* الدكتور شَنْفَار عبد الله
لا يكاد يمر حدث عمومي في المغرب، انتخابياً كان أو تنموياً أو احتجاجياً أو حتى ذا طابع ديني أو ثقافي، إلا ويُستدعى سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي بنية ذهنية عميقة: هل المخزن مع هذا الطرف أم مع ذاك؟
فالمفارقة أن كثيراً من الفاعلين لا ينطلقون من سؤال القانون أو المؤسسات، بقدر ما ينطلقون من البحث عن موقع الدولة داخل معادلة الصراع، وكأن شرعية المواقف لا تستمد قوتها من حجيتها، وإنما من درجة اقترابها أو ابتعادها عن السلطة.
ومن هنا يصبح “الاحتماء بالمخزن” أكثر من مجرد تعبير متداول؛ إنه تمثل سياسي واجتماعي يعكس استمرار ثقافة تجعل الدولة رأسمالاً رمزياً يُطلب استثماره، لا مرجعاً قانونياً يُحتكم إليه.
فالفاعل، حين يعجز عن حسم خلافه بمنطق المؤسسات، يسعى إلى استدعاء الدولة لتكون سنداً له، لا حكماً بينه وبين خصمه. وهنا يتحول المخزن، في المخيال الجماعي، من ضامن للمسافة القانونية إلى طرف يُراد له أن يرجح كفة على أخرى.
غير أن هذا التمثل يصطدم بجوهر الدولة الحديثة. فالدولة لا تُبنى على منطق الانتصار لهذا أو ذاك، وإنما على قدرتها على مقاومة إغراءات الانحياز، وصيانة استقلال مؤسساتها، والحفاظ على المسافة القانونية نفسها بين مختلف الفاعلين.
لذلك فإن قوة الدولة لا تُقاس بكثرة حضور مسؤوليها في المناسبات العامة، ولا بعدد التدشينات والاحتفالات التي يشاركون فيها، وإنما بقدرتها على أن تظل حاضرة بالقانون حتى عندما تختار الغياب بالبروتوكول، وأن تُغلب مقتضيات المؤسسة على اعتبارات المجاملة.
إن المخزن، في معناه المؤسساتي والتاريخي، لا يمثل جهازاً إدارياً فحسب، بل يجسد استمرارية الدولة، ويؤمن دوامها، ويحمي مؤسساتها، ويصون سيادتها، ويضمن أمنها واستقرارها، ويؤطر استمرارية المرافق العمومية، ويوفر الشروط الضرورية لاستمرار التنمية والعمران.
وهذه الوظيفة لا تتحقق إلا إذا ظل القرار الإداري متحرراً من الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرمزية، لأن الدولة التي تسمح بتوجيه مؤسساتها وفق موازين النفوذ، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج الثقة، وتفتح الباب أمام التشكيك في شرعية سلطتها.
ولعل أصعب ما يواجه المسؤول العمومي ليس اتخاذ القرار في ذاته، وإنما إدارة شبكة معقدة من المصالح والتوقعات والمتناقضات.
فهو يتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه الاعتبارات القانونية مع الضغوط الاجتماعية، وتتداخل فيه الحسابات السياسية مع الانتظارات الرمزية، فيصبح مطالباً بالموازنة بين متطلبات متعارضة دون أن يفرط في مقتضيات الحياد. ولذلك يصدق عليه قول الإمام الشافعي:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السُّخطِ تُبدي المساويا
فالمسؤول قد يُلام إذا حضر، ويُلام إذا غاب، ويُنتقد إذا بادر، كما يُنتقد إذا تحفظ. لذلك لا يمكن أن يكون رضا الفاعلين معياراً لسلامة القرار، لأن الرضا نفسه يخضع لموقع كل طرف داخل معادلة المصالح، بينما يظل القانون وحده المعيار القادر على منح القرار الإداري مشروعيته.
ومن هنا تبرز أهمية تحصين الوظيفة العمومية من مختلف أشكال التأثير والاستقطاب. فالموظف العمومي يظل إنساناً قابلاً لكل صور الاعتلال؛ فما لم تحصنه المؤسسة، ظل معرضاً لمختلف “فيروسات” التأثير والضغط والاستقطاب، وعندئذ تصبح شرعية السلطة نفسها محل تساؤل.
