يا نتنياهو، لا تفسد علينا مسرحية العدالة

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

العالم اليوم على موعد مع كوميديا سوداء جديدة، بطلتها بعض الدول الأوروبية التي هرولت لإعلان التزامها الصلب بقرارات المحكمة الجنائية الدولية، وكأنها تستعد لعرض مسرحي كبير في ساحة العدالة الدولية. مذكرة الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بدت وكأنها مشهد من دراما هوليوودية، تهافتت دول أوروبا لتأدية أدوار البطولة فيها، لكن بأسلوب يثير الشفقة أكثر من الإعجاب.

البداية مع إيطاليا، بطل المسرحية الكوميدية، حيث خرج وزير دفاعها بتصريح مثير للدهشة: “إذا دخل نتنياهو بلادنا، سنضطر لاعتقاله”. عبارة تبدو في ظاهرها شجاعة قانونية، لكنها في جوهرها تعبير عن خوف هزلي: “يا نتنياهو، أرجوك لا تختبرنا”. فإيطاليا، التي تُعد من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، تعلم جيدا أن تنفيذ مثل هذا القرار قد يكلفها سياسيا أكثر مما تتحمل. هل نتخيل للحظة أن روما ستغامر بعلاقاتها مع تل أبيب، الشريك الاقتصادي والعسكري؟ بالطبع لا. إنها مجرد ضربة استعراضية على خشبة المسرح الدولي.
ثم تأتي فرنسا، بطل آخر، لكن دون سيناريو لتأخذ “علما” بقرارات المحكمة. آه، فرنسا، صاحبة التاريخ الطويل في “أخذ العلم” دون فعل حقيقي. يُقال إن باريس تؤيد العدالة الدولية وتدعو لاحترام القانون الدولي الإنساني. لكن مهلا، متى كانت فرنسا آخر مرة التزمت بموقف قانوني دولي عندما تعارض مع مصالحها؟ فرنسا، التي لطالما دعمت الحكومات الاستعمارية والصراعات في إفريقيا وانقلاباتها، تريد الآن أن تُقنعنا بأنها حارس العدالة العالمية. إنها كما لو كانت تقول لنتنياهو: “لا نريدك هنا، ليس لأننا شجعان، بل لأننا لا نريد أن نحرج أنفسنا أمام الكاميرات.”

أما تصريحات السياسيين الفرنسيين، فهي أكثر تسلية من نصوص المسرحية نفسها. زعيمة حزب الخضر ترى أن القرار “عاقبة لا مفر منها”، ورئيس الحزب الاشتراكي يدعو لوقف تسليح إسرائيل، بينما يطالب آخرون بإنهاء “الإبادة” في غزة. كلمات رنانة تخطف الأضواء، لكنها لا تتجاوز كونها شعارات فارغة. من الواضح أن هؤلاء السياسيين يمارسون هوايتهم المعتادة: توجيه اللوم بأعلى صوت، مع تجنب أي فعل يمكن أن يُفسر كالتزام حقيقي. إنها أشبه بحفلة تنكرية، حيث يرتدي الجميع أقنعة العدالة بينما يتابعون مصالحهم خلف الكواليس.
ولكن المسرحية لا تتوقف عند فرنسا وإيطاليا. دخلت إيرلندا على الخط، حيث صرح رئيس وزرائها سايمون هاريس بحماس: “نعم، سنعتقل نتنياهو إذا جاء إلى إيرلندا.” لكن السؤال هنا: هل كان نتنياهو يفكر في زيارة دبلن حقا؟ يبدو التصريح أشبه بمحاولة لجذب الأضواء نحو إيرلندا كمدافع عن العدالة الدولية. أما سلوفينيا، فقد أعلن رئيس وزرائها روبرت غولوب أن بلاده ستلتزم بشكل كامل بتنفيذ قرار المحكمة. إعلان جميل، لكنه يبدو كتصريح نظري أكثر منه التزاما عمليا.
وفي ألمانيا، جاء الرد أكثر حذرا. أعلنت الحكومة أنها “ستدرس خطواتها بعناية”، وكأنها تريد أن تبقى في منطقة آمنة دون التورط في قرارات قد تؤثر على مصالحها. أما كندا، فقد أكد رئيس وزرائها جاستن ترودو أن بلاده ملتزمة بلوائح المحكمة الدولية وأحكامها، بينما اكتفت بريطانيا بتصريح مقتضب يؤكد احترام استقلال المحكمة، دون أي إشارة إلى خطوات عملية.
حتى هولندا، التي ألغى وزير خارجيتها زيارة لإسرائيل، أعلنت استعدادها لتنفيذ قرار المحكمة. ومع ذلك، يبدو أن كل هذه التصريحات لا تتجاوز نطاق الاستعراض السياسي، بينما يظل الفعل الحقيقي غائبا.

في الحقيقة، الرسالة الضمنية واضحة: “يا نتنياهو، ابق بعيدا عن أراضينا حتى لا نضطر لفعل ما يورطنا.” وكأنهم يقولون له: “نحن مع العدالة، ولكن بشرط ألا تكون أنت في نطاقنا الجغرافي.” هذا النوع من التصريحات ليس إلا وسيلة لتلميع الصورة أمام الشعوب الأوروبية المتعطشة لرؤية حكوماتها تتخذ مواقف أخلاقية، ولو كانت زائفة.
المسرحية مستمرة، هذه الدول تعرف جيدا أنها لن تواجه نتنياهو أبدا. إنه بطل محصن داخل حدود دولته، حيث الدعم الأمريكي والإسرائيلي الداخلي يمنحانه حماية من أي مساءلة. أما أوروبا، فتكتفي بدور المشاهد المتحمس، الذي يصفق للعدالة وهو يعلم تماما أنها مجرد أداء على خشبة المسرح السياسي.
يا نتنياهو، لا تدخل بلادهم، ليس لأنهم سيعتقلونك، بل لأنهم لا يريدون أن يفسد حضورك عليهم استعراضهم الزائف للعدالة.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...