هل يُعقل أن يُموَّل العبث من أموال دافعي الضرائب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد العزيز العمراني
أستاذ باحث من المغرب

 

 

لعبت الصحافة في الغرب منذ بداياتها أدواراً محورية في مسار الحرية والتنوير. فهي لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل منبراً للنقاش العام، وأداة لمساءلة السلطة، ومختبراً للأفكار التي أرست أسس المدنية والديمقراطية الحديثة. بفضل الصحافة المستقلة والجريئة، تَشكَّل وعيٌ جديد لدى الشعوب الأوروبية، وتوطدت قيم المواطنة والحقوق، وصار الإعلام سلطة رابعة تقف جنباً إلى جنب مع باقي السلطات في الدفاع عن المجتمع.

في بريطانيا، يبرز مثال جون ويلكس (1725-1797)، السياسي والصحفي وعضو البرلمان، الذي أسس الصحيفة السياسية الساخرة The North Briton. وقد خاض معركة شرسة ضد السلطة الملكية، مدافعاً عن حرية التعبير والصحافة في زمن كانت فيه الكلمة الناقدة جريمة. وبفضل نضاله، أُرسيت تقاليد دستورية وقانونية ما تزال حتى اليوم حجر الأساس في الديمقراطية البريطانية. ومنذ القرن التاسع عشر، أصبحت الصحافة البريطانية قوة فكرية وسياسية تسهم في توعية الناس، ومساءلة الحكومات، وفتح آفاق التقدم والتنوير.

أما في المغرب، فقد عرفنا تجارب متفرقة لصحف مستقلة حملت همّ التنوير ورفعت منسوب الوعي الشعبي، لكنها غالباً ما وئدت سريعا. فكل تجربة صحفية حرة كانت تصطدم بجدار المنع أو التضييق، لتُترك الساحة خاوية أمام منابر سطحية لا مشروع لها سوى مطاردة الفضائح واللهاث وراء نسب المشاهدة.

واليوم، يحق لنا أن نسأل: أين هي الصحافة المستقلة التي تنير العقول وتدافع عن مصالح المجتمع؟ لقد تم إقصاؤها واستبدالها بمواقع إلكترونية تافهة، تثير الضحك والبكاء في آن واحد. والمفارقة أنّ هذه المواقع، رغم أنها خاصة، تُموَّل من المال العام، فيما يتقاضى العاملون فيها أجورهم من جيوب دافعي الضرائب. أيُعقل أن يُموَّل العبث، بينما تُعدم الصحافة الجادة التي ترفع من قيمة الوعي والنقاش الرصين؟

تخيلوا طالباً أجنبياً يقرر إنجاز أطروحته حول الصحافة المستقلة في المغرب: من أين سيبدأ؟ وأيّ جرائد سيجعلها حالاتٍ بحثية؟ الإجابة مؤلمة، لأن المشهد الإعلامي اختُزل في منابر هزيلة لا تمثل صورة المغرب الحقيقية، ولا تليق بتاريخ أمة عريقة.

إن المجتمع لا يتقدم إلا بصحافة حرة مستقلة، تمارس أدوارها في الرقابة والتنوير، وتدافع عن الوطن حين يتعرض للمؤامرات الخارجية، وتعكس صوت الشعب في الداخل. فهل يمكن أن نواجه جرائد عريقة مثل لوموند بمواقع سوقية وشعبوية تتصدر المشهد الإعلامي المغربي؟ ذلك، لعمري، انتقاص من تاريخ المغرب الحضاري.

فالصحافة ليست ترفاً، ولا وسيلة للربح السهل، بل هي مدرسة للتنوير، وسلطة رابعة حقيقية لا يكتمل أي مشروع إصلاحي أو نهضوي من دونها. ومتى ما أدركنا هذه الحقيقة، سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو مغرب يليق بماضيه ومستقبله.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...