علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”.
خرج، قبل أيام، مئات من الفلسطينيين من بين دمار ما تبقّى من مدن قطاع غزّة، في احتجاجات عفوية، يطالبون برحيل حركة حماس من غزّة، لوقف حرب الإبادة التي تشنّها عليهم إسرائيل منذ أكثر من 17 شهراً بدعم أميركي غربي، ووسط تواطؤ الأنظمة العربية وتخاذلها وصمتها. احتجاجات أولئك الغزّيين مشروعة، ومطالبهم صادقة، ولا يجب تخوينهم أو تجاهل حركتهم؛ لأنّ من بينهم أمّهات وآباء شهداء، وإخوة شهداء، وأيتام شهداء، وثكلى وأرامل شهداء، ضحّوا بكل ما لديهم؛ ديارهم ومتاعهم ووظائفهم وأعمالهم ومدّخراتهم ومستقبلهم.
ما هو مستفزّ ومقزّز استغلال العدو الصهيوني وصحافته وأزلامه في الدول العربية، بما فيها المغرب، تلك التظاهرات العفوية، لأناس يائسين إلّا من الأمل بوقف مأساتهم، لتحميل المقاومة الفلسطينية حرب الإبادة التي يشنّها الكيان الصهيوني في تحدٍ سافر للقوانين والمواثيق الدولية، والأعراف البشرية والأخلاق الإنسانية كلّها، فأين كان هؤلاء الصهاينة وعملاؤهم عندما كان هؤلاء الغزّيون يُقتلون ويُقصفون وتُدمَّر بيوتهم، ويُشرّد ويُطارَد ويُجوّع ويُحاصر مَن نجا منهم مِن الموت المحقّق؟ لا يأتي في الإعلام العبري بتاتاً ذكر ضحايا حرب الإبادة التي تشنّها دولتهم على بعد ساعة فحسب من عاصمتهم، فلم يحدث أن تحدّث هذا الإعلام، باستثناء مقالات في صحف مثل هآرتس، عن المجازر والمآسي التي يرتكبها أبناء جلدتهم في قطاع غزّة، في حين يتعامل الإعلام العربي الرسميّ وشبه الرسميّ، بانتقائية كبيرة مع مأساة الفلسطينيين؛ فهما يُبديان التعاطف معهم عندما كانت المقاومة تتصدّى للعدو، ويتشفيان، في الوقت نفسه، من المقاومة، ويحمّلانها مسؤوليةَ حرب الإبادة الجارية، كلّما بدا أن شوكتها قد لانت أو انكسرت، وأنها باتت أقرب إلى الاستسلام وإعلان هزيمتها، كما يحدث اليوم عندما يسارع هذا الإعلام إلى تجييش حاضنةِ المقاومة ضدّها.
الإعلام العربي الرسمي وشبه الرسمي، يتشفّيان من المقاومة كلّما بدا أن شوكتها قد لانت أو انكسرت، وباتت أقرب إلى الاستسلام
وفي حالة المغرب، يمكن تمييز مرحلتَين: في البداية، كان التجاهل التام من الإعلام الرسمي المغربي لكلّ ما يجري في غزّة، وفي مرحلة ثانية، عندما أصبحت حرب الإبادة تفرض نفسها على جميع وسائل الإعلام في العالم، بدأت وسائل الإعلام الرسمية المغربية، في استحياء ملحوظ، تُقدّم إحصاءات الضحايا في غزّة، مع انتقاء كبير في استعمال المفاهيم والمصطلحات التي تدين العدوان الإسرائيلي. وعلى مستوى المتصهينين المغاربة، وهؤلاء أكثر نشاطاً وحضوراً من الإعلام الرسمي في المغرب، فهم لا يخفون معاداتهم للقضية الفلسطينية، ولا يفوّتون الفرصة لتلميع صورة إسرائيل وجيشها، رغم الجرائم كلّها التي ترتكبها، ولم يسبق أن تعاطفوا مع الضحايا في غزّة من مدنيين وأطفال ونساء، ثم عندما بدأت بعض المظاهرات المحدودة تخرج في غزّة، تنتقد “حماس”، تحوّل هؤلاء منافحين عن الغزّيين يصفونهم بـ”المُحتجَزين”، و”المُختطَفين”، لدى المقاومة التي يحمّلونها المأساة التي وصلت إليها الأوضاع في غزّة، بل وفي المنطقة كلّها، من دون أن يرفّ لهم جفن، إن كانت لهم فعلاً عيون يَروْن بها، ومن دون أن يأتوا على ذكر حرب الإبادة المستمرّة التي يشنّها الجيش الإسرائيلي ضدّ الغزّيين.
