د. مدى الفاتح
كاتب سوداني
إن كان لفوز التحالف اليساري، «الجبهة الشعبية»، بأكبر نسبة تصويت في الانتخابات التشريعية الفرنسية الأسبوع الماضي دلالة، فهي أنه يجب أن لا نبني حساباتنا بشكل كامل على ما تتوقعه استطلاعات الرأي، أو ما يذهب إليه المحللون، ففي الحالة الفرنسية كان كل ذلك يشير إلى أن فوز اليمين مضمون، خاصة بعد النتائج المتقدمة، التي حققها في جولة الانتخابات الأولى. ذهب الخبراء إلى ما هو أبعد من ذلك فطفقوا يحذرون من الأسوأ، وهم يفكرون في مستقبل الحكومة الفرنسية، التي سيسيطر عليها أقصى اليمين، ما خلق حالة من الرعب وسط الجاليات والأقليات، التي ترى أن برنامج اليمينيين يستهدفها بشكل رئيس.
لكن الأسوأ لم يحدث، فلا اليمين فاز في انتخابات «الجمعية الوطنية»، ولا البلاد دخلت في أتون حرب أهلية، نتيجة الاستقطاب الكبير والحملات المتبادلة بين أنصار الاتجاهين، كما كان يحذر الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي كان قد اعتبر أننا إزاء وضع يعمل على تقسيم الناس على أسس دينية وعنصرية.
بالنظر للنتيجة النهائية، فإن الأمر لا يبدو محفوفا بمفاجآت كثيرة، سوى تصدر اليساريين، الذين أنشأوا تحالفا جديدا قبيل الانتخابات، أما «التجمع الوطني» ممثل اليمين المتطرف، فجاء في المرتبة الثالثة خلف التيار الماكروني. قد يكون لتعزيز المخاوف من غلبة اليمين دور في هذه النتيجة، فتحكم متطرفين في السياسة الفرنسية لوحصل سيكون أشبه بزلزال، ليس فقط على الصعيد الداخلي، وإنما على مستوى العلاقات الدولية، خاصة إذا ما اجتمعت معه إعادة انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة. لليمين الفرنسي نظرة مختلفة حول الحرب الأوكرانية، وحول التحالف مع الولايات المتحدة تحت مظلة حلف الناتو، كما أن شخصيات محورية فيه مثل ماري لوبان، تتهم بأنها متحمسة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يعني كل هذا تجفيفا لحالة العداء، التي تضع روسيا في مقابل تحالف أوروبي أمريكي. التركيز الإعلامي الكبير على مخاطر فوز «التجمع الوطني»، والحرص على تشويه صورة المرشحين اليمينيين كان مقصودا، فالأكيد هو أن من الصعب على الدولة الفرنسية، وإن أجبرت على القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية، أن تقبل بأن تسلم زمام القيادة لمن قد يهدد التحالف الاستراتيجي والتاريخي مع الولايات المتحدة. هنا يمكن قراءة استخدام الرئيس الفرنسي لصلاحياته في حل البرلمان، وهو ما أفضى للدعوة للانتخابات الأخيرة، كنوع من الأوراق، التي يمكن استخدامها إذا ما تعقدت الأمور. يمكن القول إن اليمينيين في الغالب لا يتمسكون ببرنامجهم بعد الوصول إلى السلطة، وأوضح مثال على هذا هو الإيطالية جورجيا ميلوني، التي ابتلعت وعودها المتعلقة بإعادة اللاجئين بعد انتخابها. مع ذلك، فالأمر لا يخلو من مخاطرة. هكذا ستكون التحالفات الغربية، بما يشمل الناتو، ولكن أيضا الاتحاد الأوروبي في مواجهة مستقبل غامض، حيث تبنى استراتيجية اليمين المعلنة على الانكماش والتركيز على البعد الوطني مع انخراط على أقل مستوى في التجمعات الإقليمية والدولية.
