د. مدى الفاتح
كاتب سوداني
وفق التقارير الإحصائية الرسمية، فإنه يصح أن نطلق على القارة الأوروبية اسم «القارة العجوز»، لا بسبب تاريخها وعراقتها، ولكن بالمعنى الحرفي، الذي يشير إلى أن غالب سكانها سيكونون قريباً خارج سن العمل. كانت التحذيرات بهذا الشأن كثيرة منذ بداية هذا القرن، حيث تنبأ علماء بأن تناقص معدلات المواليد المتسارع، المتزامن مع زيادة متوسط الأعمار، سيؤدي لأن تكون الغلبة في وقت ما لأعمار ما بعد السبعين عاماً، أي الأعمار التي تنتظر الدعم والرعاية من الحكومة.
الأمر لا يتعلق بالمستقبل البعيد، فبلد مهم وكبير كفرنسا يتوقع أن يكون ما يقارب خمس سكانه من هم فوق الخامسة والستين، خلال بضع سنوات، كما يشار إلى أنه، وفي بعض المناطق الفرنسية، ستكون دور العجزة مطلوبة أكثر من المدارس.
الحال في إيطاليا المجاورة أسوأ، حيث تميل الكفة السكانية لصالح كبار السن بشكل يجعل التهديد بالفناء جدياً، خاصة مع الانحسار الواضح لأعداد المواليد. تشير إحصائية أخرى إلى أن نصف الإيطاليات، إما يعشن وحيدات أو ليس لديهن أطفال. يضرب المثل على هذا الفناء المتوقع ببلدة ريبوردونيه، التي تقع في الشمال الإيطالي، والتي يقطن فيها عدد قليل من السكان اليوم بمتوسط عمر يتجاوز الستين. هذه البلدة يتم ذكرها كمثال لما سيكون عليه الحال قريباً في إيطاليا وفي غيرها.
هذه الحقائق دفعت للانتباه بعد سنوات من اللامبالاة.
الأوروبي المعاصر كان لا يفهم أن نهضته الحديثة ارتبطت بزيادة السكان، بل كان يؤمن، على العكس من ذلك، بأن دولاً بعدد سكان أقل ستكون الأفضل والأغنى، حتى أولئك الذين كانوا يستوعبون خطورة الموقف، بدت لهم مقترحات الحل معقدة، حيث كان من الصعب القبول بتعويض سهل عبر فتح باب الهجرة، وتسهيل قبول وتوطين الشباب العابرين، الذين تموت أعداد كبيرة منهم بشكل مجاني في عرض البحر. من جهة أخرى كان يصعب تشجيع النساء والفتيات على الزواج أو الإنجاب، ناهيك عن الطلب منهن أن يفكرن في إنجاب ثلاثة أو أربعة أطفال لسد العجز السكاني. هذه النقطة الأخيرة ذات أهمية، فبالنسبة لليبراليين الذين يسيطرون بشكل شبه كامل على مجتمعات الغرب الأوروبي، يعد الحديث عن «ضرورة الإنجاب» حديثاً متعدياً ومتناقضاً مع الحرية المسموحة للمرأة. بالنسبة لهؤلاء فإن المرأة وحدها هي من يجب أن تتخذ قرار الإنجاب، وفق رغبتها ودون تدخل من أي أحد، بما في ذلك شريكها، بجانب ذلك، فإن أغلب المجتمعات الأوروبية تجاوزت منذ أمد الثنائية التقليدية، التي تقسم الأسرة لذكر وأنثى وتربط هذه العلاقة بالزواج وبوجود أطفال. أصبح من غير النادر اليوم أن تتكون أسرة من رجلين أو امرأتين أو حتى أكثر، بالنسبة للثوريين الليبراليين والنسويين، فإن أوروبا أمضت وقتاً طويلاً حتى وصلت لهذه النقطة «التقدمية»، ولا يمكنها الآن أن تتقبل ببساطة الاعتراف بأن كل ما صنعته من تجربة كان خطأ، وأنه يتوجب عليها العودة للأفكار الكلاسيكية حول المرأة والرجل من أجل الحفاظ على البقاء.
