* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
يُحِيل مفهوم الشّعْبوِيّة (Populism)، إلى فهم سياسي واجتماعي ونهج يقدم أصحابه أنفسهم على أنهم “صوت الشعب” في مواجهة “خطاب النخبة” أو “ خطاب المؤسسات الحاكمة”. ومن مظاهر الشّعْبوِيّة، نجد:
– عنصر التفاعل القائم على الخِداع والتضليل واعتماد أسلوب التّهرِيج وخطاب الحَلْقَة (كما هو الحال في ساحة جامع لفنا بمدينة مراكش). وهو مشروع متكامل الأركان والبنيان في حد ذاته، ولا أمل في الخروج من دائرته؛ إلا عندما يصطدم أصحابه بالواقع.
– خطابات وسياسات تدغدغ المشاعر وتحاول استقطاب الجماهير من خلال تبسيط القضايا وتوظيف مشاعر الهوية الجماعيّة ضد الخصوم السياسيين أو الفئات النخبوية.
* الشّعْبوِيّة أنواع:
1. الشعبوية اليساريّة: أو السيطرة المجهولة اجتماعيّاً، وتركز على قضايا العدالة الاجتماعيّة، وتعارض النخب الاقتصاديّة، وتنادي بإعادة توزيع الثروة لصالح الفئات الفقيرة. (فكر المعسكر الاشتراكيّ والشيوعي).
2. الشعبوية اليمينيّة: وترتبط غالبًا بالقوميّة، ورفض المهاجرين، ومعاداة المؤسسات الدولية، مع تقديم خطاب يكرس الهوية الوطنية أو الثقافية.
3. الشعبوية السلطويّة: وتعتمد على أفكار زعيم قوي يدعي تمثيل إرادة الشعب دون الحاجة إلى مؤسسات ديمقراطية تقليدية.
* ومن تمظهرات الشّعْبوِيّة، نجد:
1. تعتمد على استخدام خطاب عاطفي بسيط ومباشر.
2. تقسيم أفراد المجتمع إلى “فئات نقية” في مقابل “نخبة فاسدة”.
3. الترويج لحلول سهلة لمشاكل معقدة.
4. الاعتماد على شخصية كاريزمية قادرة على تحفيز الجماهير.
الشّعْبوِيّة قد تكون ديمقراطية عندما تعبر عن مطالب حقيقية للشعب، لكنها قد تتحول إلى أداة لزعزعة الاستقرار السياسي إذا استُخدمت لنشر الانقسامات وتقويض المؤسسات.
الشّعْبوِيّة تتمَدّد بسبب الفراغ؛ وفكرة الفراغ، يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم تصاعد الشّعْبوِيّة، حيث إن هذه الحركات غالبًا ما تزدهر عندما يكون هناك فراغ سياسي وفكري أو تمثيلي. وهذا الفراغ يتجلى في عدة أشكال وتمظهرات، منها:
1. فراغ في الشرعية السياسية: عندما تفشل النخب التقليدية في تقديم حلول فعالة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، أو تفقد مصداقيتها بسبب الفساد أو العجز عن التكيف مع متغيرات العصر، يصبح المجال مفتوحًا أمام الشعبويين لملء هذا الفراغ عبر تقديم خطاب بديل يعتمد على تبسيط القضايا والوعود الجذرية.
2. فراغ أيديولوجي: مع تراجع الإيديولوجيات الكبرى (مثل الاشتراكية والليبرالية التقليدية) وعدم قدرتها على الاستجابة لتحديات العصر الحديث، ظهر الشعبويون ليعيدوا تشكيل المشهد السياسي عبر شعارات أكثر ارتباطًا بالمشاعر والهويات بدلاً من البرامج الاقتصادية والاجتماعية المدروسة.
3. فراغ في التمثيل الشعبي: عندما تشعر فئات واسعة من المجتمع بأنها غير ممثلة في المؤسسات السياسية، سواء بسبب هيمنة نخب مغلقة أو بسبب ضعف الأحزاب التقليدية، يجد الشعبويون فرصة لتقديم أنفسهم كصوت حقيقي لـ”الشعب” ضد “النخب الفاسدة”.
4. فراغ في الأداء المؤسساتي: ضعف المؤسسات الديمقراطية، وبطء اتخاذ القرار، والتراكم البيروقراطي، كلها عوامل تجعل الجمهور يبحث عن بدائل تعد بالفاعلية والقرارات السريعة، حتى لو كانت خارج الأطر التقليدية.
5. فراغ ناتج عن التغيرات الاجتماعية والثقافية: عندما تتغير المجتمعات بسرعة بفعل العولمة أو التحولات الديموغرافية، يشعر البعض بأن القيم التقليدية مهددة، ما يخلق فراغًا نفسيًا وثقافيًا تستغله الحركات الشعبوية عبر الترويج لخطاب الهوية والحنين إلى الماضي.