إن المناعة الحقيقية ليست خصلة فردية، بل خاصية مؤسساتية تنتجها قواعد واضحة للمساءلة والاستقلال، وتضمن للمسؤول أن يشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق الولاءات.
وعندما تتزامن المناسبات الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية أو التنموية مع سياقات سياسية حساسة، تتضاعف صعوبة القرار الإداري. فالحضور قد يُقرأ دعماً، والغياب قد يُفسر اعتراضاً، بينما يكون القرار، في حقيقته، محكوماً باعتبارات قانونية محضة تتعلق بصيانة تكافؤ الفرص، وضمان الشفافية، ومنع كل ما يمكن أن يثير شبهة الانحياز.
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الدولة الحديثة: ليس أن ترضي الجميع، وإنما أن تمنع الجميع من توظيفها في صراعاتهم الخاصة.
غير أن المراهقة السياسية تعيد إنتاج المشهد بطريقة مختلفة. فهي لا ترى في الدولة مؤسسة مستقلة، بل مجالاً للتنافس حول القرب منها.
لذلك تُختزل كل مبادرة إدارية في بعدها الانتخابي، ويُفسر كل قرار بمنطق الربح والخسارة، ويصبح الحياد نفسه موضع ريبة، لأنه لا يحقق الرغبة التقليدية في استقطاب الإدارة إلى صف هذا الطرف أو ذاك. إنها ثقافة تجعل النفوذ بديلاً عن القانون، والرمزية بديلاً عن الشرعية، والانفعال بديلاً عن التفكير المؤسساتي.
وتتجلى خطورة هذا المنطق عندما تعتقد بعض القوى السياسية أو النقابية أو الاقتصادية أو الدينية أو الاجتماعية أن وزنها داخل المجتمع يمنحها حقاً خاصاً في التأثير على القرار الإداري، أو في فرض نوع من المعاملة الاستثنائية.
عندئذ لا يعود المطلوب من الدولة أن تكون حكماً بين الجميع، بل أن تتحول إلى امتداد لنفوذ بعضهم، وهو ما يناقض جوهر الدولة القانونية التي لا تعرف امتيازاً خارج القانون، ولا تعترف بأي شرعية تعلو على شرعية المؤسسة.
إن الانتقال من الاحتماء بالمخزن إلى الاحتكام إلى الدولة هو، في جوهره، انتقال من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات.
فالدولة لا تُختزل في المسؤولين الذين يمثلونها، كما أن هيبتها لا تُبنى بالمجاملة، وإنما باستقلال القرار، وبتطبيق القانون على الجميع بالقدر نفسه، وبقدرتها على مقاومة الشعبوية، مهما تلونت شعاراتها أو اختلفت مرجعياتها.
ولذلك فإن النضج السياسي لا يبدأ عندما تتراجع الخلافات، بل عندما يصبح الاحتكام إلى القانون بديلاً عن البحث عن سند داخل السلطة، وعندما يدرك الفاعلون أن قوة الدولة لا تكمن في انحيازها إليهم، بل في قدرتها على ألا تنحاز لأحد.
فهناك فقط يتحول المخزن، بمعناه الدستوري والمؤسساتي، من موضوع للتنافس إلى ضمانة للتوازن، ومن أداة يُراد الاستقواء بها إلى مؤسسة تحمي الجميع من تغول الجميع.
إن السؤال الذي ينبغي أن يؤطر مستقبل الثقافة السياسيّة المغربية لم يعد: “هل المخزن معنا؟”، وإنما: “هل نحن مع الدولة حين تلتزم بالقانون حتى وإن خالف ذلك رغباتنا؟”
ففي هذا التحول وحده تتأسس المواطنة المؤسساتية، ويتراجع منطق المراهقة السياسية، ويغدو احترام حياد الدولة شرطاً لبقاء الدولة نفسها، لا مجرد فضيلة إدارية أو خيار تدبيري.
فالدول الراسخة لا تُبنى بمن ينتصر لها في كل معركة، بل بمن يقبل الاحتكام إلى قواعدها، حتى عندما لا تأتي النتائج على هواه.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