سياسياً يعني القبول بالأفكار التقليدية، من قبيل اعتبار المثلية شذوذاً، القبول بمنطق اليمين، الذي يدعو لاستعادة التمايز بين الرجل والمرأة معتبراً أن مشروعه المستند إلى الهوية والقيم المسيحية هو الأفضل. مشكلة هذا المشروع هو أنه يشمل مع هذا تعزيز العنصرية ومحاربة اللاجئين وحجب حرية «الآخر»، كما أن اليمينيين هم الأكثر تشدداً في ما يتعلق بمخططات «التعويض»، أو أفكار استقبال أعداد من اللاجئين، حيث يعتبرون أن في ذلك «إنهاء» لأوروبا، بل إنهم أسّسوا على هذا الرفض نظرية «الاستبدال الكبير»، التي تحذر من أن تكون الغلبة السكانية للمسلمين والمهاجرين، إذا تم التساهل مع وجودهم. على المستوى الاجتماعي البسيط لا يخلو الأمر أيضاً من تعقيد، فحتى بالنسبة للفتيات اللواتي اخترن العلاقة الجنسية التقليدية والارتباط برجل، يظل هناك التحدي الاقتصادي، وهو هاجس يدور في ذهن الشباب من الجنسين. هؤلاء الشباب باتوا اليوم مضغوطين جراء الوضع الاقتصادي، الذي لا توجد مؤشرات على تحسنه، وهو وضع يجعل امتلاك بيت أو توفير مبالغ مناسبة من الراتب، الذي تقتطع الدولة ما يقارب نصفه، حلماً صعب المنال. القرارات التشجيعية من قبيل منح بعض المال أو الموافقة على إجازة أمومة طويلة مدفوعة، لا يبدو أنها كافية لتشجيع النساء على توسيع أسرهن، فمن ناحية هناك سؤال يدور في خلدهن عن تأثير ذلك المستقبلي على ميزانية الأسرة، ومن ناحية ثانية فإن هناك سؤالاً آخر يتعلق بتأثير الولادة، وما يتبعها من إجازة وغياب عن أجواء العمل، على المستقبل الوظيفي، خاصة أنه سيكون من الصعب على هذه العاملة أو الموظفة أن تأخذ إجازة مماثلة بعد عامين مثلاً من أجل إنجاب طفل جديد. مثل هذه العاملة ستخشى في الغالب أن تثير حنق رؤسائها، أو أن يتم التخلص منها، وإن لم يعلموها بشكل مباشر أن تحولها لأم هو السبب.
كل هذه الأسباب تبدو أسباباً من صنع البشر، فهذه البلدان لم تصل لهذه الحال بمحض الصدفة، وإنما كان الأمر بمثابة الاختيار. مصطلح «الانتحار الديموغرافي»، القديم لكن الذي تتم استعادته اليوم، معبر بشكل كبير هنا، فهو يشير إلى أن أوروبا، بنظامها الاجتماعي الحديث، كانت تسير في طريق قتل نفسها. محاولات «الهندسة الاجتماعية» لم تظهر فشلها فقط في أوروبا، ولكنها ظهرت بصورة أوضح في الصين أيضاً، فبعد وقت طويل من تبني النظام لسياسة الطفل الواحد في محاولة للتحكم في أعداد المواليد، تعود الصين اليوم لتبني سياسة معاكسة مبنية على تشجيع الإنجاب. اكتشفت الصين أن تراجع أعداد المواليد ليس شيئاً جيداً للاقتصاد، وأن الهند، منافستها الأهم، ربما تتفوق عليها إذا ما حافظت على معدلاتها السكانية. بجانب ذلك تعاني الصين، على عكس الهند، من ارتفاع أعداد كبار السن بشكل غير مسبوق في تاريخها، ما استوجب التفكير في معالجات كان من أبرزها تغيير السياسة، التي كانت تواجه بالعقوبة وتغريم من يجرؤون على الحصول على أكثر من طفل. يبرهن كل ذلك على عجز الإنسان عن التخطيط أو عن تحقيق حلمه بالسيطرة التامة على موازين الطبيعة. يشمل ذلك أيضاً الجهود المكثفة، التي كانت تسعى على مدى عقود لتخفيف أعداد السكان في بلدان الجنوب، خاصة في افريقيا، من خلال التحذير من مستقبل غامض للأطفال.
في بلدان جنوبية تتمتع بمعدلات خصوبة عالية وبزيادة مطردة في أعداد المواليد كالنيجر، يحاول الغربيون، من خلال منظمات «إنسانية» وفعاليات مختلفة، إقناع المواطنين والحكومات بأن السبب في فقرهم وبؤسهم هو عدد السكان. الكلام عن فقر البلدان الافريقية غير المتناسب مع ديموغرافيتها يبدو لأول وهلة مقنعاً، لكنه يخفي وراءه حقيقة أخرى، وهي أن هذه البلدان ليست في الحقيقة فقيرة، وأنها قادرة، إذا ما استطاعت الاستفادة من خيراتها ومواردها أن تطعم أبناءها، بل وجيرانها أيضاً. كل ما في الأمر هو أنها تعيش تحت قيود الاستغلال، التي تفقرها وتجعل آخرين يستفيدون مما تمتلك.