في هذا السياق، الشّعْبوِيّة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي استجابة مباشرة لهذا الفراغ في مختلف مستوياته. وبالتالي، كلما زاد الفراغ، زادت فرص التمدد الشّعْبوِي.
فقد لوحظ أنها أصبحت تتنامى وتتصاعد بشكل مخيف جداً بسبب تراجع الأيديولوجيات الكبرى مع ضعف الأحزاب التقليديّة التي كانت تقوم على أساس إيديولوجيات قويّة (مثل اليسار التقليدي أو الليبرالية الكلاسيكية)، حيث ظهرت الحركات الشعبوية كبديل يركز على رموز الكاريزما والخطاب العاطفي. وكذا الأزمات الاقتصادية والسياسيّة والاجتماعية وتزايد الفجوة والفوارق بين الطبقات وتفشي البطالة وتراجع مستوى الخدمات العامة؛ الشيء الذي يدفع بفئات واسعة من المجتمع إلى البحث عن بدائل سياسية خارج المنظومة التقليديّة. بالإضافة إلى انعدام وفقدان الثقة في النخب السياسيّة ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والعولمة والتغيرات الثقافية…
لكن ما هي مفتاح الحل والتصدي لمواجهة تمدد الشّعْبوِيّة؟
التصدي يكمن في ضرورة معالجة جذور الفراغ بدلًا من الاكتفاء بمواجهته بخطابات مضادة. هذا، ويمكن النظر إلى الحل عبر عدة مستويات متعددة، منها:
1. استعادة الثقة في المؤسسات السياسية، وذلك من خلال تعزيز مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد بجدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ لأن غياب المصداقية، هو ما يمنح الشّعْبوِيّين شرعية في نظر الجماهير.
– تقوية الديمقراطية التشاركية عبر آليات تمكن المواطنات والمواطنين من التأثير في القرارات، بدلًا من الشعور بالتهميش. وتحسين الأداء الحكومي عبر سياسات فعالة تستجيب لاحتياجات المواطنين بدلًا من ترك المجال للوعود الشعبوية.
– إعادة بناء الأيديولوجيات والسياسات العامة، وذلك من خلال مصفوفة تشمل:
– تحديث الأيديولوجيات التقليديّة وجعلها أكثر قدرة وفاعلية على تفسير الواقع الحالي والاستجابة لتحدياته، بدلًا من ترك المجال فارغًا أمام الخطابات العاطفية والمبسطة.
– تطوير رؤى سياسية جديدة تجمع بين الواقعية والطموح، بحيث يشعر المواطن بأن هناك بدائل حقيقية غير الخطابات الشعبوية.
2. سد الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال:
– تقليص الفوارق بين مختلف الطبقات عبر سياسات اجتماعية واقتصادية عادلة تمنع الشعور بالتهميش والإقصاء.
– خلق فرص عمل وتحقيق تنمية محليّة مستدامة ومنسجمة، بحيث لا يشعر الناس بأنهم متروكون لمصيرهم وحدهم.
– إصلاح النظام التعليمي ليكون أكثر قدرة على خلق وعي نقدي يحصن الأفراد ضد الخطابات الشعبوية المبسطة.
– تحسين وتقوية دور الإعلام والمجتمع المدني، من خلال تعزيز دور الإعلام المستقل القادر على تقديم معلومات دقيقة وموضوعية، بدلًا من ترك الساحة للمنصات التي تروج للأخبار الزائفة والخطابات العاطفية.
– دعم المجتمع المدني ليكون جسرًا بين الدولة والمواطنين، حيث يساهم في معالجة قضايا الهشاشة الاجتماعية والسياسية.
3. خلق هوية وطنية متجددة ومتوازنة، وذلك من خلال:
– تقديم خطاب وطني شامل يدمج مختلف الفئات، بدلًا من ترك الشّعْبوِيّين يستغلون مخاوف الهوية والانقسامات الاجتماعية.
– تحقيق توازن بين الانفتاح الثقافي والحفاظ على الخصوصية الوطنية، حتى لا يشعر الناس بأن العولمة تمثل تهديدًا لهم.
بالتالي، فإن الحل لا يكمن في محاربة الشّعْبوِيّة فقط، بل في معالجة الظروف التي سمحت لها بالنمو والتمدد أصلاً. فإذا تم تقليص الفراغ السياسي والأيديولوجي والاقتصادي، فلن تجد الشّعْبوِيّة المساحة للتمدد.
* والخلاصة:
الشّعْبوِيّة تتمَدّد حينما تجد لها أرضاً خصبةً في مجتمعات لا تتمتع بدرجة عاليّة من العقلانيّة، وتغلّب العاطفة، وبالتالي تفتقر وتنعدم فيها الفاعليّة.





