العقدة الشيطانيّة: من ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ إلى الاستعلاء الإمبريالي… إلى متى تستمر خرائط الاستعمار تحكم حاضر المغرب؟

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

ليست عبارة إبليس الواردة في القرآن الكريم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ مجرد حكاية دينيّة عن أول معصية في التاريخ، بل هي، في أحد وجوهها التأويليّة، تعبير عن منطق الاستعلاء الذي رافق الإنسان في صراعاته السياسيّة والحضاريّة عبر العصور.

فمنذ أن اعتقد طرفٌ أنه أحق من غيره بالسيادة، أو أكثر أهلية للحكم، أو أكثر استحقاقًا للأرض والثروة، بدأت تتشكل فلسفة الهيمنة التي أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، من الإمبراطوريات القديمة إلى الاستعمار الحديث، وصولًا إلى العلاقات الدوليّة المعاصرة.

ولعل من أكثر العبارات اختزالًا لهذا المنطق ما نُسب إلى (اللورد ساليسبوري) عندما تحدث عن تقسيم إفريقيا على الخرائط قبل أن تطأ أقدام الأوروبيين كثيرًا من أراضيها.

لم يكن الاستعمار مجرد احتلال عسكري، بل كان أيضًا مشروعًا لإعادة تعريف الجغرافيا، ورسم الحدود، وصناعة كيانات سياسيّة ودويلات قزمة، وفق مصالح القوى الاستعماريّة، لا وفق حقائق التاريخ أو الاجتماع أو الثقافة.

ورغم انتهاء الحقبة الاستعماريّة رسميًا في جزء كبير من المغرب ودول افريقية أخرى، فإن آثارها لم تنتهِ. فما زالت الحدود التي رُسمت في غرف القرار الأوروبيّة تُلقي بظلالها على عدد من النزاعات في القارة الإفريقية، وفي مقدمتها الفضاء المغاربي، حيث تتداخل اعتبارات التاريخ والسيادة والأمن مع حسابات المصالح الإقليميّة والدوليّة.

في هذا السياق، تبرز العلاقة بين المغرب وبعض القوى الأوروبية باعتبارها نموذجًا معقدًا لهذه المفارقة.

فالمغرب يؤدي دورًا محوريًا في ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود، وهو دور تعترف به أطراف دولية عديدة.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مواقف أو مبادرات تُقرأ في الرباط باعتبارها متعارضة مع حساسياتها الوطنيّة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية أو بملفات الذاكرة الاستعماريّة.

ومن الأمثلة التي أثارت نقاشًا واسعًا، مصادقة لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني، في يوليوز 2026، على مشروع قانون يتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم قبل سنة 1977.

هذه الخطوة، بصرف النظر عن مبرراتها القانونيّة أو الإنسانيّة التي يقدمها مؤيدوها، تحمل دلالات سياسيّة في سياق شديد الحساسيّة بالنسبة للمغرب.

وفي خضم هذا النقاش، انشغل كثيرون بمشاهد محاولات بعض الشباب المغاربة الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، بينما غاب عن جزء من النقاش العام السياق السياسي الذي سبق تلك الأحداث.

فقراءة الأحداث والوقائع بمعزل عن محيطها وسياقاتها العامة، قد تؤدي إلى مغالطات منطقيّة استنتاجات مبتورة، تمامًا تختزل في غياب فرص العمل أو خلل في السياسات العموميّة أو غياب تأطير الأحزاب، كما أن ربط كل حدث بسبب واحد يظل تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا.

إن العلاقات الدوليّة لا تُبنى على النوايا المعلنة وحدها، بل أيضًا على الرسائل التي المبطنة التي تحملها القرارات، وعلى الكيفيّة التي تُستقبل بها لدى الأطراف المعنية.

ولهذا فإن أي مبادرة تمس ملفات ترتبط بالهوية أو السيادة أو التاريخ تظل قابلة لتأويلات سياسيّة تتجاوز أبعادها القانونيّة المباشرة.

في المقابل، يواجه المغرب تحديًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كيفية التمييز بين الشرعيّة والقوة..!

فالشرعيّة القانونيّة والتاريخيّة، مهما بلغت متانتها، لا تكفي وحدها في عالم تحكمه موازين القوى والمصالح. كما أن امتلاك عناصر القوّة لا يغني عن بناء خطاب استراتيجي قادر على تحويل تلك القوّة إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي مستدام.

ومن هنا، يبدو أن أحد أخطر التحديات ليس فقط في مواجهة الضغوط الخارجيّة، بل أيضًا في تجنب الوقوع في ما يمكن تسميته بـ”الوثوقية السياسيّة”، أي الاعتقاد بأن بعض النجاحات الظرفيّة تكفي لحسم صراعات طويلة ومعقدة، أو أن الإنجازات التكتيكيّة تعني بالضرورة انتصارًا استراتيجيًا.

فالسياسة الدوليّة لا تعرف الفراغ، والنجاحات تحتاج دائمًا إلى مراجعة وتقييم وتطوير مستمر.

أما على المستوى المغاربي، فإن استمرار التوتر بين المغرب والجزائر يطرح سؤالًا أعمق من مجرد الخلافات الحدوديّة.

فهل نحن أمام تنافس طبيعي بين دولتين جارتين، أم أمام استمرار لتوازنات فرضتها مرحلة استعمارية لم تُطوَ آثارها بالكامل؟

وهل أصبحت بعض النزاعات جزءًا من بنية إقليميّة يصعب تجاوزها، أم أن الإرادة السياسيّة قادرة على إعادة صياغة العلاقات وفق منطق المصالح المشتركة بدل منطق الصراع الدائم؟

قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن المنطقة المغاربيًة دفعت، وما تزال تدفع، كلفة مرتفعة بسبب استمرار هذه الانقسامات، سواء على مستوى التنميّة الاقتصاديّة أو التكامل الإقليمي أو الأمن الجماعي.

إن استحضار مقولة إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ لا يهدف إلى إسقاط النص الديني مباشرة على العلاقات الدوليّة، وإنما إلى اتخاذها مدخلًا فلسفيًا لفهم منطق الاستعلاء الذي يتكرر بأشكال مختلفة في التاريخ والسياسة.

فجوهر هذه المقولة ليس في شخص قائلها، بل في البنية الفكريّة التي تؤسس لتفوق الذات ومحاولة احتقار الآخر، وتجعل القوّة مصدرًا للحق، لا أداةً لحمايته.

وحين يتحول امتلاك القوّة إلى مبرر لإعادة رسم الحدود، أو فرض الإرادات، أو تقرير مصائر الشعوب، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للمقولة ذاتها، وإن تبدلت الأزمنة، وتغيرت المصطلحات، واختلفت وسائل الهيمنة.

وربما لهذا السبب، فإن مستقبل المغرب، بل ومستقبل المنطقة المغاربية بأسرها، لا يتوقف فقط على ترسيم الحدود الجغرافية، وإنما على إعادة رسم “خرائط النوايا” التي تحكم العلاقات بين الدول.

فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإدارة وتدبير الأزمات القايمة أو المحتملة فقط، بل بتجاوز منطق الهيمنة، وترسيخ ثقافة الشراكة، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة وتدبير الصراع إلى صناعة المستقبل.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع المنطقة المغاربية أن تتحرر من الخرائط التي رسمها الآخرون، وأن تبني خرائطها السياسيّة والإستراتيجيّة بإرادتها الحرة، أم أن عقدة ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ ستظل قائمة ومستمرة، بأشكال جديدة، تحكم الجغرافيا كما حكمت التاريخ؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...