*الدكتور عبد الله شنفار
لم يعد السرُّ في عصر تدفّق المعلومات هو ما يُخفى عن الناس، بل ما يُدار بعناية بوصفه امتيازًا معرفيًا وأداةً لإنتاج النفوذ.
فالقيمة الحقيقيّة للمعلومة لا تكمن في وجودها أو غيابها، وإنما في تحديد من يملك حق الوصول إليها، ومتى، وبأي قدر.
ولهذا، فإن أخطر ما يهدد السريّة ليس فعل التسريب في حدِّ ذاته، بل تحوّل السر إلى سلعة للتداول الجماهيري، يفقد معها وظيفته الاستراتيجية، ويتحوّل من مصدر قوّة إلى مادة للاستهلاك والتأويل وإعادة الإنتاج.
في المقابل، يبرز في الفضاء الرقمي والإعلامي من يتحدث بثقة عن أكثر الملفات حساسيّة: السياسة، والاقتصاد، والأمن، والاستخبارات، والاستراتيجيات الدولية، والصراعات الخفيّة، بل وحتى ما يُقدَّم على أنه كواليس صناعة القرار. وكأن الحدود بين المعلومة والتحليل، وبين الحقيقة والتخمين، قد تلاشت تمامًا.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: ما حجم المعرفة الحقيقيّة التي يمتلكها هؤلاء؟ وما هي حدود الترخيص ونطاق ما أُتيح لهم الاطلاع عليه؟ وهل يمكن أصلًا لإنسان واحد أن يحيط بكل تلك العوالم المتشابكة؟
في المؤسسات الأمنيّة والاستخباراتية، لا تُبنى المعرفة على أساس مبدأ الإحاطة الشاملة، بل على مبدأ الحاجة إلى المعرفة؛ حيث تُوزَّع المعلومات وتتدرج وفق الاختصاص والمسؤولية، ويظل كل مستوى على اطّلاع بما يخدم مهمته فقط.
لذلك، فإن وجود مساحات وزوايا معتمة ليس استثناءً، بل هو جزء من بنية العمل ذاتها. بل إن كثيرًا من العاملين داخل المنظومة لا يملكون سوى أجزاء محددة من الصورة، بينما تبقى الصورة الكاملة حكرًا على دوائر جد ضيقة، وقد لا تكون مكتملة حتى لدى أصحاب القرار أنفسهم.
ومن هنا، فإن الادعاء بالإحاطة المطلقة بأسرار الدول أو بخفايا الأجهزة أو بمجريات الأحداث الكبرى، ينبغي أن يُقابل بقدر من الحذر النقدي. فالمعرفة الحقيقيّة تزداد تواضعًا كلما اتسعت، بينما تميل المعرفة المتوهَّمة إلى الجزم واليقين.
إن السر ليس مجرد معلومة مخفيّة، بل هو نظام لإدارة وتدبير الوصول إلى المعرفة. وحين يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الحقيقة والتحليل، وبين المعلومة والتخمين، يصبح الغموض نفسه موردًا اقتصاديًا ورأسمالًا رمزيًا، وتتحول صناعة “الأسرار” إلى تجارة تقتات على فضول الجمهور أكثر مما تستند إلى حقائق موثقة.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





