ترامب ومستقبل العولمة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد العزيز العمراني
أستاذ ااتعليم العالي
المغرب

 

 

منذ ولادتها، اعتُبرت العولمة مشروعًا غربيًا بامتياز، تأسّس على مبادئ الليبرالية الاقتصادية، وحرية الأسواق، و”نهاية التاريخ” كما بشر بها فرانسيس فوكوياما. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية داخل مراكز القوة الغربية كشفت عن مفارقة لافتة: الغرب الذي روّج للعولمة كوسيلة لتوحيد العالم وفق رؤيته، بدأ ينقلب عليها حين بدأت نتائجها تتعارض مع مصالحه.

ففي كتابه “من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الوطنية الأمريكية”، عبّر صمويل هنتنغتون عن قلقه من تأثير العولمة على الهوية الوطنية الأمريكية، معتبرًا إياها عاملًا مهددًا لوحدة الأمة بسبب تآكل الانتماء القومي وظهور هويات متشظية. هذه المخاوف ما تزال حاضرة اليوم، كما يظهر في تصريحات جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الذي قال إن العولمة خذلت الولايات المتحدة، داعيًا إلى هندستها مجددًا بما يكرّس تفوّق الغرب على الجنوب العالمي، لا سيما من خلال السيطرة على التكنولوجيا وسلاسل القيمة.

وتُمثل سياسات دونالد ترمب مثالًا صارخًا على هذا الانقلاب؛ ففرضه للرسوم الجمركية، وتقييده للتجارة الدولية، وبناؤه جدرانًا اقتصادية ورمزية، تُظهر رفضًا للعولمة، لكنها في العمق ليست خروجًا عن العقل الليبرالي البراغماتي، بل إعادة توجيه لمبادئه بما يخدم المصالح القومية الأمريكية. إذ اعتمد ترمب بشكل واضح على السياسة الحمائية كأداة لاستعادة ما يعتبره “الهيمنة الاقتصادية الأمريكية”، عبر تقييد الواردات، وتشجيع التصنيع المحلي، وتقليص الاعتماد على الخارج. فهو لا يرفض العولمة في ذاتها، بل يرفض أن يُستخدم سلاحها ضده.

في المقابل، تنبّهت قوى كبرى صاعدة مثل الصين والهند إلى إمكانات العولمة، فاستثمرتها لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي عالميًا. فالصين، التي كانت تُعد في الماضي ضحية للهيمَنة الغربية، تحوّلت إلى قوة عالمية تستغل أدوات العولمة نفسها—كالاستثمار الخارجي، والتكنولوجيا، والتجارة الحرة—لبناء مشروعها الخاص المتمثل في “طريق الحرير الجديد”. أما الهند، فقد استثمرت مكانتها الديمغرافية والتكنولوجية لترسيخ دورها كلاعب محوري في الاقتصاد العالمي، وتقديم نفسها كممثل شرعي لطموحات الجنوب العالمي.

وقد تزايد قلق الولايات المتحدة من تصاعد هذه القوى التي باتت تشكّل تحديًا حقيقيًا للهيمنة الغربية، لا سيما من خلال تكتلات بديلة مثل “بريكس”، التي تضم الصين، روسيا، الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا، والتي انضمت إليها لاحقًا دول مثل مصر وإثيوبيا والإمارات وإيران وإندونيسيا. هذا التحالف يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي على أسس أكثر تعددية، ويطرح بدائل فعلية للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد سعت الولايات المتحدة، بشكل مباشر وغير مباشر، إلى إضعاف هذا التكتل أو تفكيكه عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية ومحاولات التشويش على وحدته، إدراكًا منها بأن تماسك “بريكس” يهدد موقعها القيادي في العالم.

لقد تحولت العولمة، منذ بداياتها، من أداة لفرض القيم الغربية إلى ساحة مفتوحة لتداخل المحلي والعالمي. ما كان يُنظر إليه كأمركة للعالم، أصبح اليوم مسرحًا للهجنة الثقافية. فالطاجين والكسكس المغربي، على سبيل المثال، لم تعد مجرّد أطباق غريبة في مطاعم باريس أو نيويورك، بل صارت تمثّل حضورًا ثقافيًا جنوبياً داخل المركز. ومع أن هذه الظواهر تُحتفى بها، إلا أنها تثير أيضًا توترًا داخل المجتمعات الغربية، التي باتت تعاني من القلق الهوياتي وتصاعد الشعبوية والقومية.

مارشال مكلوهان، حين وصف العالم بأنه “قرية صغيرة”، لم يكن يتخيل أن هذه القرية ستصبح ساحة صراع بين من يملك أدوات الهيمنة ومن يحاول الإفلات منها. فالعولمة، التي بدأت كأداة استعمارية ناعمة، أصبحت اليوم وسيلة تستعملها الشعوب المُهمشة لإعادة تشكيل المشهد العالمي. ولم تعد دول الجنوب العالمي مجرد أطراف متلقية، بل أطراف فاعلة تعيد رسم معالم النظام الدولي الجديد، كلّ وفق مصالحه واستراتيجياته الخاصة.

ليست العولمة شراً مطلقًا أو خيرًا خالصًا. إنها ظاهرة مركبة، تتغير باستمرار، وتنتج التناقضات بقدر ما تفتح الآفاق. وما دونالد ترمب إلا تجسيد لهذه المفارقة: زعيم غربي يحارب العولمة باسم القومية، لكنه يوظف أدواتها للحفاظ على التفوق الغربي. وإذا كان الغرب يعيد اليوم النظر في قواعد اللعبة، فإن بقية العالم لم يعد متفرجًا، بل فاعلًا يعيد رسم ملامح “القرية الكونية” من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...