التحيز في الفعل الإداري بين “عين الرضا” و”عين السخط”.. قراءة في واقع القبائل الإدارية..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

في ضوء هذا البيت الشعري الخالد للإمام الشافي رحمه الله: وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ؛ وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا.. والذي يمثل قاعدةً نفسيّة واجتماعيّة خطيرة، إذ يكشف أن تقييم الأفراد والأحداث والوقائع، لا ينبع دائمًا من معايير موضوعيّة، بل يتأثر إلى حدٍّ كبير بالانحيازات العاطفيّة والإدراكيّة والوجدانيّة، سواء أكانت إيجابيةً (عين الرضا) أم سلبيةً (عين السخط).
وعند إسقاط هذا المبدأ على الإدارة العموميّة بمختلف هياكلها ومستوياتها، يتجلى بوضوح كيف يؤثر هذا التحيز الإداري في تقييم الأداء واتخاذ القرارات وصياغة مختلف السياسات العامة والعموميّة والقطاعية، مما ينتج عنه اختلالات وفجوات عميقة في منظومة الحكم والإدارة.
– أولًا: التحيز في تقييم الأداء الإداري:
* عين الرضا في الفعل الإداري من خلال (المحاباة الإدارية):
حين يكون المدير راضيًا عن موظف معين، سواء لأسباب شخصية أو لانحياز غير عقلاني، فإنه يتجاهل أخطاءه، ولو كانت جسيمة، بل وقد يجد لها مبررات غير منطقية كادعاء الضغط الوظيفي أو الظروف الاستثنائية.
نضرب لهم مثلاً: موظف ذو إنتاجية ضعيفة لكنه يحظى بدعم إداري قوي يُمنح ترقيات ويتغاضى عن تأخره المستمر، في حين أن موظفين أكفاء قد يُحرمون من الامتيازات ذاتها.
* عين السخط في الفعل الإداري من خلال (التمييز في التقييم الإداري):
على النقيض، عندما يكون المدير غير راضٍ عن موظف ما، فإنه يضخم أخطاءه مهما كانت بسيطة ويتجاهل إنجازاته، مما يؤدي إلى تقييم غير عادل.
نضرب لهم مثلاً: موظف يتمتع بكفاءة عالية لكنه في خلاف شخصي مع رئيسه، يجد نفسه عرضة لمراجعات صارمة، حيث يتم تضخيم هفواته الصغيرة، ما يؤثر سلبًا على مستقبله المهني.
– ثانيًا: التحيز في اتخاذ القرارات وصياغة السياسات العامة وسؤال العدالة المَجاليّة:
* عين الرضا في الفعل الإداري من خلال (التمييز الإيجابي غير العادل)؛
في كثير من الإدارات العموميّة، تتجسد “عين الرضا” في الانحياز لمجموعات معينة بناءً على القرب من السلطة أو الانتماء إلى شبكات المصالح، بغض النظر عن الكفاءة أو الاستحقاق.
نضرب لهم مثلاً: منح مشاريع حكومية لشركات غير كفؤة فقط لأنها محسوبة على دوائر النفوذ، مما يؤدي إلى هدر المال العام وسوء تنفيذ المشاريع.
فالمهمش أو الهامشي؛ هو ما أريد له أن يهمش فعلًا.
* عين السخط في الفعل الإداري من خلال (الإقصاء والتهميش الإداري):
على الجانب الآخر، قد تؤدي “عين السخط” إلى تهميش الأفراد أو المجموعات بناءً على خلفياتهم أو توجهاتهم الفكرية أو حتى مناطقهم الجغرافية، مما يحرمهم من حقوقهم المشروعة في التوظيف والترقية والمشاركة الفعالة في التنمية.
نضرب لهم مثلاً ليتضح المقال: موظف يمتلك مؤهلات عالية لكنه يُستبعد من الترقية لأنه لا ينتمي إلى التيار الإداري السائد في المؤسسة.
– ثالثًا: الانحياز في الفعل الإداري في ضوء النظريات الحديثة:
1. يجد هذا التحيز جذوره في نظريات علم النفس الإداري، وأبرزها:
2. التحيز التأكيدي (Confirmation Bias): حيث يبحث المسؤولون عن المعلومات التي تدعم آرائهم المسبقة، مما يؤدي إلى تقييم غير محايد.
3. الإدراك الانتقائي (Selective Perception): حيث يركز القادة على جوانب معينة من الأداء ويغضّون الطرف عن أخرى، استنادًا إلى ميولهم الشخصية وليس إلى معايير موضوعية.
رابعًا: الحلول الإجرائية لمواجهة التحيز في الفعل الإداري:
لتجاوز هذه السلوكات السلبية والمشينة، ينبغي تبنّي منهجيات علمية عادلة تعتمد على:
– من خلال خشية الله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ)، وهي خشية بين المقدس الإلهي المطلق، والبشري المحدود.
– تطبيق معايير موضوعية لتقييم الأداء، بحيث تُستند القرارات إلى بيانات كمية قابلة للقياس بدلاً من الانطباعات الشخصية.
– استخدام التقييم متعدد المصادر (360-degree feedback)، حيث يتم جمع آراء متعددة حول أداء الموظف لضمان التوازن والحياد.
– تعزيز الشفافية والمساءلة في التوظيف والترقيات واتخاذ القرارات الإدارية، للحد من التلاعب والتحيز الشخصي أو السياسي.
* والخلاصة:
يعكس هذا البيت الشعري الواقع الإداري بعمق، حيث تلعب الانحيازات الشخصية والعاطفية دورًا جوهريًا في الحكم على الأفراد وصياغة السياسات. ويؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى اختلالات خطيرة في الإدارة العمومية، مما يستدعي نهجًا أكثر موضوعيّة وعدالة في التقييم واتخاذ القرار، عبر تعزيز الشفافية والاعتماد على معايير علمية صارمة. الإدارة الفعالة ليست تلك التي تحكمها “عين الرضا” أو “عين السخط”، بل تلك التي تنظر بعين العدالة والإنصاف وخشية الله تعالى.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...