التناقض بين الجهل وادعاء الإفتاء والتحريض على العنف والحقد والكراهيّة..!
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
شاءت الأقدار، وفي تقلبات مسلسل الحياة ومساراتها، أن أرى وأسمع من يتلعثم في قراءة سورة الفاتحة، ولا يكاد يحفظ من التشهد إلا كلماتٍ مبتورة، بل يزيد فيه ألفاظًا مثل “الزّكِيّاتُ لله” التي ليست منه، ومع ذلك يتصدر للحديث باسم الدّين، ويزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وينتسب إلى جماعات تكفيرية تتبنى العنف منهجاً.
وتجده يفرض على أفراد أسرته أنماطًا معينة من اللباس والسلوك، ويحرم عليهم أشياء كثيرة، ويدعو إلى عدم الاحتكام إلى قوانين الدولة، متزوج بالفاتحة وابناؤه غير مسجلين بسجلات الحالة المدنية وبطاقة هويته منتهية الصلاحية؛ زاعمًا أنها «قوانين كفر»..!
ويقدّم كل ذلك على أنه من صميم الإسلام، دون علم راسخ أو فقه معتبر.
والمفارقة أن هذا الشخص نفسه الذي لا يعرف سوى كلمتين: “هذا حلال “هذا حرام”؛ يتجرأ على إصدار الفتاوى، فيستبيح دم هذا، ويحرّض على سفك دم ذاك، ويخوض في قضايا تفوق مستواه العلمي والمعرفي بأشواط، وهو لم يُحسن بعدُ أساسيات القراءة، فضلًا عن امتلاك أدوات الفهم الشرعي أو التأهيل العلمي الذي يؤهله للكلام في دماء الناس وأعراضهم.
ثم تجده يزاحم الناس هو الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، ناشرًا ومروّجًا لمقاطع وخطب يغلب عليها خطاب الكراهيّة والتحريض، ويشارك أدعيةً تمتلئ بطلب الهلاك والانتقام، والدعاء على الناس بالتشريد واليُتم والترمّل وتسليط الطير الأبابيل، وكأن الرحمة التي بُعث بها الإسلام قد غابت عن خطابه تمامًا..!
بل يردد بعضهم أدعية وعبارات موروثة خارج سياقها التاريخي والشرعي، فيدعون على أمم وشعوب العالم بألفاظ لا تقوم على علم ولا فقه، ويتحمس السامعون لترديد «آمين»، وكأنهم يستعجلون نزول البلاء بالخلق، بدل أن يسألوا الله الهداية والإصلاح.
ولا يكتفي بذلك، بل يكثر من نشر مقاطع تنتقي آيات أو خطبًا مرتبطة بسياقات القتال، فتُقتطع من سياقها التاريخي والشرعي لتُستعمل وقودًا للتحريض والتعبئة في سقي شجرة الزقوم، بعيدًا عن مقاصدها وضوابطها التي قررها أهل العلم.
وحين يُسأل عن مشروعه الفكري، أو عن الأسس التي بنى عليها قناعاته، لا يكاد يجيب إلا بعبارة واحدة يكررها دون وعي: «الجهاد في سبيل الله».
يرددها كما لُقنت له، من غير إدراك لمعناها، ولا لشروطها، ولا لمقاصدها، وكأنها كلمة سحرية تُغني عن العلم والعقل والبصيرة.
وهنا تتجلى المأساة؛ إذ تتحول الشعارات إلى بديل عن الفهم، ويصبح التلقين بديلاً عن التفكير، حتى ينتهي الأمر ببعض هؤلاء إلى اعتبار أقرب الناس إليهم أعداءً تجب معاداتهم والجهاد فيهم، هم: رجل الأمن أو الزركشي أو القاضي أو الموظف العمومي أو العسكري، أو حتى قريبه أو جاره إذا خالفه في الرأي أو المعتقد.
فيغدو التكفير مقدمة لاستباحة الدم، ويصبح الانتماء للوطن أو العمل في مؤسسات الدولة تهمةً تستوجب البراءة، وربما التحريض.
إن أخطر ما يعتري الفكر المتطرف ليس الجهل وحده، وإنما الجهل المركب حين يقترن بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالجرأة على الفتوى، واستباحة الدماء، وتحويل الدِّين من رسالة رحمة وعدل إلى أداة للكراهية والعنف.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





