ماذا بقي من النظرية النقدية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد العزيز العمراني 

 

 

ظهرت النظرية النقدية في ألمانيا في العشرينات من القرن الماضي على يد مجموعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين أسسوا الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت. جاءت هذه النظرية كرد فعل على تنامي الأيديولوجيات الشمولية مثل الفاشية والنازية، وكذلك كرد فعل على الاستغلال الرأسمالي وتشييء الإنسان في ظل الحداثة الصناعية. وقد اتخذت النظرية النقدية مقاربة شاملة، مزجت بين الفلسفة الماركسية، والتحليل النفسي، والنظرية الاجتماعية، سعيًا لفهم بنية السلطة في المجتمعات الحديثة وكشف آليات الهيمنة الثقافية والاقتصادية. وبفضل عمقها النقدي ومرونتها الفكرية، امتدت تأثيراتها إلى مختلف مجالات العلوم الإنسانية، بما في ذلك النقد الأدبي، والدراسات الثقافية، والنقد الإعلامي.
لم تقتصر مساهمة النظرية النقدية على تفكيك الأنساق الأيديولوجية السائدة، بل ساهمت أيضًا في ظهور حقول معرفية نقدية جديدة خلال الستينات والسبعينات، مثل الدراسات الثقافية، والنقد الثقافي، وما بعد الكولونيالية. فقد جاءت هذه الاتجاهات كرد فعل على الهيمنة الثقافية الغربية، وسعت إلى تقويض الأيديولوجيات الدوغمائية، والكشف عن الأنساق المضمرة في الخطابات الثقافية، والتأكيد على التعددية والتنوع الثقافي. من خلال التركيز على قضايا مثل الهوية، والسلطة، والمقاومة، أعادت هذه الحقول تشكيل النقاش الأكاديمي حول الثقافة والمعرفة، وساعدت في إبراز أصوات مهمشة سابقًا، مثل الشعوب المستعمَرة، والأقليات العرقية، والنساء، وغيرها من الفئات التي كانت مستبعدة من الخطاب السائد.
في هذا السياق، كان لوجود بعض المفكرين اليهود الذين كانت لهم نفوذ كبير في النظرية النقدية دور بارز في ترسيخ قيم التسامح والتعددية. هؤلاء المفكرون، الذين كانوا يعانون من التمييز والاضطهاد على مر العصور، سعوا جاهدين لتكريس ثقافة التسامح في مواجهة القمع، لا سيما أن الكثير منهم تأثر شخصيًا بتجربة الهولوكوست. ومع ذلك، فإن النظرية النقدية اليوم تواجه تحديًا جديدًا؛ إذ يبدو أنها غير قادرة على “الصراخ” في وجه الغطرسة الترامبية والسياسات الشعبوية التي تنتهجها بعض الحكومات الغربية. ففي الوقت الذي نشأت فيه هذه النظرية كرد فعل على الهولوكوست، نرى اليوم إبادة جماعية جديدة تحدث في فلسطين على يد أحفاد ضحايا الهولوكوست، والنظرية النقدية صامتة أمام هذه الانتهاكات. هذا الصمت يطرح تساؤلات حول دور النظرية النقدية اليوم في مواجهة السياسات التي تسعى إلى قمع الشعوب المستضعفة تحت ستار الديمقراطية.
ومع ذلك، فإن تصاعد موجة اليمين المتطرف في العقود الأخيرة، وما يرافقها من عودة الخطابات الفاشية، والتشكيك في المؤسسات الدولية، وتنامي الشعبوية، يفرض تحديات جديدة على النظرية النقدية والدراسات الثقافية. يتجلى هذا التحدي بوضوح في السياسات التي انتهجها دونالد ترامب خلال رئاسته، حيث تبنى خطابًا شعبويًا قائمًا على تضليل الرأي العام، وتوظيف الإعلام لنشر الأخبار الزائفة، وتقويض شرعية المؤسسات الدولية. ولم يقتصر تأثيره على الداخل الأمريكي، بل امتد ليشمل السياسة الخارجية، حيث انتهك القانون الدولي من خلال دعمه المطلق للاحتلال الإسرائيلي، وشرعنته للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل في تحدٍّ واضح لقرارات الأمم المتحدة. علاوة على ذلك، عملت إدارته على ملاحقة وترحيل المعارضين لسياسته، خاصة أولئك الذين يدعمون القضية الفلسطينية أو يعارضون الهيمنة الصهيونية، مستخدمًا آليات قانونية وإدارية للتضييق عليهم في الجامعات، وفرض قيود على تأشيراتهم، وتشويه صورتهم في الإعلام.
في ظل هذه التطورات، تواجه النظرية النقدية والدراسات الثقافية تحديًا جديدًا يدفعها إلى إعادة النظر في أدواتها التحليلية، ليس فقط لفهم أشكال السلطة التقليدية، بل أيضًا لتفكيك الأنماط الجديدة للهيمنة في عصر ما بعد الحقيقة، حيث أصبحت المعلومات المضللة أداة سياسية تُستخدم لقمع الحركات النقدية، وإعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية بطرق جديدة أكثر تعقيدًا. إن استجابة الفكر النقدي لهذه التحديات تتطلب إعادة تكييف مفاهيمه وأساليبه لمواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والرقمية، والعمل على تطوير استراتيجيات جديدة لمقاومة الخطابات التسلطية وتعزيز قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...