عبد العزيز العمراني
أستاذ التعليم العالي
تمر الجامعة المغربية بمرحلة دقيقة تتطلب إصلاحات عميقة وشجاعة، حيث تواجه تحديات هيكلية تؤثر بشكل ملحوظ على جودة التعليم العالي وعلى مكانته في الساحتين الأكاديمية والعلمية، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. وفي ظل استمرار بعض الممارسات التي تعيق ترسيخ الشفافية والحكامة الرشيدة، تزداد الحاجة إلى وقفة تأمل جماعية تُعيد التفكير في وظيفة الجامعة وأدوارها الحيوية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكننا استعادة القيم الحقيقية للجامعة، كفضاء للمعرفة الحرة والتفكير النقدي، وتأسيس منظومة تعليمية فعالة تواكب التحولات المجتمعية وتُسهم في تنمية البلاد على المستويات كافة؟ من المهم أن نستعيد تاريخ الجامعة الغربية التي، رغم خلفيتها الاستعمارية ودورها في التوسع الاستعماري، دافعت عن قيم التنوير والحرية والتفكير النقدي. هذه القيم النبيلة يجب أن تكون أساس أي إصلاح حقيقي للجامعة المغربية اليوم.
منذ تأسيسها، كانت الجامعة الحديثة مؤسسة مركزية في نشر قيم المعرفة، الحرية الفكرية، والبحث العلمي. ومع أن جذورها مرتبطة بفترة الاستعمار، إلا أن الجامعة الغربية كانت منصة لدعم التنوير ومحاربة الجهل، حيث ساهمت في تطوير العقل النقدي والبحث العلمي في المجتمعات التي أنشئت فيها. الجامعة لم تكن فقط أداة استعمارية، بل كانت أيضاً ميدانًا للنقاش والحوار، وأحيانًا أداة للإصلاح والنهضة الثقافية. لذلك، لا يمكننا إهمال هذا التاريخ عند الحديث عن مستقبل الجامعة المغربية، بل يجب استلهام قيمها الأصيلة في بناء منظومة تعليمية جديدة قادرة على مواجهة تحديات العصر.
لكن الإصلاح الحقيقي للجامعة لن يأتي من فوق، بل يجب أن يكون من الأسفل إلى الأعلى. فبدون إصلاح المدرسة العمومية، التي تمثل الأساس لبناء الطالب الجامعي الناجح، لن يتغير شيء في التعليم العالي. لا يعقل أن توجد في المغرب مدارس خاصة مزودة بأحدث الوسائل التكنولوجية والترفيهية، من أندية للمسرح والفنون، ومختبرات مجهزة، في حين تعاني المدارس العمومية من افتقار لأبسط شروط التحصيل العلمي، وأحيانًا من غياب المرافق الصحية الأساسية. هذا التفاوت يكرس الفوارق الاجتماعية ويؤدي إلى توسيع فجوة التعليم بين الأغنياء والفقراء.
المدرسة العمومية يجب أن تكون حجر الزاوية في منظومة التعليم، ويجب تزويدها بأحدث الوسائل التكنولوجية والتربوية، وتجهيزها بشكل يجعل من العملية التعليمية تجربة متكاملة ومحفزة. كما أن وزارة التربية الوطنية مطالبة بإدخال امتحان في السنة الأولى من التعليم الثانوي يهدف إلى توجيه المتعلمين إما إلى الجامعة أو إلى التكوين المهني. هذا الامتحان سيضمن انخراط الطلبة الجامعيين الجادين والمهتمين، وهو ما سيساعد على تقليل نسب الهدر الجامعي.
إذا كانت المدارس الخاصة، التي باتت منتشرة بشكل كبير في المغرب، تمثل نموذجًا أفضل للمغاربة، فإن ذلك ليس معيارًا عالميًا. ففي بلدان مثل الدنمارك والنرويج، تُعتبر المدارس الخاصة ملجأً للراسبين الذين يرغبون في تقوية مهاراتهم والعودة لاحقًا لاجتياز الامتحان المؤهل للجامعة. هذا النموذج يُظهر أن النجاح في التعليم الجامعي لا يُبنى فقط على المدارس الخاصة، بل على جودة التعليم العمومي والآليات الفعالة للتوجيه والاختيار.
