العدوان الإسرائيلي على إيران: حافز لتحرير العلاقات الدولية من المركزية الغربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. عبد العزيز العمراني
المغرب.

 

 

تُعَدّ العلاقات الدولية من أبرز الحقول التي تكرّس المركزية الغربية وتعيد إنتاج الهيمنة بوسائل معرفية وسياسية ناعمة، تحت غطاء التحليل الموضوعي والنظريات العلمية. فمنذ نشأة هذا الحقل في الغرب، وخصوصًا في ظل النظام الدولي الذي تبلور بعد الحربين العالميتين، ظلت النظريات الكبرى، كالواقعية، والليبرالية، والبنائية، والعنصرية العلمية، والجغرافيا السياسية، مرتبطة بتصور للعالم ينقسم بشكل غير عادل إلى مركز متمدّن يُجسّد الغرب العقلاني، ومحيط هامشي يُنظر إليه بوصفه مصدرًا للفوضى والتهديد.

هذه النظريات لم تكن يومًا محايدة، بل نشأت في سياقات استعمارية محددة، وكان هدفها الأساسي تأطير العالم وفق منطق يخدم مصالح الإمبراطوريات الغربية الصاعدة. فالواقعية، على سبيل المثال، تُشرعن منطق القوة والغلبة، وتُقصي القيم والأخلاق حين يتعلق الأمر بمصلحة الدولة الغربية. أما الليبرالية، رغم خطابها الداعي إلى المؤسسات والديمقراطية، فهي تسعى إلى فرض نموذج سياسي واقتصادي غربي، غالبًا ما يتجاهل الخصوصيات الثقافية والتاريخية للشعوب غير الغربية. وفي المقابل، استُخدمت العنصرية العلمية والجغرافيا السياسية لتبرير إخضاع الشعوب غير الأوروبية، من خلال خطاب عن تفوق العرق الأبيض أو “حتمية السيطرة الجغرافية” للدول الغربية.

في ضوء هذا الإرث النظري المنحاز، لا يمكن فهم التواطؤ الغربي مع إسرائيل في عدوانها على إيران بمعزل عن المركزية الغربية التي تحكم منطق العلاقات الدولية. فإسرائيل، رغم امتلاكها لترسانة نووية غير خاضعة لأي رقابة دولية، تظل بمنأى عن المساءلة، وتحظى بدعم سياسي ودبلوماسي وإعلامي من أغلب القوى الغربية. في المقابل، تواجه إيران منذ عقود حملة عدائية مستمرة، لمجرد سعيها إلى تطوير برنامج نووي سلمي، رغم انخراطها في آليات الرقابة الدولية واحترامها للاتفاقيات التي وُقّعت معها.

ليس الخوف الغربي من “القنبلة النووية” في حد ذاتها، بل من تحوّل دولة غير تابعة للمنظومة الغربية إلى قوة مستقلة تملك أدوات الردع. وفي هذا السياق، تُقدَّم إسرائيل بوصفها قاعدة عسكرية متقدمة للغرب في قلب العالم الإسلامي، مهمتها كبح أي مشروع نهضوي عربي أو إسلامي، وتفتيت المنطقة، وضمان استمرار السيطرة الغربية على منابع الطاقة والممرات الحيوية والأسواق الاستهلاكية. لهذا السبب، فإن دعم الغرب لإسرائيل لا يُبنى على قيم أو تحالفات طبيعية، بل يُمثّل امتدادًا مباشرًا للسياسات الاستعمارية القديمة، التي طالما اعتمدت على زرع كيانات وظيفية في مواقع استراتيجية لضمان استدامة الهيمنة.

المفارقة أن غالبية المحللين والخبراء في العلاقات الدولية، خصوصًا أولئك الذين يظهرون في وسائل الإعلام الغربية أو المؤسسات البحثية الممولة غربيًا، يتجنبون عمدًا الإشارة إلى الترسانة النووية الإسرائيلية، ويتعاملون مع إيران باعتبارها التهديد الوحيد في المنطقة. ويجري تغييب الحقائق، وتبسيط السرديات، وإعادة تدوير خطاب استشراقي استعلائي يُظهر إسرائيل كديمقراطية مهددة، ويصوّر إيران كقوة عدوانية، بعيدًا عن أي التزام بالحد الأدنى من الموضوعية أو التوازن الأخلاقي.

هذا الانحياز ليس مسألة صدفة، بل هو جزء من بنية معرفية ومؤسسية تُعيد إنتاج المركزية الغربية في جميع مستوياتها: من المؤسسات الدولية إلى القانون الدولي، ومن الجامعات إلى مراكز البحث، ومن الإعلام إلى الممارسة الدبلوماسية والعسكرية. إنه نظام عالمي يُجمّل الهيمنة ويُشرعن العنف باسم الأمن والاستقرار.

لقد آن الأوان لمراجعة جذرية لحقل العلاقات الدولية، ولتحريره من الهيمنة الغربية التي كبّلته لعقود. آن الأوان لمساءلة أسسه النظرية، والانفتاح على مقاربات نابعة من الجنوب العالمي، تُنصت إلى أصوات الشعوب المستعمَرة والمُهمَّشة، وتُعيد الاعتبار لقيم السيادة والكرامة والعدالة. فلا يمكن بناء نظام دولي عادل في ظل التمييز البنيوي بين دول تُمنَح حق امتلاك السلاح النووي والدفاع عن نفسها، وأخرى تُعاقَب لمجرد سعيها لذلك. ولا يمكن الحديث عن “أخلاقيات” في العلاقات الدولية بينما تُشرعن القوة، ويُسكَت عن جرائم الاحتلال، وتُقمع كل محاولة للخروج من منطق التبعية.

ما لم يتم نزع الإرث الاستعماري عن حقل العلاقات الدولية، وتحويله من أداة لتبرير التفوق إلى فضاء للحوار والمساواة، فسيظل علم العلاقات الدولية خادمًا لمشروع الهيمنة الغربية، يكسو عدوانها بمفاهيم براقة، ويُخفي ظلمها خلف ستار الأكاديمية والتحليل.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...