب الأفغاني كان مرتبطا آنذاك ولا مرهونا بالأجندا الأمريكية كما روجت له الولايات المتحدة طويلا، فهذا ظلم وإجحاف وجهل بقصة الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، فهو أصيل دفع فيه الشعب الأفغاني تضحيات هائلة، وتميزت بعض حركاته المجاهدة بقيادات فذّة كانت تجاربها محل اهتمام كبير من طرف الخبراء والمحللين العسكريين في الغرب وأبرزهم أحمد شاه مسعود رحمه الله، وهذا الجهاد هو امتداد لتاريخ مجيد في محاربة إنجلترا التي أبيد جيشها في أفغانستان سنة 1842.
التوجهات التكفيرية لها أصول في الثقافة الدينية عند المسلمين منذ عهد الخوارج، لكنها بقيت مرفوضة في أوساط العلماء ومعزولة مجتمعيا، فلم تتحول إلى مذهب رابع أو خامس، لكنها ستصبح، في سياقات الجهاد الأفغاني، مصدر تأثير كبير وواسع النطاق في صفوف الشبان في البلدان العربية وفي بلدان آسيا الوسطى وفي أوساط الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا وحتى في أوساط مسلمين أوروبيين جدد. كان ذلك التأثير مدروسا بعناية فائقة من طرف الدوائر البحثية الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية لفهم تتفاصيل الظاهرة، سيكون من أهم مخرجاتها ضبط إيديولوجيا “التكفير والجهاد” تحويل هذه الإيديولوجيا، كما هي في أوساط اتجاهات الغلو والتطرف المعروفة في العالم العربي، إلى “طرد إيديولوجي” مغلف بعناية، “مؤصّل فقهيا” ومعزز بالآيات القرآنية والأحاديث وباستشهادات ملعوب فيها من آراء ابن تيمية وغيره. أما الأجهزة الأمنية الأمريكية والغربية عموما، فستؤسس منظومة من الأدوات المعقدة لهذا الغرض، ما هو ظاهر منها شبكة واسعة من المواقع الإلكترونية التي تروّج لهذه الإيديولوجيا ولا يُعرف القائمون عليها، وللمواقف من الأحداث كالاحتلال الأمريكي لعراق ونتائج الثورات العربية في سوريا وليبيا واليمن، ، بغية استقطاب العناصر، بقيت وما تزال تعمل بأريحية تامة رغم أن الأجهزة الأمنية تستطيع تحديد مصادرها بسهولة.. عناصر أمنية إسرائيلية ومن بلدان عربية معينة، مؤطرة جيدا بهذه الإيديولوجيا،ُ تُوجه لاختراق الجماعات “الجهادية” وصولا إلى مواقع قيادية، ولإدارة عمليات الاستقطاب والتجنيد والربط، وتوفير التسهيلات اللوجستية والتدريب وتوجيه العمليات الإرهابية، وإدارة مصادر التمويل والتسليح بطرق مختلفة..إلخ. هذه حقائق أصبحت معروفة. ولكن، وهذه ملاحظة هامة، لم يكن لهذه الأجندات أن تنجح بهذه المستويات لولا وجود تيار حقيقي، من داخل الذات، من المشايخ والدعاة الذين يتبنون الإيديولوجيا التكفيرية والجهادية ويؤثّرون بدورهم في شرائح واسعة من الشباب المتحمس عديم الفهم لأصول الإسلام ومبادئه ومقاصده الكبرى، وهذا ما يسهل تماما عملية غسل الأدمغة والاستقطاب والاختراق والتوظيف والتوجيه.
وفي نوفمبر 1989، أي بعيد انسحاب السوفييت من أفغانستان، ستتم تصفية الشيخ عبد الله عزام (فلسطيني) الذي كان يؤطر المتطوعين العرب وينسق مع قادة الجهاد الأفغان في إطار “مكتب الخدمات” الذي كان يرأسه، فقد كان بعيدا جدا عن إيديولوجيا التكفير، ولم يكن ليقبل بمثل هذه التوجهات. لكن آلافا آخرين من الشبان سافروا إلى باكستان بعد الانسحاب السوفييتي بحماس كبير لكن بوعي سياسي بسيط أو معدوم. في هذه المرحلة، ظهر اتجاه جهادي جديد نادى بالجهاد ضد القوى “الصليبية” الدولية اي الغرب، عبر العالم، كرؤية جديدة نوعا ما لطبيعة العلاقة بين “الإسلام” والعالم، فتأسس وفقا لهذه الرؤية تنظيم “القاعدة، بزعامة الميليونير السعودي أسامة بن لادن الذي سخر نفسه وأمواله لهذه الغاية (اغتالته سي آي أي في 2011)، وبعده د. ايمن الظواهري الطبيب المصري الذي تطوع سنة 1985 للعمل الإنساني في بيشاور (اغتالته سي آي إي في 2022). سيتمدد تنظيم القاعدة في بلدان عربية وإسلامية عدة وسينفذ أفراد منتسبون إليه عمليات دموية في بلدان عربية وأوروبا وأفريقيا، وسيظهر لاحقا نموذج آخر، بنفس المواصفات اسمه “تنظيم الدولة الإسلامية” في العراق كنواة لإعادة بناء “الخلافة الإسلامية” في الأمة جمعاء.
كانت هذه رؤية عامة كخلفيات أساسية لفهم ظاهرة الجماعات “الجهادية” كظاهرة أصلها من الذات، وثيقة الصلة بسياسات وأجندات إمبريالية موجهة للقارة ولبلدان الحزام الإسلامي بشكل خاص. وسنرى في الجزء الثاني من المقالة إجابات حول سؤال، لماذا مالي؟
- “L’empire qui ne veut pas mourir, une histoire de francafrique: guerres, pillage, coups d’etat, corruption, assasinats…”( Seuil
- يمكن أخذ فكرة عن طبيعة اهتمام المراكز البحثية الأمريكية حول القضية الأفغانية في بحث أعده صاحب المقالة حول “العلاقات السوفييتية الأفغانية 1918-1988” في عدد خاص من مجاة الهدى، 1988، فاس.





