المغرب والتسلح: هل هي ضرورة استراتيجية أم سباق غير محسوب؟ أم فقط “مكره أخوك لا بطل”؟
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
أثار انتباهي سؤال يتعجب أصحابه حول هدف المغرب من التسلح؛ في إشارة واضحة إلى اقتناء بلدنا أخيراً لترسانة من الأسلحة الجد متطورة من الصين لتعزيز القدرات الجوية للقوات المسلحة الملكية، في مجال مراقبة الحدود وتنفيذ مهمات الضربات الدقيقة لردع مختلف التحرشات، في ظل تصاعد التهديدات على حدوده الجنوبيّة والجنوب شرقيّة، ومنها تحركات الجماعات الانفصاليّة المسلحة المدعومة من نظام عسكر الجزائر وآخرين مِن دُونِهِمْ، إضافة إلى دعم وتعزيز إستراتيجيّة القدرات الدفاعيّة وتوطين وتوطيد مختلف برامج الصناعات العسكريّة التي ينهجها المغرب.
وكذلك في إطار تحديث قواته المسلحة وتعزيز قدراتها الدفاعية والهجوميّة، كخطوة نوعيّة ستساهم في تعزيز التفوق الجوي المغربي من طرف البلد الحليف المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية.
فما وجه الغرابة في أن يتسلح المغرب لحماية البلاد والعباد ومصالحه الاستراتيجية؟
للمرافعة والدفاع عن موقف بلدنا في هكذا مواقف؛ علينا استخدام استدلالات متنوعة: تعتمد على حجج عسكريّة دامغة وجيوسياسية ودينيّة، لدعم رأينا مما يجعله مقنعًا لفئات مختلفة من القرّاء.
أيضا على المحامي في هذه القضية أن يربطها بالسياق العام الإقليمي والدولي ويُبرز التهديدات المحتملة التي يواجهها المغرب، سواء من قبل الجماعات المتطرفة المسلحة أو الانفصاليّة أو من دول مجاورة، مما يعطي مبررًا لتعزيز التسلح.
كل وجهة نظر داعمة لتوجه المغرب في التسلح، والدفاع عن حق الدولة المغربية في تعزيز قدراتها الدفاعيّة لمواجهة التهديدات المحتملة، عليها أن تسلك أسلوبًا، يجمع بين التحليل السياسي والسياق العام التاريخي والديني، لإضفاء الشرعيّة على موقفه، وحتى لا يسقط في التحليل الأحادي الجانب الذي يغلب عليه الطابع التبريري والاعتماد على خطاب عاطفي يُضفي طابعًا تعبويًا أكثر من كونه تحليلًا عقلانيًا بحتًا بعيداً عن التحليل التركيبي المتوازن وإغفال طرح الجوانب والتبعات الاقتصاديّة والطرق الديبلوماسية، دون تقديم رؤية نقديّة أو تساؤلات حول مدى أولويات الإنفاق العسكري مقارنة بالإنفاق على قطاعات أخرى ذات أولوية مثل: الصحة والتعليم والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية… وغيرها. وعدم الإشارة إلى تبعات التسلح واحتمالات هذا السباق في المنطقة وتأثيره على العلاقات الإقليميّة أو على الاقتصاد الوطني.
مع أنه حتى الأنبياء والرسل كانوا يتسلحون بالعصي والسيوف والدروع والخيل والرماح..! فعندما سئل نبي الله مُوسَىٰ حول سلاحه الشخصي الذي يحمله حسب ظروف وقرات تلك الفترة الزمانية ك: (مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ؟ قَالَ: هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ.)
شيء طبيعي أن يكون للشعوب سلاح تحميها من الذئاب المتربصة بها.
شيء طبيعي أن يستعد كل شعب لجميع الاحتمالات المحدقة به؛ في زمان كان الْخَيْلِ والسيف والرمح لإرهاب الإعدام والآخرين في الخفاء؛ والآن زمان الأباتشي والمسيّرات والـ (F16) و (F35) وهو ترخيص من الله: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم من قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ.)
