العدالة العلاجيّة الثقافيّة: نحو سياسة عمومية وقطاعية صحية تراعي خصوصيّة المجتمع المغربي
• د. عبد الله شنفار
في المغرب، عندما نتحدث عن السياسات العمومية والقطاعية، نلحّ على ضرورة مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والدينية في قطاعات مثل: القاعدة القانونية ومجالات التشريع والتعليم والعدالة، والنماذج التنموية والمخططات والبرامج الجهوية والاقليمية والمحلية… وغيرها. ومع ذلك، ما إن ننتقل إلى المجال الصحي، حتى يخيم صمت كثيف، وكأن الجسد المغربي يُقارب على أنه نسخة مستنسخة من الجسد الغربي، بلا ذاكرة أو رمزية أو تجربة حضارية محلية حيث الاستعارة والمؤلمة للدواء والآليات وكل ما علاقة بالقطاع الصحي.
1. أسئلة لتفكيك المسكوت عنه:
هل يمكن اختزال الجسد المغربي في معادلة بيولوجية صرفه؟ وهل يُعد المرض مجرد خلل عضوي في الثقافة المغربية، أم هو تجربة مركّبة: روحية، اجتماعية، نفسية، وجودية؟ من يملك سلطة تعريف الشفاء: الطبيب، أم المريض، أم الثقافة، أم الدين، أم الشيخ، أم الراقي؟ ما سبب تجاهل الدولة للتجارب العلاجية المجتمعية المتجذرة؟ من يُعرّف الشفاء في السياسات العمومية: الطبيب، المؤسسة، أم المريض؟ ما حدود العلاقة بين الدين والطب؟ وهل للدعاء والنية أثر علاجي؟ لماذا يُعامل الطب الشعبي بوصفه تهديداً، رغم اعتماده من ملايين المواطنين؟ هل يمكن إدماج الرؤية العلاجيّة الإسلاميّة في التكوين الطبي الأكاديمي؟ كيف نؤسس لسياسة دوائية تُراعي العقل العلاجي الشعبي؟ ما مسؤولية الدولة في حماية المواطنين من الفوضى دون سحق ذاكرتهم العلاجية؟
هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرية، تفتح بابًا على قضية مركزية وهي إقصاء الخصوصية المغربية في عدة مجالات؛ منها: استبعاد الطب الشعبي من الاعتراف المؤسساتي، وإقصاء التجربة المغربية من السيادة على خطاب الصحة والشفاء.
2. تجربة الشفاء: بين الطب السريري والإيمان الشعبي:
في النظام الصحي الرسمي، الطبيب يشخّص المرض، يطلب تحاليل، يحرر وصفة طبية. غير أن مظهرًا بسيطًا كرداءة خط الأطباء يعكس أزمة تواصلية أعمق داخل المنظومة الصحية، تعيق فعالية الرعاية وحق المريض في الفهم. ومن ثم، فإن إدراج تحسين التواصل الكتابي ضمن أخلاقيات المهنة، وتكوين الأطباء في هذا الجانب، يندرج ضمن رؤية علاجية أكثر إنسانية وشمولية.
لكن، ماذا عن ملايين المغاربة الذين يلجؤون إلى الراقي، أو العشاب، أو الشيخ المعالج، أو يزورون الأضرحة، أو يدفنون أجسادهم في رمال زاكورة ومرزوكة وفم زكيد، أو يشربون ويتبركون بماء زمزم؟ هل هؤلاء مضلّلون، أم أنهم يمارسون فعلًا علاجاً يستند إلى إرث رمزي ومعنوي عميق؟
اليوم، نعيش انقسامًا معرفيًا حادًا: بين طب حديث بيولوجي، وطب شعبي بديل يدمج الرمزي والديني والجماعي. التحدي لا يكمن في إقصاء أحد الطرفين، بل في بناء نموذج تكاملي يحترم الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والبنية النفسية، دون الوقوع في الخرافة، ويضمن السلامة العلمية، دون سحق الهوية.
3. هل نمتلك سياسة صحية ثقافية؟
رغم الخطابات والشعارات المتكررة عن الصحة للجميع، ما تزال السياسات العمومية والقطاعية الصحية في المغرب أسيرة نموذج غربي، يُقصي المخيال الشعبي للعلاج. لا توجد دراسات رسمية تقيم أثر الرقية، أو الأعشاب، أو الحجامة، على الصحة الجسدية أو النفسية. ولا توجد أقسام جامعية تدرّس الطب الشعبي كمجال معرفي جدير بالتنظير والتقنين.
في المقابل، يُعامل الممارسون التقليديون كخطر صحي، بينما تحاط الممارسات الحديثة بهالة الشرعية المطلقة. غير أن الطبيب أيضًا حامل لثقافة، والتشخيص فعل تأويلي، لا معادلة ميكانيكية. فهل الجسد محايد؟ ألا يحمل الجسد المغربي تصورات ثقافيّة ترى في العين، والنيّة، والبركة، والمسّ، مفاتيح لفهم المرض والشفاء؟
4. دواء ناقص أم سياسة ناقصة؟ إشكالية عدم تطابق الجرعات
ومن المفارقات الصامتة داخل المنظومة الدوائية، أن الطبيب يصف علاجًا يمتد غالبًا لثلاثين يومًا، لكن المريض يصطدم في الصيدلية بعلبة تحتوي 28 قرصًا فقط. قد تبدو حبتان ناقصتان تفصيلًا بسيطًا، لكنها في الواقع تخلق عبئًا حقيقيًا، خاصة إذا كان ثمن الدواء مرتفعًا، حيث يُجبر المريض على شراء علبة ثانية كاملة لإتمام يومين فقط من العلاج. هذا الخلل بين الوصفة الطبية والتغليف التجاري يُضعف مبدأ “العلاج الكامل”، ويُعمّق التفاوت العلاجي بين الفئات الاجتماعية.
