فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
حمل المؤتمر الصحافي العاصف الذي جمع الرئيسين، الأميركي ترامب والأوكراني زيلينسكي، أكثر من مجرّد مواجهة حادّة، وإحراج وقذف اتهامات.. كان زيلينسكي يجلس إلى جوار ترامب، ويتلقى الكلمات القاسية التي لا تليق برئيس جمهورية، وهو يبحث عن حلٍّ يبقي بلده بحالة تماسك، ولكنه، من جهة أخرى، يدرك أنه واقف على أرضيةٍ أوروبيةٍ داعمة أمّنت له ثباتاً في المعركة حتى اللحظة، وقد كان الرأي الأوروبي حاسماً في مواجهة الرئيس الروسي بوتين ورغبته في اجتياح أوكرانيا كلها، ولعب الرئيس بايدن في ما مضى دوراً كبيراً في دعم هذا الموقف، وإبقاء بوتين خارج إطار النصر الذي كان يخطط له، ولكن جاءت اللحظة التي فاز فيها ترامب، الذي يريد أن يثبت أن الحزب الديمقراطي على خطأ في كل ما يقوم به، مهما كان، ومن جملة اعتراضات جاء موقفه من الحرب على أوكرانيا. وبناءً على هذا الموقف، يريد ترامب أن يهدم معظم الخطوات التي جرى تبنّيها سابقاً والبناء على موقف جديد فيه مواجهة مع أوروبا ظهرت بوضوح في قمة بروكسل قبل أيام.
يحاول ترامب، ضمن سياسة قد بدأ فيها منذ ولايته الأولى، عدم التدخّل فيما وراء البحار، إلا إذا كان الطرف المستفيد مستعدّاً لدفع فواتير التدخّل، فهو يريد التقليل من المساعدات النقدية إلى أقصى حد ممكن، وإن كان مضطرّاً إلى ذلك، فينتظر مقابلاً مادّياً ويفضل أن يكون فورياً، وبرنامجه من أجل غزّة مثال جيد على ذلك. فقد أعلن عن مشروع سياحي مثمر هناك، يمكن أن يجد مستثمرين كثيرين، وتنحية السكان جانباً باعتبارهم عاملاً مزعجاً أو معرقلاً، والأموال حاضرة لمثل هذا المشروع.
ما يقلق أوروبا بالفعل موقف ترامب من خططها الدفاعية المرسومة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما زجّت أميركا بثقلها العسكري في أثناء الحرب، وثقلها الاقتصادي بعد الحرب، من خلال “مشروع مارشال” لإعادة بناء المدن الأوروبية، والمساهمة بإنشاء شبكة عسكرية دفاعية هي حلف شمال الأطلسي، ما زالت قائمة، وتقوم بوظائف أمن رئيسية، كان لها فضل كبير في وقف أزمات أوروبية خطيرة، وأزمة أوكرانيا اليوم واحدة منها، ويرغب ترامب في أن يغير كل شيء، وخطابه مع زيلينسكي جزءٌ من رغبته هذه.
مهّد زعماء أوروبا قبل أن يحضروا مؤتمر بروكسل إلى ما يجب أن تكون عليه نتيجة المؤتمر، وقال رئيس المفوضية إن أوروبا في خطر، ويجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها. وتدرس ألمانيا حالياً خطّة استثمارات ضخمة لتعزيز جيشها، وهي في حالة استعداد لسيناريوهات سيئة. أما الرئيس الفرنسي، ماكرون، المتضرّر الأكبر وصاحب الصوت الأعلى، فقد استبق الاجتماع بدعوة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة “حقبة جديدة”، وقال إنه سيناقش توسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليشمل الشركاء الأوروبيين، وهي فكرة رحّبت بها بولندا التي تمثل القوة الشرقية الرئيسية، وتتخذ مواقف في منتهى الحدّة من بوتين. أما زيلينسكي الذي تعقد هذه الحفلة على شرفه، فاختار أن يكون حذراً جدّاً، وقد خبر لسان ترامب السليط، فقال إن أوكرانيا ليست وحدها. قالها وهو يقف إلى جانب زعماء أوروبا المجتمعين، ولم ينسَ الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، فذكر أن محادثات ستجري مع الولايات المتحدة، وفي السعودية بالذات التي شهدت قبل أسبوعين ولادة محادثات سلام بين وزيري خارجية روسيا وأميركا.
جرّب الرئيس ترامب خطط النأي بالنفس في ولايته السابقة، وكان قد وجّه انتقادات كبيرة لحلف الأطلسي، من دون أن يقوم بخطوات عملية. ويعيد السيناريو نفسه، ويأخذه الأوروبيون مرّة أخرى على محمل الجدّ، ويباشرون مخطّطاً دفاعياً مشتركاً يتضمّن الخطط النووية، لكن الحرب مشتعلة، ويفكّر الجميع في إطفائها. أما الاختلاف، فهو على كلفة ذلك، فترامب يريد “أرخص” وسيلة، فيما يفضل الأوربيون الوسيلة التي تضمن عدم اندلاعها مرّة أخرى.





