إيطاليا تلغراف: في خضم بحر من الانتقادات والجدل، يطفو إلى السطح سؤال جوهري: لماذا يُنتقد نظام الكفالة في السعودية بشدة بينما تمر أنظمة أخرى في العالم دون انتباه؟ أليس من الغريب أن تتوجه السهام نحو هذه الأرض المباركة التي طالما كانت ملاذاً لمن قصدها، بينما تُغفل أنظمة أشد صرامة وعزلة في أماكن أخرى؟
أرض المملكة العربية السعودية ليست كسائر الأراضي، فهي أرض مباركة من السماء، اختارها الله مهداً لرسالاته و لخير الأنبياء، وجعل فيها بيته الحرام وقبلته للمسلمين أجمعين. هذه الأرض، التي يسري فيها عبق التاريخ وروح الإيمان، تستحق أن تُنصف حين يُكتب عنها وحين يُحكم عليها. كيف لا وهي التي احتضنت الملايين من الوافدين، ممن جاؤوا بأحلامهم بحثاً عن حياة أفضل؟ ومن هنا، فإن محاولات تشويه صورتها، سواء بأفلام خيالية أو بحملات مغرضة، لن تغير من حقيقة أنها ستظل رمزاً للبركة والخير، مهما حاول الأعداء مسخها، لأن الشيء إذا باركه الله لن يمسخه الهندي.
نظام الكفالة في السعودية، كغيره من الأنظمة، وُجد في سياق تاريخي واجتماعي محدد، ليحقق توازناً بين احتياجات اقتصاد ذلك الوطن الطاهر وحقوق العمال الوافدين. وقد ساهم هذا النظام في بناء صروح تنموية عظيمة جعلت من السعودية قبلة للاقتصاد والعلم والعمل. فلا يمكننا أن نغفل كيف كانت تلك الأرض الملجأ والمأوى لملايين البشر، من كل حدب وصوب، بفضل نظام قانوني مكّنها من استيعابهم وتنظيم حياتهم.
وحين نتحدث عن النقد، ينبغي أن نتساءل: لماذا يُنتقد نظام الكفالة في السعودية بشكل مكثف، بينما يتم تجاهل أنظمة الهجرة والعمل في دول أخرى، لن أتكلم عن دول في الخليج لديها نفس النظام، لكن سأذهب إلى أبعد من ذلك، إنها أمريكا و عروسته أوروبا، التي غالباً ما تكون أشد قسوة وعنصرية؟ في هذه البلدان الغربية، يُواجه الوافدون متاهة من الشروط والمعايير التي تفصلهم عن حياة كريمة. فهناك، حيث الجدران العالية لا تُبنى من طوب فقط، بل من قوانين صارمة تحاصرهم و تخنقهم، ولغة وثقافة و تقاليد يجب عليهم أن يتبنوا تفاصيلها بدقة و يقبلوا بأمر زواج الرجل بالرجل و نكاح المرأه للمرأة و اياهم أن يستهزؤوا أو تشتموا أو يقفوا ضد ذلك وإلا عُزلوا على هامش المجتمع أو اتهموا بتهم ثقيلة. في أمريكا، تُفرض قيود مشددة على تأشيرات العمل وتُعاني الجاليات الأجنبية من صعوبات كبيرة في الاندماج. أما في أوروبا، يُجبر العمال الموسميون، مثل النساء المغربيات اللواتي يُجلبن لجني الفراولة، على العمل في ظروف قاسية تحت عقود مؤقتة، حيث يُعانين من معاملة غير إنسانية ويعشن في أكواخ بلاستيكية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، بل توجد حتى شكايات قضائية في اغتصاب بعضهن من طرف الإسبان. فلماذا لا يُنظر إلى هذه الأنظمة بنفس القدر من النقد الذي يُوجه لنظام الكفالة في السعودية؟ في إسبانيا، قد يجد الوافد نفسه أمام عقود عمل مؤقتة أو مشروطة، تُجبره على قبول كل شيء دون اعتراض، وإذا اعترض، فإنه يُطرد دون رجعة. أما في الولايات المتحدة، فالتعقيدات تتزايد، حيث يعمل الكثيرون في ظروف غير مستقرة تحت عقود مؤقتة وساعات عمل متقلبة، قد تنتهي فجأة دون أدنى تعويض.