إن هذا التناقض التقني ليس معزولًا عن منطق العدالة العلاجية. بل يُجسد غياب سياسة دوائية شفافة تضع المريض في قلب المعادلة، وتُراعي واقع العيش اليومي للمواطن. الإصلاح هنا لا يكون في الدواء فقط، بل في العقليات التي تُنظم تداوله، في تشريع يُلزم بتطابق الجرعات مع المدة العلاجية، أو يُجيز بيع وحدات مفردة تحت إشراف صيدلاني، بما يضمن العلاج الكامل دون هدر ولا عبء مادي إضافي.
5. العلاج كعلاقة إنسانية لا تقنية:
علاقة الطبيب بالمريض في المغرب باتت محكومة بمنطق إداري: ملف، بطاقة، تحاليل. بينما يجد المواطن في الراقي أو الشيخ شخصًا يسمعه، يلمسه، يُخاطبه بلغة الروح. ليست هذه مقارنة تفاضلية، بل إشارة إلى أن فعالية العلاج لا تقاس فقط بمدى دقة الأدوية، بل كذلك بالطمأنينة، والتواصل، والثقة.
علاج الألم، القلق، والخوف لا يتم فقط عبر الأجهزة، بل عبر الكلمة، واللمسة، والدعاء، والرمز. وهنا تبرز أهمية إدماج مقاربات معرفية غير تقنية ضمن المنظومة الصحية: الأنثروبولوجيا الطبية، علم النفس الثقافي، الفلسفة التطبيقية، والسيسيولوجيا العلاجية.
6. نحو إدماج دون ابتذال:
الدعوة إلى عدالة علاجيّة ثقافيّة لا تعني تبرير الشعوذة أو اللاعقلانية. المطلوب ليس تعميم الرقية، بل دراستها علميًا. المطلوب ليس إحلال الأعشاب محل الأدوية، بل التحقق من مدى فعاليتها، وتأهيل العشابين علميًا. المطلوب ليس تحويل المستشفى إلى ضريح، بل إلى فضاء يتسع للرمزي والديني، دون أن يفقد علميته.
إن دمج الطب الشعبي في السياسات العموميّة والقطاعيّة الصحية ليس نزعة فلكلوريّة، بل مطلب سيادي ومعرفي. كما أن للصين طبّها، وللهند تقاليدها، ولألمانيا وحداتها في الطب التكاملي، يحق للمغرب أن يؤسس لنموذج علاجي يجمع بين الجذور الثقافيّة والانفتاح العلمي.
7. مجتمع بكامله على سرير التحليل النفسي:
بمناسبة اليوم العالمي للصحة العقلية، كشف تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن 48.9% من المغاربة يعانون أو سبق لهم أن عانوا من اضطرابات نفسية. هذا النصف المريض يُنتج نصفًا آخر يعاني من اختلالات التعامل والتواصل، في دائرة مغلقة من المعاناة الجماعية.
في المغرب، لا حاجة لتقرير طبي لتُعتبر مريضًا نفسيًا؛ يكفيك أن تتنقل في وسائل النقل، أو تتعامل مع الإدارة، أو تناقش السياسة، لتكتشف أن “بويا عمر” لم يُغلق فعليًا، بل امتد إلى الشارع والمقهى والبرلمان.
8. نحو عدالة علاجية مغربية:
ما نحتاجه هو إعلان معرفي وأخلاقي، يعترف بأن الصحة ليست فقط دواءً، بل هوية، معنى، انتماء. نحتاج إلى هيئة وطنية للطب التقليدي، تُوثّق الأعشاب، تُقنّن العلاجات، وتُكوّن الممارسين. نحتاج إلى تدريس الطب الشعبي في كليات الطب والعلوم الإنسانية، لا كخرافة، بل كحقل معرفي جدير بالبحث والتطوير. نحتاج إلى اعادة تحديد المفاهيم المغلوطة والخاطئة المتعلقة بالطب؛ ومنها مفهوم الي النبوي؛ مما يولد الاعتقاد وحتى القناعة وكأنه خارج هذا الفهم لا يوجد طب.
ختامًا، لسنا بصدد إلغاء الطب الحديث من أجل إقرار طب بديل، بل إعادة النظر في موقعه داخل النسيج الاجتماعي المغربي. لا ندعو إلى روحانيّة خرافيّة، بل إلى واقعيّة ثقافيّة. فالمغربي، في لحظة ضعفه، لا يبحث فقط عن علاج عضوي، بل عن يد تُطمئنه، وصوت يقول له: بإذن الله غتْبْرَا وستشفى بمشيئة الله.