هناك بعد اجتماعي أيضا، حيث يجب أن لا ننسى أن اليمين يعني استعادة التقاليد المحافظة، ما سيؤثر على صرعة دعم المثليين، وإعادة تعريف الأسرة، فحتى لو لم يحدث انقلاب كامل في التوجهات الرسمية، فإن المؤكد أن حكومة يمينية لن تكون شديدة الحماس في ما يتعلق بحقوق أصحاب التوجهات الجنسية غير التقليدية، ومثل هذا يمكن أن يقال عن قضايا البيئة والاحتباس الحراري و»الاقتصاد الأخضر». يصر جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» والنجم الأبرز في تحالف «الجبهة الشعبية» على تنفيذ البرنامج اليساري، الذي وعد الناخبين به، ذلك البرنامج كان يعد بزيادة الأجور وتخفيض سن المعاش وتقديم دعم أكبر لذوي الدخل المحدود. يبدو كل ذلك جيدا بالنسبة لعامة الفرنسيين، الذين يطالبون بمزيد من الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، لكن الخبراء يعتبرون أن تنفيذ هذه الوعود الشعبوية سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الميزانية، التي تعاني بالفعل من تراكم الديون والعجز. من جهة أخرى ترى شركات ورجال أعمال، أن برامج اليسار لم تستوعب مصالحهم ولم تتعرض لدعم توسعهم، الذي يعود بالفائدة عليهم، لكنه يشمل بالضرورة فتح المزيد من الأسواق وفرص العمل. إذا كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرج من هذه الانتخابات بنتيجة متواضعة، فإن ميلانشون، الذي كان كثيرون يهدفون لإسكاته وإقصائه بسبب تغريده خارج السرب، وما اعتبر مواقف متشددة له، كان هو الرابح، الذي كسب تألقا متزايدا. في السياسة الخارجية يرتبط اسم ميلانشون بمناصرة القضية الفلسطينية، وبانتقاد الاحتلال، ما جعله معرضا للاتهامات الجاهزة بمعاداة السامية. ميلانشون لا يخفي انتقاده للسياسة الفرنسية الاستعمارية نفسها، وما تلاها من محاولات سيطرة ما بعد كولونيالية على المستعمرات السابقة. على سبيل المثال كنا ذكرنا في مقال سابق، أن ميلانشون كان حاضرا في المحاضرة التي ألقاها رئيس الوزراء السنغالي الثوري عثمان سونكو في جامعة أنتا ديوب في داكار في مايو/أيار الماضي. تلك المحاضرة المهمة والتأسيسية لسونكو، الذي كان استلم للتو مهام رئاسة الوزراء، كانت شهدت هجوما شرسا على فرنسا «الرسمية»، التي ظلت تتدخل في شؤون السنغال على مرّ عقود. شرح سونكو حينها كيف أن فرنسا، كما غيرها من الدول الأوروبية، ظلت تتلاعب بمفاهيم حقوق الإنسان، بما يخدم مصالحها. كان حضور ميلانشون في تلك الفعالية ذا دلالة، حيث بدا متفقا مع حديث سونكو ومعترفا بأن سياسة بلاده، التي تسببت في خسارتها وانسحابها من كثير من مناطق نفوذها السابقة، تستحق المراجعة.
ما يزال الأمر بعيدا عن التفكير في حكومة يسارية مطلقة، فحصول «الجبهة الشعبية» على حصة أكبر من الأصوات، لا يعني انفرادها بالسلطة، حيث لم يحصل التكتل على ما يكفي لتشكيل حكومة. بهذا ستكون الجبهة مضطرة لعقد تحالفات وتفاهمات جديدة وتقديم بعض التنازلات من أجل إشراك رموز اليمين والوسط في صنع القرار. هذا الأمر لن يكون سهلا، ليس فقط بسبب تناقضات اليمين واليسار، وإنما للاختلافات بين أعضاء التكتل اليساري نفسه. يمكن الذهاب لما هو أبعد من ذلك للتحفظ على تعبير «فوز اليسار»، فهذا يمكن أن يقال كوصف للانتخابات البريطانية، التي فاز بها حزب العمال بشكل ساحق، أما في فرنسا، وبسبب النظام الانتخابي الخاص، الذي يتطلب الحصول على نسبة أكبر من الأصوات للتمكن من الحكم، فإن الجميع يبدو عاجزا عن تحقيق أي اختراق، بما في ذلك «الجبهة الشعبية»، وإن كانت التكتل الأكبر وزنا، وفقا لنتيجة فرز الأصوات. هذه الكتلة لا تملك إلا أن ترجو أن يتم اختيار رئيس وزراء منتميا إليها خلفا للماكروني غبريال أتال، الذي يتوقع ألا يطول بقاؤه في هذا الموقع.
أتت هذه الانتخابات في وقت تحتاج فيه فرنسا لإجابات عن أسئلة مهمة، على رأسها تحديد سن المعاش وأولويات الميزانية وصلاحيات الرئيس وحدود تدخله، وكلها نقاط على درجة عالية من الأهمية، ولا تحظى بين الأحزاب المختلفة بالاتفاق والاجماع الكافي. هذا محبط بلا شك بالنسبة للملايين، الذين صوتوا بحماس من أجل خلق اختراق وتغيير. هؤلاء الناخبون سوف يتضاعف إحباطهم، إذا ما علموا أن الحال سيبقى على ما هو عليه لأجل غير مسمى، بانتظار الوصول إلى توافق هو في حكم المستحيل.





