عدالة الشُّبْهة وشرعيّة التبليغ وحدود النميمة القانونيّة: جدل عبارة يتلقى الوشايات في قلب قانون المسطرة الجنائيّة المغربي
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
ننطلق في تحليل هذا الموضوع من السؤال المنهجي: ما هي حدود المشروعيّة حين تُصبح الوشاية والشكاية المجهولة مدخلًا مؤسّساتيًا للبحث؟
يُثير تضمين عبارة “يتلقى الشكايات والوشايات” في عدد من فصول قانون المسطرة الجنائيّة المغربي، إشكالًا قانونيًا وأخلاقيًا بالغ التعقيد. فبينما يبدو هذا المقتضى في ظاهره آليّة لتفعيل دور النيابة العامة والشرطة القضائيّة في رصد الأفعال المجرّمة، فإن عمقه المفاهيمي يطرح إشكاليات ترتبط بطبيعة الدولة، وموقع الفرد داخل منظومة العدالة، وحدود تدخل السلطة في الحيّز الخاص للأشخاص.
* هل تكفي عبارة فضفاضة مثل “يتلقى الوشايات والشكايات” لبناء فعل جنائي مشروع؟
يُلاحظ أن الفصول: 21، 40 و49 من قانون المسطرة الجنائيّة الحالي، تنص حرفيًا على أن ضباط الشرطة القضائيّة، ووكلاء الملك، والوكلاء العامين للملك، “يتلقون الشكايات والوشايات”، دون أن يقدم النص أي تعريف قانوني أو تحديد دقيق لمفهوم المقصود ب: “الوشاية”، أو المعايير التي تُمكّن من التمييز بينها وبين البلاغ الكاذب أو النميمة الكيديّة. فهل يمكن للقانون الجنائي، وهو القانون الذي يُفعّل آلية الردع والعقاب السالب للحريّة، أن يُبنى على مفاهيم مبهمة وغامضة، ويستند إلى تبليغات لا يُعرف مصدرها؟
* أليس من المفارقة أن تُصبح الرسالة المجهولة، أداة تُربك النظام القضائي؟
حين يُعطى لوكيل الملك أو الشرطة القضائيّة صلاحية فتح التحقيق والبحث بناءً على رسالة دون توقيع، أو بلاغ شفوي مجهول الهوية، فإن ذلك يضعف ضمانات المحاكمة العادلة، ويفتح الباب لتصفية الحسابات الشخصيّة، والانتصار للضغائن بدل الأدلة. ذلك أن ما يُنقل بدون هوية، يفتقر لمبدأ “المواجهة” الذي يُعد ركنًا جوهريًا في العدالة الجنائيّة الحديثة.
* لكن هل تحمي المسطرة الجنائيّة ضحايا الشكايات المجهولة والوشايات الكيديّة؟
من اللافت غياب أي مقتضى قانوني يُلزم الدولة أو الجهة المبلَّغ إليها، بجبر ضرر الشخص المعنوي الذي وُجهت له اتهامات كاذبة من مصدر مجهول. فالمواطن الذي يُستدعى للتحقيق بناءً على وشاية، يتحمل تبعات نفسيّة واجتماعيّة ومهنيّة جسيمة، دون أي إمكانية حقيقيّة للانتصاف، خاصة إذا أُغلقت وحفظت المسطرة بعدم المتابعة دون تعليل.
* كيف تفسّر اللغة القانونيّة “الوشاية”، وما أثر دلالاتها المعجميّة؟
بالعودة إلى الجذر اللغوي لكلمة ”الوشاية” يُبرز معاني متعددة تتقاطع مع النميمة والتزييف والسعي بالكذب، وإخفاء النوايا الخبيثة، وهي معانٍ تصطدم بالحد الأدنى من الأخلاق القانونيّة. إن القانون حين يستبطن اصطلاحًا محمّلًا بهذه الدلالات، دون تفكيك أو تحصين، فإنه يُطبع سلوكيات الخيانة والافتراء بمنطق الإجراء الرسمي.
* لماذا أُسندت للنيابة العامة صلاحية التحقيق في ما لا يحمل صفة الشكاية؟
في غياب تعريف قانوني للوشاية، يبقى كل بلاغ لا يتضمن مصلحة مباشرة أو توقيع صريح، عرضة للتصنيف كوشاية، ومع ذلك فإن فصول القانون تمنح لها القوة الكافيّة لإطلاق البحث التمهيدي. هذه المفارقة تفتح سؤالًا حول أولويات الدولة: هل الأهم هو حماية الأفراد من القذف المقنّع، أم مجرد تلقي أكبر عدد من البلاغات، دون تدقيق في مصداقيتها؟
* ما هو موقف السيد وزير العدل؟ هل هو تأويل قانوني أم إصلاح سياسي؟
في خضم الجدل، قدّم وزير العدل المغربي، الأستاذ عبد اللطيف وهبي، خلال لقاء تلفزيوني موثق، موقفًا شجاعاً وجريئًا يعتبر فيه أن الوشايات المجهولة تُمثل خطرًا على العدالة، مقترحًا أن لا يُفتح أي بحث بناءً على بلاغ لا يحمل توقيعًا شخصيًا. الموقف، وإن تم تأويله سياسيًا بشكل غير دقيق، فإنه من حيث الجوهر يُعيد الاعتبار لكرامة الأفراد الإنسانيّة الوجوديّة، ويُطالب بالحد من تسييس الفعل الجنائي عبر البلاغات الكيديّة.
* ألا يستدعي هذا الوضع مراجعة دستوريّة لمفاهيم العدالة؟
الوشايات المجهولة، في ظل غياب إطار قانوني صريح، تُهدد مبدأ الأمن القانوني والأمن القضائي على حد سواء؛ الذي كرّسه دستور المملكة. بل إن هذه الوضعيّة تُعيدنا إلى نموذج عدالة الشُّبهة، بدل عدالة الدليل والبرهان، وتُلقي بظلال قاتمة على حياد النيابة العامة، واستقلال القضاء، وكرامة الأفراد.
في قواعد الفقه الإسلامي، تُعتبر “عدالة الشبهة” مبدأً قانونياً وأخلاقياً يقتضي درء الحدود والحدود المشتبه فيها. وهذا معناه أنه إذا كان هناك شك أو شبهة حول ارتكاب فعل جرمي ما، يجب أن يُعطى المتهم ميزة الشك، ولا يجوز توقيع العقوبة عليه إلا إذا ثبتت إدانته بشكل قاطع وواضح.
* خلاصة تأمليّة:
ليس الإشكال في إمكانية التبليغ عن الجريمة من عدمه، بل في أن تُختزل كل ضمانات العدالة في ورقة بلا اسم، ولا توقيع، ولا ضامن. وإذا ما تحولت الوشاية إلى إجراء مشروع، دون رقابة قانونيّة أو تعريف دقيق، فإننا ننتقل من دولة الحق بالقانون إلى دولة الشُّبهة.
لعل من أعظم مكاسب إصلاح العدالة أن ننتقل من منطق “البحث بناء على الشبهة” إلى منطق “التحقيق بناء على قرائن جادة”، ومن التخفي الجبان وراء المجهول، إلى الشجاعة والجرأة في التبليغ باسمٍ صريح وتحملٍ للمسؤولية.
حينها فقط، يمكن أن نقول إن القانون لا يُستعمل كسلاح، بل كحماية متوازنة للجميع.