مأساة الفلسطينيين في غزّة والضفة الغربية وفي الشتات، لم تبدأ يوم 7 أكتوبر (2023)، ولم تحدُث بسبب وجود المقاومة الفلسطينية، خاصّة “حماس”، فقبل وجود الحركة عام 1987، كانت النكبة وكانت المجازر الصهيونية، والقصف العشوائي للمدن والقرى والمخيّمات الفلسطينية، والاغتيالات، وتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها، وتجريف الحقول ومصادرة الأراضي، وتهجير وتشريد السكّان العُزّل الأبرياء، والاعتقالات من دون محاكمات ومن دون تهم، لا تستثني الأطفال والنساء والمسنّين، وكان التنكيل والتعذيب والاستيطان الاحتلالي، والتميز العنصري، والحصار والتجويع، وهذا كلّه كان يحدث في صمت عربي وغربي شبه مطبق، قبل أن يتحوّل الصمت العربي خياناتٍ وتواطؤاتٍ هدفُها القضاء على القضية الفلسطينية، من خلال دخول أنظمة عربية في اتفاقات ومعاهدات مع العدوّ الإسرائيلي هدفُها تصفية القضية الفلسطينية. وما هجوم 7 أكتوبر (2023) إلّا ردّة فعل على هذا الصمت كلّه، والخذلان، والمؤامرات العربية الرسمية، وحتى لو لم يحدث هذا الهجوم، فإن إسرائيل كانت تخطّط للقيام به، ومن يشكّكون في مثل هذه الفرضية عليهم أن يُعيدوا قراءة تنظيرات برنارد لويس، التي تدعو إلى وضع وصاية غربية كاملة على العرب والمسلمين، وترى أن الحلّ الأنجع للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية، وكانت البداية في العراق، وبعدها في ليبيا واليمن وسورية. أيضاً، عودوا إلى قراءة ما يُعرف بـ”خطّة ينون”، نسبة إلى المستشار السابق لمجرم الحرب الإسرائيلي، آرييل شارون، عوديد ينون، الذي وضع عام 1982 الخطوط العريضة للاستراتيجية التوسّعية الإسرائيلية في المنطقة، ونراها اليوم تطبّق تدريجياً، والمبنية على تهجير مزيد من الفلسطينيين واحتلال أراضيهم، وتوسّع رقعة إسرائيل من خلال إضعاف دول الطوق، وإشعال نيران الانقسامات الطائفية داخلها، لتقسيمها وتجزئتها حتى يسهل الاستيلاء عليها، أو وضعها تحت الوصاية الإسرائيلية.
الصهيونية ليست عدوّة الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما هي عدوة الشعوب الحرّة كلّها
مع الأسف! حراك هؤلاء الغزّيين، الذي يتفهّمه كلّ المدافعين عن قضيتهم، استغلّه الاحتلال لتبرير استمرار إبادته للشعب الفلسطيني، فقادة الاحتلال، بل وأغلبية المجتمع الصهيوني، لا يرون في الفلسطيني سوى عدوٍّ لهم، وعقبةٍ أمام تحقيق مشروعهم التوراتي، لا يميّزون بين الفصائل الفلسطينية كلّها، بل وحتى السلطة الفلسطينية، التي تحوّلت شرطةً بلديةً في خيمتهم، يحاصرونها ويهينونها، وقد بدأوا بتنفيذ خططهم الجهنّمية في مدن الضفة، التي لم تهاجمهم، كما جرى استغلال الحراك من المتصهينين العرب أعداء الحقوق الفلسطينية، والطابور الخامس في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الدول العربية، للتشفي وزرع اليأس بين مناصري الشعب الفلسطيني، وبثّ الانقسامات بينهم لإضعاف صوتهم وتفتيت وحدتهم.
على مناصري القضية الفلسطينية، والمؤمنين بعدالة هذه القضية، ألّا يفقدوا البوصلة، أصل الشر في الشرق الأوسط هو الكيان الصهيوني ومَن زرعوه في المنطقة، ويرعونه بالمال والسلاح. الصهيونية ليست عدوّة الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما هي عدوة الشعوب الحرّة كلّها، بؤرة هذا السرطان هي فلسطين، ولن يقف تمددّه في حدودها التاريخية، لأن أطماعه لا (ولن) تتوقف، وشهية القتل والدمار لديه سوف تستمرّ ما دام لا يوجد رادع يقف أمامها. هذا العدوّ لا يفهم سوى لغة واحدة هي لغة المقاومة بأشكالها وأصنافها كلّها، بما فيها الكلمة، وهذا أضعف الإيمان.





