ذ.توفيق بوعشرين
هل الدولة تملكنا ام نحن من يملكها ؟ هل الدولة كيان اعتباري مفصول عن الأشخاص الذين يديرونها أم بالعكس الدولة ملك خاص لمن يتحملون مسؤولية ادارتها ؟ ما الفرق بين الدولة والنظام والحكومة ؟
عمر الدولة في كل التاريخ البشري حوالي 3000 سنة، بدأت من خلال التقاء ثلاث تحولات كبرى وهي :
1/ الانتقال من الحياة البدوية القائمة على الصيد وجمع الحبوب وثمار الأشجار، إلى الاعتماد على الزراعة في رقعة جغرافية محددة، وهو ما استدعى اختراع بنيات ومؤسسات قادرة على التنظيم وبسط السلطة ، ان نظام الري الناجح الذي ساعد على زرع أنواع معينة من الأشجار والنخيل والزيتون ربط كل هذا بالأرض وتوفير غذاء للجماعة/ الدولة
2/ الدين او الأسطورة او ما بينهما : أهمية الدين في تشكيل الدولة انه عوض هشاشة العلاقات غير القرابية التي كانت سائدة وسط القبائل وضعفت لما انتقلت الجماعات للعيش في مكان واحد دون رابطة الدم، هنا لعب الدين دورالاسمنت الذي سيربط الأفراد بعضهم ببعض ، ويخلق مشترك غير الدم والقرابة العائلية ،ثم لعب الدين دور توفير الشرعية السياسية لمن سيحكم هذه الجماعة البدائية التي كانت من قبل مفرطة في القهر والعنف والقتل، جاء الدين ليخفف من غلواء السلطة ويبني أسسا أخرى للشرعية إلى جانب القوة طبعا
3/ العنصر الثالث الذي ساهم في تاسيس الدولة هو القوة العسكرية المنظمة التي منحت للدولة ميزة تنافسية على ما دونها من تنظيمات ما قبل دولتية ومن وسط القوة العسكرية انبثقت الإدارة والنظم .
الأرض المزروعة إذن، مع الدين الذي يحيل إلى سلطة إلاهية، مع القوة العسكرية، هي التي رسمت حدودا جديدة على جغرافية محددة ،ونمط انتاج معين وسلطة لها القدرة على احتكار العنف والقوة ( انظر الدولة نظريات وقضايا تحرير كولن هاي وميكل ليستر )
تلك هي بداية الدولة التي نعرفها اليوم، والتي بدأت إرهاصاتها الأولى في بلاد ما بين النهرين ومناطق في امريكا الوسطى ونهر السند والصين والبيرو وعلى ضفاف نهر النيل …تلك هي بشائر ميلاد الدولة الأولى في الاجتماع البشري.
ظلت الدولة في وسط ديناميات كثيرة ومعقدة تتطور صعودا ونزولا إلى غاية القرن 15 حيث حاولت كتب ومولفات مرايا الأمراء miroir for prince وأشهرهم كتاب الأمير لميكيافلي (1523 ) والذي ربط الدولة باميرها Lo stato وجعل الاثنين مرادفا للنظام السياسي وللقطعة الجغرافية التي تبسط الدولة سيادتها عليها ، ثم جاء دانتي وحاول إضفاء طابع مدني على الدولة في محاولة للتخفيف من الطابع الفردي والعسكري لدولة القرن 15 أنها فكرة الجمهورية التي ولدت مع بداية حركة النهضة التي رسمت للدولة وظيفة جديدة وهي خدمة الشعب …
تطور مفهوم الدولة العصرية في أوروبا على مدار قرون في مناخ سياسي وثقافي وتاريخي يمتح من ثلاث مصادر :
1/ ثقافة الإغريق والرومان
2/ الدين المسيحي وهو فرع عن ديانة اليهود
3/ ثقافة المحاربين الجرمان الذين أغاروا على الإمبراطورية الرومانية وداهموا أراضيها .
ثم تحولت الحضارة الغربية إلى حضارة عالمية فرضت نفسها على العالم بالغزو والاستعمار وقوة الأفكار والصناعة والتيكنولوجيا ،واليوم العالم كله يستخدم اكتشافات العلم والتيكنولوجيا التي تدفقت على الحضارة الأوروبية ولو أنها كانت عملية تراكمية جاءت مع ثقافات وحضارات أخرى …هذا عن التاريخ، ماذا عن الحاضر هل نحن في دولة ميكيافيل او دولة دانتي أم مزيج بين الاثنين في مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة انتظر أجوبتكم على هذه الاسئلة لنطور نقاش هادئ ومفيد حول اسئلة الراهن والأصعب اسئلة المستقبل ….





