الغش والظلم: من الخطايا الصغيرة إلى الكوارث الكبرى – مقاربة رياضية وأخلاقية..
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
في ظل غياب الوازع الأخلاقي، قد يلجأ البعض إلى الغش أو الظلم، مبررين ذلك بأنه مجرد خطأ بسيط لا يكاد يُذكر. غير أن تراكم هذه الأخطاء الصغيرة قد يؤدي إلى انهيارات أخلاقية ومجتمعية كبرى. فكما أن قطرة الماء لا تحدث أثرًا كبيرًا بمفردها، إلا أن استمرار تساقطها قد ينحت الصخر، فإن الغش والظلم، مهما بديا طفيفين في لحظتهما، قد يتراكمان ليشكلا مأساة حقيقية.
* التحليل الرياضي للظلم والغش:
يمكننا استلهام مقاربة لمفهوم رياضي يوضح هذه الظاهرة، وهو نظرية المتتاليات العددية التي طرحها عالم الرياضيات الفرنسي (أوغستين لوي كوشي)، وتنص هذه النظرية على أن الحد الفردي من المتتالية: (1/n) يقترب من الصفر كلما زاد (n) إلى ما لا نهاية:
\lim_{n \to \infty} \frac{1}{n} = 0
لكن، وعلى الرغم من صغر القيم الفردية، فإن مجموع هذه الحدود لا يميل إلى الصفر، بل إلى اللانهاية: \sum \frac{1}{n} \to \infty
وهذا يعني أن الأشياء التي تبدو صغيرة جدًا، عندما تتراكم بلا توقف، تصبح في النهاية ضخمة ولا يمكن تجاهلها. وهنا يكمن الخطر؛ إذ إن تبرير الغش أو الظلم بحجمه الضئيل لا يلغِ أثره التراكمي الكارثي على الأفراد والمجتمع.
– ونضرب مثالاً ليتضح المقال:
في العام 1987، قامت إحدى شركات الخطوط الجوية الأمريكية، بإزالة حبة زيتون واحدة من كل صحن سلطة تقدم للركاب في الدرجة الأولى. هذا التغيير البسيط، أدى إلى توفير ما قدره: 40 ألف دولار في سنة واحد فقط. خطوة بسيطة، توضح كيف أن أصغر التعديلات في العمليات الكبيرة، يمكن أن يكون لها تأثيراً مالياً كبيراً. وهذا مثال معروف لمقاييس الكفاءة والأداء في عالم المال والأعمال.
* التأصيل الديني لمفهوم العدالة ومكافحة الظلم:
أكدت جميع نصوص الديانات السماوية، على ضرورة محاربة الظلم، حتى وإن كان ضئيلًا، لأن تراكمه يهدد نسيج المجتمع الأخلاقي. ففي القرآن الكريم، نجد آيات عديدة تؤكد على استحالة وقوع الظلم في الميزان الإلهي، ولو بمقدار ذرة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.) سورة النساء: 40. (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا.) سورة الأنبياء: 47.
كما روى النبي ﷺ عن الله عز وجل قوله: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا.)
وهذا التشديد الإلهي يؤكد أن الظلم، مهما كان صغيرًا، يظل محرمًا ومرفوضًا، لما له من عواقب وخيمة.
* النتائج الاجتماعية لتراكم الظلم والغش:
إن ممارسة الظلم، حتى لو بدا بسيطًا، قد تضعف المناعة الأخلاقية للمجتمع، تمامًا كما تضعف الأمراض جهاز المناعة في الجسد. وتظهر تداعيات ذلك في عدة مستويات:
1. تفكك الثقة المجتمعية: كلما شاع الغش والظلم، فقد الناس الثقة في بعضهم، مما يؤدي إلى خلل في العلاقات الاجتماعية.
2. تصاعد الحقد والكراهية: فالمظلوم الذي يتعرض للغش أو الظلم المتكرر قد يتحول إلى شخص ناقم على المجتمع.
3. انتشار العنف والتطرف: حيث يصبح الظلم المتراكم وقودًا للعنف وردود الفعل غير المتوقعة.
* خلاصة: مسؤوليتنا في مواجهة الظلم:
إن محاربة الظلم تبدأ من إدراك خطورته، مهما كان ضئيلًا، والسعي إلى بناء مجتمع أكثر عدالة ونزاهة. فالشر ليس قوة خارجية تهدد الإنسان فقط، بل هو إمكانية داخلية يمكن أن تنمو أو تتراجع حسب البيئة التي نعيش فيها. لهذا، علينا جميعًا أن نكون واعين بمسؤوليتنا في إيقاف التراكمات السلبية، قبل أن تتحول إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها.
بداخل كل إنسان نزعة للشر، لكنها لا تستيقظ إلا إذا سُمح لها بالنمو.





