فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
خاضت الولايات المتحدة منذ بداية القرن الحالي ثلاث حروب يمكن أن تعتبر طويلة، استخدمت فيها القوات التقليدية بما في ذلك الوجود الفعلي على البر، بعد أن واجهت تحدّياً إرهابياً في “11 سبتمبر” (2001)، فحشدت قواتها وغزت أفغانستان وأسقطت حكم حركة طالبان بسرعة قياسية، ولكنها تورّطت بعد ذلك في إدارة مرحلة ما بعد الحرب ولم تخرج إلا في العام 2021 مخلفةً “طالبان” في الحكم. بعد حرب أفغانستان، أسقطت الولايات المتحدة حكم الرئيس العراقي صدّام حسين في حربٍ استمرت 21 يوماً، ثم تكرّرت الصعوبات الإدارية التي واجهتها في أفغانستان، ولم تستطع أن تحقق الديمقراطية المنشودة في العراق. كانت حربها الثالثة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قد أدخلت الولايات المتحدة فيها تعديلات استراتيجية على طريقة تعاملها العسكري، فاعتمدت على وكيل محلي ليقوم بالمهام البرّية بدلاً منها، مع الاحتفاظ بطاقم عسكري محدود على الأرض، والاعتماد بكثافة على الطيران والقصف الجوي لمساندة الوكيل. نجحت هذه التجربة رغم أنها استهلكت، نسبياً، وقتاً طويلاً، ولكنها قلّلت من خسائر أميركا البشرية بشكل كبير. أظهرت هذه الحروب الطويلة أن التفوّق العسكري لا يكفي لتحقيق نجاح سياسي مهم، ولذلك بدأت الولايات المتحدة تميل إلى تقليل التدخلات البرّية الواسعة والتركيز على العمليات المحدودة، والقوات الخاصة، والتكنولوجيا العسكرية المتقدّمة، وقد جاءت عملية خطف الرئيس الفنزويلي مادورو في هذا السياق، حيث بدأت بتخطيط استخباري حاذق، تلته عملية قصيرة نفّذتها وحدات خاصة سريعة، جاءت تكاليفها بالحد الأدنى مع تحقيق انتصار سياسي شديد التأثير.
سلكت الولايات المتحدة قبلها شيئاً مشابهاً في هجوم الـ12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025، حيث نفّذت هجمات جوية وصاروخية كثيفة وقوية على إيران، لدعم هجوم إسرائيلي، واستعملت أميركا أسلحة نوعية خارقة للتحصينات، ثم هدأ كل شيء، ليعلو الحديث عن مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وبالفعل، أُنجزت عدة جولات من المباحثات في مسقط وجنيف، وجرى الحديث عن أجواء إيجابية، ثم تبيّن أن ذلك كله مجرد تمويه، ليبدأ هجوم آخر في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) على إيران، بناءً على معلومات عسكرية واستخبارية جديدة استخدمتها الولايات المتحدة، وهي ترجو منها تحقيق كسب سياسي.
بدأت الحرب بضربة دقيقة، تضمّنت قتل المرشد العام شخصياً، وكانت أميركا قد تجنبت قتله في الهجوم الماضي، لما يمثله من حضور ديني، ثم تجاوزت هذا ضمن استراتيجية القضاء على الصف القيادي الأول، لزرع موجة من الإرباك في صفوف القيادات الدنيا وحمْلها على الاستسلام، ثم أكملت العمل العسكري بتفعيل سلاح الجو مع إسناد تكنولوجي واسع، ذي طبيعة هجومية صرفة، وقد تركت الولايات المتحدة لإسرائيل ومجموعة دول الخليج التي تعرّضت للهجمات الإيرانية مهمّة اعتراض العدد الأكبر من المسيّرات والصواريخ الإيرانية، وركّزت ضرباتها لتنفيذ إصابات محقّقة على أهدافها المنتقاة في إيران، ولكنها في النهاية ترغب في إنجاز سياسي، وهو الهدف النهائي من هذه الحرب.
لم يتحدّث ترامب عن إنهاء النظام رغم تصريحاته الكثيرة التي يحمل بعضها تناقضاً، وترغب الولايات المتحدة بوجود قوةٍ في إيران مجال تحرّكها ضمن الحدود، وقيادةٍ سياسية كليلة ذات باع قصير، ونسيان البرامج النووية والصواريخ الاستراتيجية والباليستية و”تصدير الثورة”، وتتبِّع أميركا لتحقيق ذلك استراتيجيتها الجديدة في الحرب “عن بعد” باستخدام التكنولوجيا للوصول إلى الهدف، لتتجنّب الخسائر البشرية، مع عدم إبداء اكتراث كبير لمؤشّرات الاقتصاد التي تتراجع في المنطقة والعالم من تبعات هذه الحرب… يمكن أن تُثبِت استراتيجية حرب المعلومات والتكنولوجيا أفضليتها بقدرتها على تحقيق أهداف المعركة على إيران بأقل الخسائر الأميركية. ويمكن الحديث عن أن أسابيع تالية بالسوّية نفسها من الاستهداف العسكري قد تحقق النتيجة المطلوبة، وهو ما يؤكده ترامب بين الفينة والأخرى، مع تعمّده دسّ بعض المغالطات والتمويه في لقاءاته الصحفية، هي جزء، ربما، من تكتيك استخباري جديد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





