* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
يظل الإبداع الفني أحد المؤشرات الدالة على حيوية المجتمعات وقدرتها على التعبير عن ذاتها ثقافيًا وحضاريًا. لكن حينما يتراجع الإنتاج الفني، يصبح التساؤل ضروريًا: هل نحن أمام أزمة إبداع فردي، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بالبنية الثقافية والاجتماعية التي تؤطر هذا الإبداع؟ ولماذا تبدو الفنون في المغرب محاصرة داخل أنماط تقليدية، بينما تزدهر التجارب الإبداعية في مجتمعات أخرى؟
هذه الإشكالات ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل تعكس واقعًا معقدًا يعيشه الفن المغربي، حيث تتداخل عوامل متعددة—من غياب استراتيجية ثقافية واضحة إلى تأثير الدين والسياسة في تشكيل الذوق العام—لتحدّ من قدرة الخيال على التحول إلى إنتاج فني يعكس هوية المجتمع بعمق.
* إشكالية الفن في المغرب: غياب الإبداع أم غياب البيئة الحاضنة؟
عند الحديث عن أزمة الإبداع الفني، غالبًا ما يُلقى اللوم على الفنان نفسه، باعتبار أن المشكلة تكمن في غياب المواهب أو ضعف الإنتاجية. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية: الإبداع لا ينشأ في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تدعمه، سواء على مستوى السياسات الثقافية، أو البنية التحتية، أو الاستعداد المجتمعي لتقبّل الفن كأداة تعبير وتغيير.
إذا عدنا إلى التجارب التاريخية، نجد أن الحضارات المزدهرة فنيًا لم تبنِ إنتاجها الإبداعي على جهود فردية فقط، بل وفّرت منظومات ثقافية متكاملة. فمثلًا، في عصر الأندلس، لم يكن الفن مجرد زينة، بل كان جزءًا من مشروع فكري شامل يدمج بين الفلسفة، والعلوم، والفنون، مما أدى إلى إنتاج ثقافة غنية أثرت لاحقًا في النهضة الأوروبية.
أما اليوم، فيبدو أن المغرب يعاني من إشكاليات بنيوية تمنع تحقيق نهضة فنية حقيقية:
1. غياب رؤية ثقافية متكاملة: لا يوجد مشروع ثقافي واضح يحدد دور الفن في بناء الهوية المجتمعية، مما يجعله عرضة للتهميش أو الحصر في وظائف ترفيهية سطحية.
2. ضعف المؤسسات الداعمة: المؤسسات الفنية، سواء كانت رسمية أو مستقلة، تعاني من نقص في الدعم وغياب استراتيجيات واضحة لتنمية الإبداع.
3. تداخل الدين والسياسة في تشكيل الذوق العام: هناك نوع من الرقابة المجتمعية التي تجعل بعض أشكال التعبير الفني محاصرة، مما يحدّ من حرية الفنانين وقدرتهم على الابتكار.
4. ضعف التكوين الفني: التعليم الفني لا يحظى بالمكانة التي يستحقها في المناهج الدراسية، مما يساهم في غياب جيل جديد من الفنانين المتمكنين من أدواتهم الإبداعية.
5. هيمنة الإعلام التجاري: الإعلام يروّج لأنماط معينة من الفنون ذات الطابع التجاري، مما يضعف الإقبال على الفنون ذات البعد الفكري والجمالي العميق.
* الخيال والإبداع: هل نعاني من أزمة خيال جماعي؟
الإبداع الفني لا يمكن أن يزدهر في مجتمع يعاني من أزمة خيال. فالخيال هو المحرك الأساسي لأي تجربة إبداعية، سواء في الأدب، أو السينما، أو المسرح، أو حتى التكنولوجيا. والمجتمعات التي لا تنتج خيالًا خصبًا تظل رهينة التكرار والاجترار، غير قادرة على تقديم رؤية جديدة للعالم من حولها.
لكن لماذا يبدو الخيال وكأنه مستبعد من المشاريع الثقافية والفنية في المغرب؟ يمكن تفسير ذلك من خلال عدة عوامل:
– التعليم التقليدي: النظام التعليمي يعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من تشجيع التفكير النقدي والخيالي.
– الرقابة الثقافية والاجتماعية: هناك تخوف من طرح أفكار جريئة في الفنون، مما يجعل الكثير من الفنانين يلجؤون إلى إنتاج أعمال نمطية تتجنب إثارة الجدل.
– ضعف الصناعة الثقافية: لا توجد بيئة مهنية متكاملة تحتضن التجارب الإبداعية وتحولها إلى أعمال ذات تأثير واسع.
في هذا السياق، يمكننا مقارنة المغرب بتجارب دول أخرى تمكنت من تجاوز هذه العوائق. فمثلًا، بعض الدول الآسيوية، مثل كوريا الجنوبية، نجحت في بناء صناعة ثقافية قوية تستند إلى دعم الدولة للفنون وتطوير التعليم الفني، مما جعلها قادرة على تصدير منتجاتها الإبداعية إلى العالم.
* نحو مشروع ثقافي ينهض بالفن المغربي:
إذا كان المغرب يسعى إلى تحقيق نهضة حضارية شاملة، فلا بد من إعادة الاعتبار للفنون كجزء أساسي من هذه النهضة. إعادة بناء المشهد الفني تتطلب:
1. تبني رؤية ثقافية واضحة: على الدولة والمجتمع أن يعترفا بأن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أداة لبناء الوعي الحضاري والهوية الثقافية.
2. إصلاح التعليم الفني: يجب أن يصبح التعليم الفني جزءًا أساسيًا من المنظومة التربوية، مع تعزيز التفكير النقدي والإبداعي لدى الأجيال الصاعدة.
3. تحرير الفنون من القيود الاجتماعية: ينبغي فتح المجال أمام الفنانين للتعبير بحرية، وتشجيع التجارب الجريئة التي تقدم رؤى جديدة.
4. خلق صناعة فنية قوية: الفن لا يمكن أن يزدهر دون وجود صناعة حقيقية تدعمه، سواء في السينما، أو المسرح، أو الأدب، مع تعزيز فرص التمويل والتوزيع.
5. تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الفنون: لا يمكن أن ينجح أي مشروع فني إذا لم يكن هناك جمهور مستعد لتقديره والتفاعل معه.
* خلاصة: الفن كضرورة حضارية:
الأزمة التي يعيشها الفن في المغرب ليست مجرد أزمة قطاع، بل هي أزمة رؤية ثقافية شاملة. فالمجتمعات التي لا تنتج فنًا يعبر عن هويتها تظل رهينة التأثيرات الخارجية، وتفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في العالم.
إن السؤال المطروح اليوم ليس فقط عن أسباب الأزمة، بل عن مدى استعدادنا لتجاوز هذا العقم الإبداعي، والاعتراف بالفن كقوة حضارية قادرة على تشكيل وعي الأمة. هل نحن مستعدون لبناء مشروع ثقافي يعيد للفن مكانته الحقيقية، أم سنظل محاصرين داخل أنماط تقليدية تجعل الإبداع مجرد استثناء وليس قاعدة؟
الجواب على هذا السؤال، في نهاية المطاف، ليس مسؤولية الفنان وحده، بل هو مسئولية مجتمع بأكمله.