وفي هذا السياق، تظهر المفارقة جلية حين تقارن بالسعودية. هناك، على تلك الأرض الطاهرة، هناك جهود صادقة للإصلاح و التطوير تُبذل و مبادرات جديدة لتحسين الأوضاع وتطوير نظام الكفالة بما يعزز من حقوق العامل ويعطيه حرية أكبر في التنقل و تغيير العمل و مغادرة البلاد و العودة اليها دون قيود خانقة. في السعودية، برغم كل التحديات التي تواجهها، تسعى بجد إلى الإصلاح وتطوير منظومتها القانونية والاجتماعية.
هذه الإصلاحات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي خطوات عملية تهدف إلى رفع مكانة الإنسان العامل، ليشعر بأنه ليس غريباً في تلك الأرض، بل هو جزء من نسيجها الحي.
وفي هذا السياق، يعرض الفيلم الهندي “حياة الماعز” معاناة أحد العمال الأجانب في السعودية، حيث يُدعى “نجيب” الذي عاش تجربة قاسية ضمن نظام الكفالة. لكن من المفارقات أن هذا الفيلم، الذي يُبرز معاناة نجيب في السعودية، يتجاوز الصعوبات التي عاشها ثلاثون عامًا في وطنه الهند، حيث عاش بين الفقر والقمع والاستبداد. لماذا لم يُسلط الضوء على تلك المعاناة الطويلة والمريرة في بلده، بدلاً من التركيز على فترة قصيرة من حياته في السعودية؟
إضافة إلى ذلك، يبرز الواقع الهندي المعقد؛ حيث تُوجه انتقادات أيضاً تجاه صمت نجيب على خطاب الكراهية ودعوات الإبادة الجماعية ضد المسلمين في الهند. كما أن حوادث مثل أعمال الشغب في دلهي عام 2020، حيث تم استهداف المسلمين بشكل وحشي و عنصري، وتزايد حالات الإعدام خارج نطاق القانون على يد الغوغاء باسم حماية الأبقار، أدت إلى تفاقم المخاوف من تزايد التعصب في ظل حكم مودي. لماذا يُنتقد نظام الكفالة في السعودية بينما يُغفل الاستبداد والتعصب في الهند؟
إن المعايير المزدوجة التي يتبناها البعض في نقد أنظمة معينة، بينما يتجاهلون الصعوبات التي تعاني منها دول أخرى، تجعل من النقد أمراً مشكوكا فيه.
إن المملكة العربية السعودية، بحضارتها وتاريخها وأرضها المقدسة، تستحق نظرة عادلة ومتوازنة. فالنقد، حين يُبنى على مغالطات أو انحياز، يفقد قيمته ويصبح أداة للتشويه بدلاً من الإصلاح. لا يمكننا أن ننسى أن تلك الأرض، مهما حاول البعض أن يُمسخها، ستبقى مباركة ومعطاءة من كل الثمرات. وعلى كل من يقصدها أن يرى فيها ما وراء الرمال والجبال، أن يشعر بقدسية المكان وروحانيته، قبل أن يُطلق أحكامه. هي أرض لا يحبها إلا من هو محبوب في السماء، ولا يبغضها إلا من هو مبغوض في السماء.
لكن لا أستغرب من ذلك لما أقرأ قوله تعالى : ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات.
الله قال ‘من الناس’ و لم يجعلها مطلقة للناس أجمعين ، فهنيئا للمحبين و مرّاً للمبغضين.
كما أن حب الله و حب رسول الله لتلك الارض عميق و ثابت، لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم هجرته قال مشيرا الى أرضه :” والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وإنك لأحب بلاد الله إلي”.
فالمملكة ليست مجرد نظام، بل هي وطن للقلوب المؤمنة، أرض أكرمها الله ببيت حرام، وزرع فيها روحاً تسري في كل من يطأ ترابها. لذا، دعونا نكون منصفين في نظرتنا، ننتقد حيث يجب النقد، ونُقر بالإيجابيات حيث تظهر، ونسعى جميعاً لتحسين ما يحتاج إلى تحسين، دون أن نغفل عن البركة التي تحيط بتلك الأرض، مهما حاول أهل الأرض أو الأعداء تشويهها.