لكن من هُم هؤلاء الأعداء وَالآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ الذين لا يعلمهم إلا الله، المُراد الاستعداد لهم لارهابهم عن طريق الردع والقُوَّة؟
في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة، برز تساؤل حول هدف المغرب من تعزيز ترسانته العسكرية، خاصة مع اقتناء معدات عسكرية متطورة من الصين والولايات المتحدة، مثل الطائرات المسيّرة (العقرب ثنائي الذيل) والمروحيات الهجومية (أباتشي AH-64E). هذه الخطوة، التي تأتي في إطار تحديث الجيش المغربي، تُفسَّر بكونها ضرورة لحماية السيادة الوطنية، وتأمين الحدود الجنوبية والجنوب الشرقية، وردع أي تهديدات محتملة من الجماعات المسلحة والانفصالية المدعومة خارجيًا.
علينا استحضار خمسة أبعاد رئيسية:
أولاً: لماذا التسلح؟ رؤية استراتيجية وليست خيارًا عشوائيًا:
التسلح ليس مجرد خيار بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها معطيات الواقع الجيوسياسي. فالمغرب، كأي دولة ذات سيادة، يسعى للحفاظ على أمنه القومي، خاصة في ظل تنامي التحديات الأمنية الإقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز القدرات الدفاعية لا يمكن اعتباره أمرًا مستغربًا، بل هو جزء من واجبات الدولة لضمان الاستقرار الداخلي وردع أي اعتداءات محتملة.
* ثانياً: بين الأمن القومي ومتطلبات التوازن الإقليمي:
إن تعزيز الترسانة العسكرية المغربية يأتي أيضًا ضمن رؤية أوسع لتحقيق التوازن العسكري في المنطقة، حيث تشهد منطقة شمال إفريقيا سباق تسلح متسارع. فكما تستثمر الدول المجاورة في تحديث قواتها، من المنطقي أن يسعى المغرب بدوره إلى تطوير قدراته الدفاعية، ليس بدافع الهجوم بل لضمان التوازن الاستراتيجي.
* ثالثاً: البعد الاقتصادي والدبلوماسي: هل هناك ثمن؟
رغم أهمية التسلح في حماية السيادة الوطنية، إلا أنه يفرض أيضًا تساؤلات حول كلفته الاقتصادية وتأثيره على أولويات التنمية. فشراء المعدات العسكرية الحديثة يتطلب ميزانيات ضخمة، ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى تأثير هذه الاستثمارات على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. هل يمكن تحقيق التوازن بين الأمن العسكري والتنمية الاقتصادية دون الإخلال بأي منهما؟
* رابعاً: التسلح كخيار سيادي مشروع:
تاريخيًا، لم تكن الحروب والصراعات محصورة في عصر دون آخر، بل هي ظاهرة مستمرة بأشكال مختلفة. فإذا كان السيف والرمح أدوات الردع في الماضي، فإن الطائرات المسيّرة والمقاتلات المتطورة هي أدوات الدفاع في الحاضر. من هذا المنطلق، فإن امتلاك قوة ردع عسكرية ليس ترفًا بل ضرورة استراتيجية يُقرها الواقع.
* خامساً: التسلح بين الضرورة والمسؤولية:
إن حق المغرب في التسلح مشروع ومبرر من منظور الأمن القومي، لكنه في الوقت ذاته مسؤولية تتطلب حكمة في التوازن بين القدرات العسكرية والأولويات الاقتصادية والاجتماعية. فالتفوق العسكري يجب أن يكون مدعومًا برؤية تنموية شاملة تضمن الاستقرار الداخلي والتقدم الاقتصادي، حتى لا يتحول الإنفاق الدفاعي إلى عبء على مسار التنمية.
* الخلاصة:
كلّ شعب بآماله وأحلامه وآلامه وأزماته ومعاناته اللحظية المختلفة التي يمرّ منها؛ يطمح إلى أن يكون له مركزًا متقدمًا في العالم من خلال التوقع والتموقع؛ وحتى لا يعطي الفرصة للأعداء للتشفي في أوضاعه أو النيل من سيادته وتهديد مصالحه الوطنية والدولية والاستراتيجية وتهديده في وجوده وأمنه واستقراره واستمراره وتنميته وعمرانه.
لكن مع ذلك؛ المسألة تدخل في جانب المثل الذي قاله يوماً أحد الدعاة العرب عمرو بن العاص رحمه الله: “مكره أخوك لا بطل”.