بالإضافة إلى ذلك، على أغنياء المغرب أن يتحملوا مسؤوليتهم الاجتماعية والمجتمعية تجاه التعليم العالي والعمومي. إن دورهم لا يقتصر على استثمار أموالهم في مشاريع خاصة فقط، بل يمتد إلى إنشاء جامعات خاصة ومراكز بحثية متطورة تسهم في تطوير المعرفة والبحث العلمي في البلاد. كما يجب أن يشاركوا في بناء وتجهيز المدارس العمومية، وإنشاء المكتبات العمومية والجامعية، وبناء المختبرات العلمية، وتقديم منح دراسية للطلبة المتفوقين من أسر معوزة. لقد حان الوقت ليكونوا شركاء فاعلين في نهضة التعليم بالمغرب، وإحداث الفرق الحقيقي الذي ينعكس على المجتمع كله.
ولكن الإصلاح الجامعي الجديد، رغم طموحاته، يبدو متجهًا نحو الفشل إذا لم تؤخذ هذه العوامل بعين الاعتبار. من غير المعقول أن تُنفق الدولة مبالغ طائلة على منصات تعليم اللغات مثل “روزيتا ستون”، التي لا تُفعّل في معظم المؤسسات الجامعية، بسبب غياب الثقافة الرقمية لدى الطلبة وعدم وجود قاعات مجهزة لاستخدام هذه التكنولوجيا. أي إصلاح جامعي جدي يجب أن يبدأ باستثمار الأموال في البنية التحتية والتجهيزات التي تخدم العملية التعليمية، وليس في الاجتماعات الجهوية والبيروقراطية التي لا تؤدي إلى نتائج ملموسة رغم تكلفتها المالية الكبيرة. علاوة على ذلك، ذهنية الأساتذة بحاجة إلى تغيير جذري. كيف يمكننا أن ندافع عن القيم النبيلة للجامعة، بينما بعض الأساتذة يستهينون بمجهودات زملائهم المجدين، ويعرقلون كل مبادرة خلاقة؟ كيف ستتقدم الجامعة إذا كان الأستاذ يحتج على رئيس قسم لأنه أعطى بريده المؤسساتي لأحد طلبته، رغم أن البريد الرسمي هدفه تسهيل التواصل بين الأستاذ وطلابه وزملائه؟ هذه العقلية السلبية تضر بمصلحة الجامعة والمجتمع، وتعيق كل محاولة للإصلاح والتطوير.
يجب أن تكون الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ركيزتين أساسيتين لأي خطة إصلاح. لا يمكن أن تُبنى منظومة تعليمية قوية ومستدامة دون مساءلة حقيقية لجميع الفاعلين، من المسؤولين الإداريين إلى الأساتذة والطلبة. فقط بالشفافية والمحاسبة يمكننا استعادة ثقة المجتمع في الجامعة وتحفيز الجميع على تقديم أفضل ما لديهم.
لا يمكن تصور جامعة مغربية قوية ومتقدمة من دون مدرسة عمومية ذات جودة عالية، ولا يمكن تحقيق هذا إلا بتضافر جهود الدولة، المجتمع، والأسرة، وخصوصًا طبقة الأثرياء الذين يجب أن يتحولوا من متلقين للخدمات إلى فاعلين حقيقيين في بناء مستقبل تعليم بلادهم. إصلاح الجامعة يبدأ من المدرسة، وهي قاعدة لا يمكن تجاوزها. لذا، علينا أن نعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، ونوفر لها كل الإمكانيات المادية والبشرية، ثم نواصل الإصلاح في التعليم العالي، مستندين إلى قيم التنوير والحرية والتفكير النقدي التي كانت دومًا نبراس الجامعة الغربية وأملها.





